شهدت هونج كونج احتجاجات واسعة اعتراضًا على مشروع قانون لتسليم المطلوبين إلى الصين، قبل أن تتطور الاحتجاجات لتشمل مطالب أكثر جذرية ويشارك فيها أكثر من ربع سكان الإقليم، ورغم أن مواطني الصين ذاتها لا يجرؤون على التظاهر ضد حكومتهم بهذا الشكل، إلا أن هونج كونج تتمتع بوضع خاص على المستويين المحلي والدولي منذ أن استعادتها الصين من بريطانيا عام 1997 بعدما ظلت مستعمرة بريطانية لأكثر من 150 عامًا، للإشارة ليست هذه الاحتجاجات الأولى من نوعها وإن كانت الأكبر، فخلال 22 عامًا تحت السيادة الصينية شهدت هونج كونج ثلاثة احتجاجات كبرى من هذا النوع.

وكان انتقال هونج كونج من السيادة البريطانية إلى السيادة الصينية بموجب اتفاقية عقدتها الدولتان تضمنت أن يُحكم الإقليم وفق مبدأ «دولة واحدة ونظامان»، وهو المبدأ الذي ضمن للإقليم التجاري الأشهر في العالم نظام حكم ذاتي يتمتع بالسيادة في شؤونه الداخلية، بينما يخضع للصين في السياسة الخارجية والدفاع، وبموجب هذا المبدأ تتمتع هونج كونج بنظامها القانوني الخاص، وباقتصادها الرأسمالي المخالف للنظام الاشتراكي في الصين، فضلًا عن تمتعها بقدر كبير من الحقوق والحريات يضمن لسكانها حرية التعبير والتظاهر وتأسيس الجمعيات والصحف على خلاف أقرانهم في الصين.

ومع تصاعد الأحداث اتسعت مطالب المحتجين لتشمل استقلالية القضاء والمطالبة بإصلاحات ديمقراطية أوسع، وهو ما أجبر حكومة هونج كونج على التراجع عن مشروع القانون الذي فجّر الأزمة، لكن القرار جاء متأخرًا بعدما ارتفع سقف مطالب المحتجين ليشمل المطالبة بالعفو عن جميع المحتجزين والتوقف عن وصف الاحتجاجات بأعمال الشغب والتحقيق في انتهاكات الشرطة وضمان استقلال القضاء، فضلًا عن المطالبة باستقالة كاري لام الرئيسة التنفيذية لهونج كونج.

استغلت الصين جائحة كورونا وانشغال العالم الغربي بمكافحة الفايروس، وقامت بإقرار قانون الأمن القومي، حيث اعتمد البرلمان الصيني القانون ووقع عليه الرئيس الصيني متجاهلين دعوات الدول الغربية بعدم إقراره، هذا القانون الذي أثار مخاوف من قمع المعارضة السياسية في المستعمرة البريطانية السابقة، والتي تحظى بشبه حكم ذاتي، وينص قانون الأمن القومي على تجريم المطالبة بالانفصال ويفرض قيودًا على حرية التعبير وتنظيم المظاهرات، كما يحمل القانون في طياته عقوبات تبدأ من 10 سنوات وتصل حتى السجن مدى الحياة، ويخطط هذا القانون لفرض رقابة شاملة على الإنترنت في هونج كونج والولوج إلى بيانات المستخدمين وسحب الكتب المحسوبة على الليبرالية من المدارس والمكتبات.

ويتخوف سكان هونج كونج من انتقال القوانين الصينية القمعية إلى إقليمهم، وكما هو معلوم فالنظام الصيني
نظام شمولي ديكتاتوري لا يقيم أي اعتبار للحريات ولا لحقوق الإنسان، ولا يوجد فصل للسلطات في الصين والقضاء أداة بيد الحزب الشيوعي، وسارعت الصين إلى سن قانون الأمن القومي وتطبيقه على هونج كونج لإخماد الاحتجاجات فيها ومنع انتقال حمى المظاهرات إلى داخل الصين، مستغلة جائحة كورونا لتمرير القانون دون اعتراضات، وبذلك وضعت العالم الغربي أمام الأمر الواقع.

إن القانون الصيني ينهي الحكم الذاتي، الذي سمح للمستعمرة البريطانية السابقة بالازدهار كمركز مالي عالمي، واعتبرت منظمة العفو الدولية، في بيان لها، أن تمرير قانون الأمن القومي «هو لحظة مؤلمة لشعب هونج كونج ويمثل أكبر تهديد لحقوق الإنسان في التاريخ الحديث للمدينة، من الآن فصاعدا، ستكون للصين سلطة فرض قوانينها الخاصة على أي مشتبه جنائي تختاره». وأضافت المنظمة الحقوقية الدولية، أن «السرعة والسرية التي تعاملت بها الصين في هذا التشريع، تؤكد المخاوف من أن بكين صنعت قانونًا قمعيًا لاستخدامه ضد منتقدي الحكومة، بما في ذلك الأشخاص الذين يعبرون فقط عن آرائهم أو الذين يحتجون سلميًا ويطالبون بالديمقراطية».

وبالعودة إلى تاريخ الجزيرة قبل حكم الصين، نجد أن هونج كونج احتلت المرتبة الأولى في مؤشر الحرية الاقتصادية الصادر عن معهد «هيرتاج» الأمريكي منذ عام 1995، لكنها قد تفقده تدريجيًا إذا استمرت الصين في فرض قوانينها عليها، ويصنف الاقتصادي الأمريكي «ميلتون فريدمان» جزيرة هونج كونج، بأنها أفضل مثال للاقتصاد الحر في العالم قبل تحوّلها للصين.

 وحسب الخبيرة بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي «إلينور البرت»، فإن سكان هونج كونج يرون أن الصين استغلت ثراء جزيرتهم ووظفته لحساب البر الصيني وتركتهم فقراء، وأن شركاتها باتت تسيطر على المصارف والتجارة وتمنح قروضًا تمييزية لسكان البر الصيني، وتبعًا لذلك يلقون باللوم على النظام الشيوعي في الصين بتدمير حياتهم المعيشية وتدمير اقتصاد الجزيرة، الذي بات حجمه يتراجع كنسبة من إجمالي الناتج المحلي الصيني، ومنذ انتقال الجزيرة من التاج البريطاني إلى الصين فيما يُعرف بـ«دولة واحدة ونظامان» انكمش حجم اقتصاد هونج كونج كنسبة من إجمالي الناتج المحلي الصيني من 27% في عام 1993 إلى 3.0% في عام 2017.

وبعد إقرار قانون الأمن القومي، فإن الأثرياء في الجزيرة يتخوفون على ثرواتهم والشباب قلقون على فقدان حرياتهم من نظام بكين، وذلك حسب الخبيرة «إلينور ألبرت»، ويرى أغلب سكان الجزيرة أن الحكومة الشيوعية في البر الصيني باتت تسيطر تدريجيًا على اقتصادهم، وبالتالي فإنهم يرغبون في التحرر من بكين وتدعمهم في ذلك الشركات ورجال الأعمال في الجزيرة.

رغم أن سكان هونج كونج ينتمون عرقيًا للصين، إلا أن ثقافتهم غربية، وذلك لأنهم ظلوا تحت حكم التاج البريطاني لأكثر من 150 عامًا، أما من الناحية الاقتصادية فتتبع الجزيرة النظام الرأسمالي، خلافًا لنمط التخطيط المركزي للاقتصاد الذي يديره الحزب الشيوعي في البر الصيني، كما أنهم يتمتعون بالحرية في التعبير والتنقل مقارنة بالكبت السياسي والقمع الذي يعيشه الصينيون تحت حكم الحزب الشيوعي.

ينبغي على سكان هونج كونج أن يواصلوا النضال حتى يستعيدوا حقوقهم المشروعة أسوةً بشعب تايوان، الذي رفض الحكم الشيوعي والبقاء تحت العباءة الصينية، وهذا ما مكنه من العيش حياة حرة والاستمتاع بمختلف منتجات الحضارة الغربية، في ظل بيئة ديمقراطية تتميز بحرية الرأي والتعبير، الفصل ما بين السلطات، استقلالية القضاء واللامركزية في التسيير، كما ينبغي على سكان هونج كونج ألا ينسوا أن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته جزيرتهم، كان بسبب النظام الرأسمالي والقيم الديمقراطية والقوانين الحرة التي كانت تُحكم بها الجزيرة.

إن تمرير النظام الصيني لقانون الأمن القومي في ظل جائحة كورونا، يدل على خوف السلطات الصينية من المعارضة التي قد تتلقاها من سكان هونج كونج، لهذا ينبغي على سكان الجزيرة أن يستمروا بالاحتجاج والتظاهر حتى في هذه الظروف، لأن الخضوع للنظام الشيوعي وللقوانين الصينية القمعية أخطر بكثير من فايروس كورونا، وهم اليوم بين خيارين، إما مقاومة المد الشيوعي والاستمرار بالنضال حتى الوصول إلى ما وصل إليه شعب تايوان من حرية وازدهار اقتصادي، وإما الخنوع والخضوع للحكم الشيوعي والعيش كما يعيش الإيغور تحت الذل والقهر والظلم المسلط عليهم من سلطات بكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد