أود إخبارك بأنني قد قضيت لتوّي عدة ساعات أبحث عن كيفية كتابة مثل هذه الخطابات. وأود إخبارك أيضًا أنني تمكنت من هذه المهارة البسيطة. ربما لاحظت كيف بدأت خطابي بـ«عزيزي المسؤول عن المنحة»، وهو أول شيء تتعلمه. وهي أول كذبةٍ تصوغُها فتحسن صياغتها، كما ترى. هي كذبة، ليس لأن أحدًا منا لم يستلطف الآخر.. فقط لأننا لا نعرف بعضنا البعض. وهي، كما تعرف أيضًا، ليست الكذبة الأولى. فعليّ بعدها أن أشكرك على إتاحة الفرصة أمامي وأمام زملائي للتقديم بهذه المنحة. لا تسيء الظن بي يا سيدي، كنت لأبذل لك غاية الامتنان لو كان لي فرصة قبول مساوية (أو حتى أقل بقليل) لأقراني من بلدكم والبلدان الأخرى، ولكن كلانا يعرف عدم صحة هذا الادعاء. لا ألومك على كل حال. لم أكن لأستثمر في مصريٍ لا أعرفه. غالبًا ما سيكون شابًا فقيرًا، خاملًا، لا تثيره الرغبة في العمل الجاد، يريد أن يرتقي بلا جهد حقيقي لأنه يؤمن بالمعجزات، وبقدراته الفهلوية وغير الفهلوية. لا تكون قد ظلمتَه إذا قلتَ أنه لا يثيره إلا شقراءُ فاقعٌ لونها، خواجايةٌ جميلةٌ تسر الناظرين، يأمل أن تحبه لأنه فرعون بالطبع. ومع إنكم قشطة يعني، وهو ربما لا يحتاج لهذا، فلا بد وأن سيتحرش بها وبغيرها من فتياتكم، ربما لأنه يراهنّ قد استحققن هذا وقت أن نزلوا من بيوتهن بهذه الملابس الخليعة، هذا ما نشأ عليه على كل حال. آسف على هذا الاستطراد، فقط أردت إخبارك أنني أعرف أنكم تظنوني خطرًا بالغًا على أمنكم وسلامتكم، وتعكيرًا لصفاء الجو العام. كما أنكم تشكون في مؤهلاتي وقدراتي العلمية ومسيرتي التعليمية. لا ألومكم أيضًا. ربما لهذا عليّ أن أزيد من ادعاءاتي، في جزء لاحق، بخصوص جودة تعليمي وقدراتي الفائقة، وكيف أنني على أتم الاستعداد للانضمام إليكم، فالانضمام إليكم هو الخطوة التالية، المنطقية، في مسيرتي بالطبع. أعرف أنكم لن تصدقوا حرفًا مما أقول، كما أعرف أنه ليس بيدي حيلة أخرى. فتقبل يا سيدي هذه الإنجازات، وتأكد أنه على الرغم مما بها من بعض المغالاة، فبها الكثير من الصحة. هي تخبر عني وعن سنين عمري الضائعة، عن كل خبراتي الحياتية، وكل اختياراتي الموفق منها وغير الموفق. وعلى الرغم من كونها لا تجذب انتباهك، وربما تظنها مزرية، أو في أحسن الأحوال متواضعة هينة، فثق أنها لم تنجز بهذه السهولة التي تبدو وكأنها عليه. لا شيء هنا يتم بسهولة. ثق أن الحياة قد سخّرت من المواقف والأشخاص ما أحال تجارب كالتي بين يديك جحيمًا كاملًا- هذا شيء لا تختبره إلا في المحروسة. فقط تأكد أنني أكبرُ من مجموع هذه الإنجازات المتواضعة.

على العموم، بالطبع لا أخبرك بهذه الإنجازات إلا وقد مهدت لك الطريق، بأن أقص عليك قصة دخولي هذا المجال، وكيف أنني نطقت باسمه فور نزولي من بطن أمي. ولو أردت أن أداعبكم قليلًا، لرويت رواية معاكسة، أخبرتكم فيها كم كنت أكره هذا المجال، وأبرزت نقطة التحول، وإعادة الاستكشاف، التي جعلتني أقع في حبه من جديد. وكيف بدّل هذا من حالي ككل. أعلم أنك تسمع مثلها المئات والآلاف. أعرف، ولا أظن ذلك يخفى عليك، أنك ربما لن تجدها فريدة ولو كانت. وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين.

ولو لم تكن قد صدقتَ ما قصصتُ عليك، فبالطبع لن تصدق أيْماني- الكاذبة بالمناسبة- أنني على أتم الثقة بقدراتي وبرغبتي بالانضمام إليكم وكيف يُعد ذلك شرفًا لي وخطوة لا غنى عنها في تحقيق أحلامي المهنية. دعني أخبرك سرًا يا عزيزي – وأقولها الآن بما قد أضفته هذه الرسالة من ألفة على علاقتنا الوليدة. لا يعرف أيٌ منا أي شيء عن أحلامه المهنية (ولا ينبغي لَه، أليس كذلك؟). ولو عرفنا، فدائمًا ما ستساورنا الشكوك. ستطاردنا الـ«ماذا لو؟» حتى تـَمَل. تطاردنا منذ تخطي أحلام الطفولة، ومنذ إدراكنا لعالمنا الموحش، أنا والكثير في شريحتي العمرية ولا أبالغ إن قلت على الإطلاق. تطاردنا منذ قررنا إعادة بناء تصوراتنا عن الواقع وإعادة رسم خططنا وأهدافنا المستقبلية. لا أرى غضاضة في ذلك. ولا أرى غضاضة في كوْني لستُ على أتم الثقة، لا بقدراتي ولا بغيرها من الأشياء. أجهل إن كانت الحياة قد وضعت في طريقِك أغبياءَ كثيرين «على أتم الثقة» بكل ما يؤمنون به، كمن وضعتهم في طريقي. أغبياء وبُله ومتعجرفين. ولكنني أتمنى أن تكون قد أدركت، بأي طريقةٍ كانت، مدى قبح هذه الثقة في أغلب الأوقات. أتمنى أن تكون قد أدركت أن الثقة ليست هي العامل الأهم. وإن كنت لا تريدُ تضييع نقودك على من لم يتحقق من وجهته أو يشاور نفسه في أمور نفسه، فلا تخف. لست ممن سيضيع تعبك. سأعمل بجد، وأقوم بمهامي وإن كرهتها في منتصف الطريق. ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

في الختام، أعلم أنكم لن تستطيعوا استيعاب هذا العدد من المتقدمين، كما أعلم أنكم لا تشعرون بالأسف لعدم قبولي. من الجيد أن تحاولوا تعزيتي، وأن تدّعوا الأسف لتخبروني بمثل هذا الخبر بشياكة. أشكر لكم هذا. وأتمنى ألا تجبركم الظروف، في أي عالم مواز أو متقاطع مع هذا العالم القبيح، على المعيشة في بلد كبلدنا تجبركم على مد إيديكم «للي يسوى واللي مايسواش».

مع خالص الشكر والتقدير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد