“يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ”. (يوسف 46)

كلما قرأت سورة يوسف، أو تذكرت قصته أقف عند هذه الآية كثيرًا، وأحاول ربط الكثير من الأحداث التي سبقتها والتي تلتها، ولكن لا أقف عند قصة يوسف وأنتهي هنا، بل أفكر أبعد من قصة يوسف عليه السلام.

إن هذه الآية تدل على رؤيا قد رآها الملك ولم يجد من يفسرها له غير يوسف عليه السلام، فقال من حوله، هي أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. في الحقيقة هي لم تكن حلمًا عابرًا بل رؤية تُنذر بسنوات شديدة قادمة.

“قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ 47 ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ 48 ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ 49”.

هي سبع سنين عجاف، يسود القحط فيها، ويزداد الموت، وبعد هذه السنوات، يأتي عام فيه يُغاث الناس، وتزول الشدة عنهم ويزول الكرب.

هذه السنوات قد أتت وكانت شديدة جدًّا، كانت تحمل معها الجفاف والأمراض، والموت الذي أصاب الكثيرين، تلك الرؤيا التي فسرها يوسف للملك كانت كإنذار من الله للعباد، وأتى أمر الله، فكانت هذه السنين العجاف. هنا ينتهي تفسير يوسف لرؤية الملك.

أعود لعنوان المقال الذي قد يعتبره البعض غريبًا ولكني أريد أن أخوض في أمور تحدث أمامنا تحتاج إلى تفسير، ونبحث عن صِّدِّيق يفسر لنا ولا نجد.

في هذه الأيام نحن نرى واقعًا غريبًا وليست أضغاث أحلام، هي سنين عجاف جديدة نعيشها من المحيط إلى الخليج.

إذا ما التفتنا إلى أي ناحية فإننا لا نرى غير قتل أو دمار، أو مشردين، لا نرى غير أناس لا نعرف من أين أتوا، يحملون السلاح ويقتلون باسم الدين، مع أن الدين لم يأمر بالقتل ولا بالدمار.

إذا نظرنا إلى الوطن العربي الذي كان في يوم جميل، سنرى وطننا أشبه بمدينة خاوية على عروشها في بعض أجزائه، وكأنه قد ضربها إعصار. لا ياسمين في دمشق، ولا نخيل في العراق، ومياه الأنهار قد صُبغت بلون آخر، فهي تلونت بلون الدماء، وقد كادت هذه الأنهار أن تجف ولكنها بقيت على حالها جراء دموع الأطفال، والنساء.

كاد أن يكون الوطن العربي أخضر اللون، فالكثير من أراضيه هي صالحة للزراعة والاستثمار، وهو غني بالمياه ولكنه أيضًا غني بالنفط الأسود الذي لوثه فطغى السواد على كل شيء، فهذا النفط الذي لم ندرك كيف نستفيد منه، قد تحول إلى أهم عنصر من عناصر الهلاك في وطننا.

ليته لم يكن النفط في أراضينا لكان حال أوطاننا أفضل مما هي عليه الآن، لرأينا دمشق مكللة بالياسمين لا مكللة بالدمار.

في زماننا هذا سنين عجاف لا تختلف عن سبع سنين ماضية كان عنوانها القحط، أتت على كل شيء، وأتت على أخوة يوسف أيضًا.

في هذه الأيام يكثر “الهرج والمرج” أي القتل، فلا يعلم المقتول لماذا قُتِل، ولا يعلم القاتل لماذا يقتل والجميع يرفع راية الخلافة والإسلام، ونسوا أن الإسلام دين العفو والمسامحة لم ولا يأمر بالقتل.

كم من امرأة أو شاب يريد أن يقول بصوت يسمعه العالم بأسره، يتمنى أن يقول: “يوسف أيها الصِّدِّيق أفتنا في أمرنا في حاضرنا في نفطنا، أفتنا في قوم استلوا سيوفهم، يقطعون أعناقنا، يتفننون في قتلنا، تارة يُحرقونا وتارة يرجمونا وتارة أخرى يُغرقوننا، أفتنا في قوم تركوا العدو خلفهم واتخذوا منا عدوًا، يوسف أيها الصِّدِّيق أفتنا، في أطفال لم يعرفوا الطفولة فقدوا في بداية حياتهم أهلهم، تلون شعرهم باللون الأبيض قبل أوانه، يوسف أفتنا في أنهار من دموع ودماء، في وطن أصبح مسرحًا لجميع الأعداء، في وطن أصبح القتل فيه هو أول وآخر الأشياء”.

ما وصلنا له من حال، هو أصعب من أن نفهمه بسهولة، فنرى الجميع أصدقاء وبين ليلة وضحاها يصبحون أعداء.

لا أحد يشعر بحال الوطن المُدمَّر، أو بحال المواطن المُهجَّر، فالكل يبحث عن منصبه، عن دوره، يبحث عن ذاته وسط هذا الهلاك، لا أحد يشعر بنا غيرنا.

عند انتهاء هذه المرحلة، سيقف الجميع، يلوحون لنا بالنصر، وهم في حقيقتهم لا يعلمون هل انتصروا أو لماذا يلوحون، وهل يا تُرى سيبقى هناك من أحد يقفون أمامه ليلوحوا له؟؟
بعد انتهاء هذه المرحلة سيكون الوطن خرابًا، ونعود لقصة يوسف، فما أصابهم، هو الآن يصيبنا ولا أحد يُفسر لنا ما نحن فيه.

في النهاية أتذكر قول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد