في كل عام يقضي أكثر من 5 آلاف شخص، خاصة من النساء؛ بسبب جرائم قتل ترتكب باسم حماية شرف العائلة في أنحاء متفرقة في العالم، خاصة الدول العربية والإسلامية. وتستمر مطالبة جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان بسن أشد العقوبات لمحاربة هذه الجرائم التي تمس أعظم حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة. ورغم التعديلات القانونية التي أصبحت تفرض عقوبة على الجاني في العديد من الدول العربية، فإن هذا النوع من الجرائم ما يزال يستخدم لتصفية الحسابات داخل العوائل العربية، وكذلك ترتكب في حق الإناث إن اشتبهوا في تورطهم في علاقات عاطفية مع شبان. وتحدث هذه الجرائم في بلدان كثيرة نذكر منها باكستان، والأردن، واليمن، وتركيا، والعراق، والمغرب، ومصر.

عقليات شرقية في لباس أوروبي

ما تزال جرائم الشرف هذه منتشرة في دول عربية كالأردن والعراق ومصر؛ بسبب الشك في سلوك المرأة واعتبارها جالبة للعار، غير أن العالم الغربي يشهد أيضًا مثل هذه الجرائم في صفوف الجاليات العربية والمسلمة، ما يشكل صدمة في أوساطهم، فالقتل الذي يستهدف المراة مبني بالأساس على عقليات ذكورية تؤمن بأن لها السلطة والسيطرة الكاملة على النساء، وقد تتمثل هذه السلطة الذكورية في الأب أو الأخ أو العم. وحسب رشا حلوة، كاتبة وصحافية ثقافية فلسطينية، تُبرر جرائم الشرف بالادعاء بأن المرأة «مسّت شرف العائلة» إلى أنها – أو الشكوك بأنها – ارتبطت عاطفيًا برجل من دين آخر أو طائفة أو قومية أخرى، أو مثلًا لأنها مارست الجنس مع رجل خارج إطار الزواج، أو لأنها ببساطة، أحبت رجلًا لا يلائم «معايير اختيار العائلة لشريكها»، مهما كانت هذه المعايير.

وبالتالي، فإن هذه العقليات الذكورية الأبوية السلطوية، ترى أن «شرفها» مربوط تمامًا بقلوب النساء أو بأجسادهن أو مهابلهن! من الصعب الوصول الى إحصائيات حول عدد النساء ضحايا جرائم الشرف، لكن في كثير من الأحيان، لا يوثق عدد كبير من النساء بأنهن ضحايا هذه الجرائم، وذلك بفعل تغطية أو إخفاء الأسرة أو القبيلة للأسباب التي دفعت الذكر لقتل الأنثى.

غالبًا ما يحس الوالدان في الغربة بالخوف من نضج أطفالهم والتشبع بالقيم الغربية على حساب العربية التي لا يعرفونها بتاتًا، وهنا ننتذكر واقعة تينا عيسى، مراهقة لم تكمل بعد ربيعها السابع عشر، والتي قتلها والدها الفلسطيني بوحشية بمساعدة أمها البرازيلية سنة 1989؛ وذلك لأنها تواعد رجلًا أفريقيًّا أمريكيًّا غير مسلم، وتعمل بوظيفة بدوام جزئي.

وقضية نور فالح المالكي،الفتاة العراقية الحسناء ذات العشرين سنة التي قتلها والدها حسن المالكي ببرودة ودهسها بسيارته. وقال الجاني إنه قرر وضع حد لحياة ابنته بدعوى أنها أصبحت غريبة وتتحدى القيم الإسلامية والعراقية التي ينتمون في الأصل إليها. كما أن نور قد أوقفت زواجًا مرتبًا في بلدها من ابن عمها، وقررت الانتقال للعيش في بيت صديقها وأمه بعيدًا عن عائلتها، الشيء الذي أغضب عائلتها.

 إن ما يقع في الغرب من ضغط وسلب للحرية، واضطهاد للمرأة من طرف عائلتها، يفوق ما تتعرض له من عنصرية داخل البلد الأجنبي المستقرة فيه.

