«وفقًا لدراسات حديثة صادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، فإن شوارع القاهرة تحتل المركز الأول في أعداد المتسولين بـ 4333 متسولًا تليها محافظة الإسكندرية باحتوائها على 1572 متسولًا،  كما أكدت الدراسة أن 3٫41٪ من المتسولين يتم إجبارهم على ممارسة التسول بغير إرادتهم، كذلك فإن 75٪ من المتسولين يحملون صفة متسولي المواسم، مثل رمضان والأعياد، وهم المتسولون الذين ينزلون إلى العمل في المواسم والأعياد والمناسبات الرسمية؛ اعتقادًا منهم أن هناك زيادة في الرزق في تلك الأوقات من العام، والدراسة قدرت عدد المتسولين في مصر بحوالي 11059 متسولًا، احتل الأطفال العدد الأكبر بمجموع 7357 متسولًا، يليهم نسبة المسنين، والتي تقل عنهم بنسبة طفيفة للغاية، وهؤلاء الأطفال يتم تأجيرهم من أسرهم، وأحيانًا خطفهم، حيث يحصدون يوميًا أكثر من 600 ألف جنية من جيوب المواطنين.

في أول مره رأيتها تعجبت وقلقت من إصرارها على أن أكتب لها اسمي، فتجاهلتها وذهبت. وبعد مده قابلتها من جديد، ولكنها لم تكن تحمل الورقة والقلم كما في المرة السابقة، قالت «ممكن تشتروا لي شيبسي من الكشك اللي هناك دا؟»
خشيت أن يكون الغرض من الشراء من هذا المكان تحديدًا هو منفعة لصاحبه، أما هي فلا تعود عليها أي منفعة، فأخبرتها بأني على استعداد أن أشتري لها ما تريد، ولكن من مكان آخر بحجة أنه أقرب، فوافقت وذهبنا.

في طريقنا للمكان الآخر سألتها عن اسمها وعلمت أنها «شهد»، اسم جميل أليس كذلك!

تابعنا طريقنا مع شهد، واشترت ما تُريد، وفي طريق العودة إلى نفس المكان الذي جاءتنا فيه طلبت منا أن نرافقها إلى والدتها، وعند سؤالها عن السبب قالت «أصل هي هتضربني لما تشوف الحاجات دي، تعالوا معايا قولوا لها إن إنتوا اللي اشتريتوها ».
استوعبت من كلامها أنه ربما تكون أمها تحرم عليها أن تشتري أي شيء من المال الذي تكسبه، ولكن في الواقع خشينا الذهاب معها؛ فنحن لم نكن نعلم بعد ما وراءها، وطلبنا منها الجلوس معنا حتى تنتهي من الأكل، وبالفعل وافقت شهد على ذلك.

تحدثنا معها كثيرًا، علمت أنها في الخامسة من عمرها، وتستعد للذهاب للمدرسة في العام المقبل، وأنها تمتلك «قلمً وكراسة جميلة» حسب وصفها. تعيش في إحدى القرى مع والدتها وأخيها الأصغر منها، أخبرتني أيضًا بأنها كان لديها أخ آخر، ولكنه توفي، كما توفي والدها، وعند سؤالها عن أخيها ووالدها المتوفيين نظرت لي وفي عينيها ثقة وقوة، وقالت «ربنا اللي بيجيب، وربنا اللي إيه…؟» كانت تنتظر مني أن أكمل لها جملتها، وهي تنظر لي بعينيها، فقلت لها «وربنا اللي بياخد».

أخبرتني بأنها لم تكن تحب والدها؛ فهو كان يعذبها، يضربها ولا يظهر لها أي اهتمام أو حب. فسألناها إذا كانت علاقتها بأمها أفضل فقالت «قالتلي هتديني تليفونها بخمسين جنيه، أنا عايزاه عشان ألعب عليه. ترضي أمك تاخد منك فلوس! المفروض تديهولي ببلاش – أنا بكرهها» هي كمان بتضربني، وبتاخد فلوسي هحبها ليه!»
لم تكن لدي هذه المرة رد على ما قالته، أشفقت عليها، وأنا أعلم أن إحساسي لم ولن تكفي لتحل لها مشاكلها.

تحدثت معها كثيرًا وكثيرًا، علمت تفاصيل جعلتني أشك في صدقها، وأعلم أن هناك شخصًا ما هو من يستغلها، خشيت حتى أن أخبرها باسمي الحقيقي، تمنيت من كل قلبي لو كانت صادقة، تمنيت لو استطعت أن أساعدها.

شهد، حتى لو كانت تكذب، فهي ليس لها رفاهية الاختيار بين الصدق والكذب، ونحن لا نملك حق محاسبتها، وتحري ما إذا كانت تكذب أم لا؛ فهذا لن يفيدنا بشيء. يكفي أن نتمتع مع شهد ببعض الأوقات الجيدة التي ربما تتذكرنا بها.

حكاية شهد هي واحدة من أصل آلاف الحكايات لأطفالًا آخرين أجبرتهم ظروفهم، وفقر أهاليهم على التسول، هم ليسوا ممن يتمتعون بحقوق الأطفال، هم أطفال كبار، بلا حقوق، يتجاهل وجودهم المجتمع.

«وفقًا لأحد أباطرة التسول بمنطقة المطرية، والذى بدأ التسول وهو في السابعة من عمره «الأولاد اللي عندنا مش مخطوفين، أهلهم طلبوا تأجيرهم علشان لقمة العيش والحياة الصعبة، أو أطفال مقطوعة من شجرة، وبالنسبة لقيمة الإيجار مش هنختلف، فيه إيجار باليوم، وفيه بالأسبوع، وفيه بالشهر، وهذا يتوقف على الاتفاق».

أما أسعار الإيجار، فذكر أن «الطفل السليم من عمر يوم إلى 5 سنوات إيجاره 50 جنيهًا في اليوم الواحد، ومن 5 إلى 10 سنوات إيجاره 30 جنيهًا في اليوم الواحد، أما الطفل المعاق فإيجاره يصل إلى 75 جنيها فى اليوم، والطفل المكفوف أو الأصم أو المقطوع يده أو قدمه يتراوح حجزه ما بين 100 و200 جنيه، أما المشوه، فبالحجز».

وكان الغريب تأكيده استعداد بعض الأسر الفقيرة لإحداث عاهة مستديمة بجسد أطفالها لاستعطاف المارة.

هؤلاء الأطفال لا يكملون تعليمهم، وغالبًا لا يكملون حتى المرحلة الابتدائية، كما أن هناك منهم من لا يتعلم على الإطلاق، ولم يسبق له دخول المدرسة.

كذلك هم لا يتمتعون بأية رعاية صحية، فيكونون دائمًا معرضين لأخطار صحية، ولا يآبه لهم أحد.

والمشكلة الكبرى التي قد تواجه بعضًا منهم، هي عدم قيام أسرهم بتسجيلهم بعد الولادة؛ الأمر الذي يتنافى مع المادة رقم (7) من الاتفاقية الدولية لحقوق الطف، والتي تعطي للطفل الحق في التسجيل الفوري بعد الولادة، بالإضافة إلى الحق في الاسم والجنسية ومعرفة الوالدين وتلقي رعاية صحية، ومن هنا يصبح وجودهم من عدمه سواء.

أول خطوة في العلاج هي الاعتراف بالمرض، لذلك يجب أن نعترف بتقصيرنا؛ فنحن من نشكل المجتمع. نرى هؤلاء الأطفال يوميًا في كل مكان؛ حتى اعتدنا رؤيتهم هكذا، وأصبح وجودهم على هذا الوضع أمرًا عاديًا.

نراهم يعانون بصمت، تظهر معاناتهم بوضوح في كل تفاصيلهم، على وجوههم الشاحبة، وعلى ملابسهم الممزقة، وأجسامهم الهزيلة، وفي توسلهم لنا كل يوم بلا كلل أو ملل بأن نساعدهم كما يقولون «بأي حاجة»!

كيف يمكن لنا أن نساعدهم، إذا بقينا في غفلتنا وتجاهلنا! بل إن هناك البعض من يرى أن وجود هؤلاء الأطفال يشكل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، بدلًا من مواجهة فشل المجتمع في حمايتهم ومساعدتهم.

المسؤولون في غفلة، كما هو الحال دائمًا، وهؤلاء الأطفال سيظلون ذنبًا لا يغتفر لهم، ولا يغتفر لنا إذا استمر صمتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشوارع
عرض التعليقات
تحميل المزيد