قتل بمباركة العائلة

تتكرر أمامنا دائمًا المشاهد نفسها والأخبار المأساوية التي تحكي عن قتل النساء على أيدي أقربائهن في المجتمعات الذكورية الشرقية، إما بسبب تحررهن، وإما الاشتباه في دخولهن علاقة حب ،وفي أغلب الأحيان تحدث عملية تصفية الشرف بمباركة أفراد العائلة التي تعطي للأخ الأكبر أو الأب السلطة كاملة في تقرير مصير كل واحد من أفراد الأسرة، خاصة الإناث منهم، ففي المجتمعات الشرق أوسطية يرتبط شرف العائلة كله بالسلوك الجنسي لأي امرأة تنتسب إليهم. فمهما ادعى العالم العربي الحداثة والتطور، فإن إشكالية حرية المراة ما تزال تطرح في الكثير من الدول، والدليل أننا لم نسمع قط جريمة شرف ارتكبت في حق رجل،  وحدها المرأة من تتعرض للوم والتعنيف وغالبًا القتل إذا ثبت تورطها في علاقة جنسية مع أحدهم. ظنًّا منهم أن هذا الأمر حلال شرعًا وجهاد في سبيل الله، وبما أن الأردن من أكثر الدول العربية التي تشهد جرائم الشرف، أصدرت دار الفتوى بالبلاد فتوى برقم 3258 نقتبس من فحواها ما يلي: إن ما يسمى بـ«جرائم الشرف» واحدة من أبشع الجرائم التي تنتشر في المجتمعات اليوم.

يظن القاتل أنه من خلالها يُطهر عن نفسه العار والمذمة، ولا يدري أنه يرتكب ما هو أخطر وأكبر، وهو سفك الدم الحرام،  الذي يزيد فساده على فساد أي جريمة أخرى، وأنه بذلك يستوجب على نفسه القصاص في قول كثير من الفقهاء؛ لاعتدائه على نفس معصومة لم تقم البينة قضاءً على زوال عصمتها، ولأن القاتل تقحَّم ما لا شأن له به بتوليّه إنزال العقوبة بنفسه، والأصل في بلاد المسلمين أن يتولى القضاة النظر في مثل هذه القضايا، كي يستتب الأمن، وتستقر المجتمعات، ويقوم كل بما عليه من واجبات، وينال ما له من حقوق. إن قيام الشخص بقتل قريبته بدعوى حماية الشرف وصيانة العرض، فعل محرم شرعًا، وجريمة يجب أن يحاسب القاتل عليها، وأن لا تكون القرابة أو الشك عذرًا مخففًا له؛ لأن الأحكام لا تثبت بالشك، ولأن القضاء هو من يتولى إصدار الأحكام ويتابع تنفيذها لا الأفراد.

ويشير الدكتور إياد البرغوثي، أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز رام الله لحقوق الإنسان، إلى أن الخلل يكمن أساسًا في الفهم المغلوط لمصطلح العيب ،موضحًا أن «المجتمع العربي قائم على مفهوم العيب الذي ينحصر في الشرف بشكل محدود للغاية ليس له علاقة بالصدق أو الأمانة أو النجاح، وإنما يتحدد فقط بوضع المرأة في الأسرة»،بحسب ما قال خلال مقابلة له مع DW عربية. ويضيف البرغوثي  أن «المجتمعات العربية قلقة ومُحبطة ولا ترى أي مستقبل واضح أمامها، وبالتالي يتراجع الهم العام نحو الإشكال أو الهم الشخصي، ولا يكون لدى الشخص سوى الانكفاء على ذاته سواء بشكل إيجابي أو سلبي

إسراء غريب…ضحية أخرى لأسطورة الشرف

إسراء غريب، قصة شابة فلسطينية ذات 21 سنة أعادت للواجهة معضلة جرائم الشرف الذي اعتقد لوهلة اننا تخلصنا منهم وتجاوزها الوعي العربي. إسراء تعرضت للضرب من أقارب لها، بعد نشر مقطع فيديو على «إنستجرام» يظهرها في لقاء يجمعها مع رجل تقدم لخطبتها، الفيديو التقط بكاميرا هاتف إحدى قريباتها. قصة إسراء تحولت إلى قضية رأي عام، بعد أن اجتاح هاشتاغ #كلنا_إسراء_غريب مواقع التواصل الاجتماعي.

واعتبرت مؤسسات نسوية وناشطون وحقوقيون أن ما حدث لإسراء هو جريمة قتل ارتكبها أهلها بسبب مشاكل اجتماعية وتحريض من الأقرباء. وقال النائب العام الفلسطيني أكرم الخطيب في تصريح لقناة الجزيرة، إن المرحومة غريّب قد كانت ضحية لسلسلة من العنف الجسدي، كما خضِعت لأعمال شعوذة من عائلتها، مما أدى إلى تفاقم حالتها النفسية والصحية.

وعلل طبيب التشريح ومعد التقرير أشرف القاضي وفاة الفتاة غريّب «نتيجة القصور الحاد في الجهاز التنفسي نتيجة لمضاعفات الإصابات المتعددة التي تعرضت لها». وسرد التقرير نفسه مجريات دخول غريب المستشفى في بيت جالا فجر العاشر من أغسطس (آب) الماضي، بعد ساعات من سقوطها من ارتفاع نحو 1.5 متر، وتبين إصابتها بكسر في الظهر مع وجود جروح حديثة وكدمات قديمة على أطرافها العلوية، وصولًا إلى وفاتها في منزلها بعد ذلك بـ12 يومًا. ونتيجة لتقرير الطب الشرعي، قال الخطيب إن الأمر ناتج عن الإصابات المتعددة، مما يتطابق مع رواية تعرضها للضرب والتعذيب؛ مما أدى إلى وفاتها مما «يشكل عناصر جريمة القتل». وقد صرحت حقوقيات فلسطينيات من اتحاد لجان المرأة بأن 18 فتاة فلسطينية قتلت على خلفية شرف العائلة أو في ظروف أخرى منذ بداية عام 2019.

جرائم الشرف في المغرب

تقول نادية بنسلام في مقال لجريدة هيسبريس، إن على رغم وجود قلق عام في شأن ارتفاع معدلات الجريمة وقلة الأمن في المغرب، قلما تُرتكب جريمة باسم غسل العار وتطهير شرف العائلة بالدم. ويظهر المغرب باهتًا في خريطة جرائم الشرف التي تهز بانتظام المجتمعات العربية والإسلامية، حتى إن بعض المتتبعين يرون ظهور اسم المغرب في التقارير الدولية، وإدراجه على قائمة البلدان التي ترتكب فيها جرائم شرف مثل الأردن وسورية والسودان… «إقحامًا» لا غير. ذلك أن حصيلة الجرائم المرتكبة «ثأرًا للشرف الملطخ»، هي مجرد حالات متفرقة لا ترقى إلى حجم ظاهرة. 

ويقول محمد اشماعو، محامي لدى هيئة الرباط، أن القانون الجنائي المغربي لا يشير صراحة إلى جرائم الشرف، وإنما يضم نصوصًا تحمل «إيحاءات» يمكن إسقاطها على جريمة شرف، للتعامل مع مرتكبها بعقوبات تخفيفية، ويستفيد المتهم بجناية القتل في جريمة شرف، من عدم تطبيق عقوبة الحكم بالمؤبد أو الإعدام، ويعاقب بالسجن لمدة سنة إلى خمس سنوات. 

يدعونا ما سبق طرحه عن جرائم الشرف في المغرب إلى الاعتقاد بأن المغرب قد قطع مرحلة مهمة في احترام المرأة وتقديس حريتها، وعدم تدخل السلطة الذكورية الممنوحة من المجتمع لرب الأسرة وولي عهده المتمثل في الابن البكر، إلا أنه هذه ليست الحقيقة للأسف، يمكن أن نقول إن القتل في المغرب فيما يتعلق بشرف المرأة يقل، إلا أن العقوبات الأخرى التي تقررها الأسرة ستغير ترتيب الأمور وتجعل المغرب على رأس الثائرين ضد حرية اختيارات المرأة، فمثلًا، كثيرة هي حالات تعنيف وطرد فتيات من منازلهن أن تثبت تورطهن في علاقات خارج مؤسسة الزواج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جرائم, شرف

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد