منذ قرون مضت كنا نسمع عن جرائم الشرف التي بسببها يتم قتل أُناس أبرياء، ولكن عند ذكر كلمة أُناس يأتي إلى ذهننا الجنسين؛ الذكر والأنثى، ولكن كلا يا أعزائي، فالواقع يقول: إن جرائم الشرف تقتصر على ما يسمى بالضلع القاصر ألا وهي الأنثى. إن شرف العائلة في معظم عائلتنا العربية يتمحور حول شرف نسائها فقط، بغض النظر عن حالة باقي العائلة. فليس مهمًا أن يكون الشاب الذي ينتمي لهذه العائلة مقامر، متعاطي، أو متحرش وعليه قيد في قضية اعتداء على قاصر أو قيد في جريمة قتل، حيث إن كل هذه الأمور المخلة بالمبادئ العربية والأخلاق الدينية ليس لها أي تأثير فيما يسمى في وطيت رأس العيلة وأصبحت سيرتنا على كل لسان.

جرائم الشرف هي الجرائم التي تكون ضحاياها معظمهم من النساء المتهمات بممارسة أمور تعارض العرف المجتمعي الذكوري تحديدًا، إذ طبقًا لإحصاءات أجريت من قبل منظمات حقوق الإنسان ونشرت على موقع العربية الإخباري؛ أن نسبة جرائم الشرف في الأردن التي تعتبر دولة من مجتمعاتنا العربية ارتفعت إلى ٥٢٪، وفي العالم عموما تصل إلى 92٪. ولا يمكننا غض البصر عن الجناة الذين شكلوا نسبة 76٪ منهم من الأباء والأزواج والإخوان الذكور. هؤلاء الجناة الملطخون بالدماء هم الأبطال في نظر العرف والمجتمع الذي يحارب أي نوع من أنواع النقاش قبل اتخاذ قراراته الإجرامية بحق النساء.

أغلب الفتيات اللواتي أجريت بحقهن جرائم مماثلة لجرائم الشرف كانت تهمتهن الخروج مع شاب للتعرف عليه أمام الملأ؛ لأنه سيصبح زوجها يومًا ما، أو أن هذه الفتاة التقت بشاب عن طريق الصدفة، أو أن الخيانة الزوجية كانت هي الجرم الأكبر الذي اقترفته، والأدهى من ذلك أن هذه التهم كلها تهم باطلة لا أساس لها من الصحة؛ وإنما هي قصص مفبركة ومضخمة من قبل بعض العوائل التي لا زالت تسمي نفسها عائلات محافظة. لا أدري إن كان ما يسمونهبالمحافظة يدفع بهم لارتكاب جريمة قتل بشعة كهذه حتى وإن كان الخبر صحيحًا فلا شيء أيًا كان يدفع الشخص لممارسات وحشية كهذه.

إسراء غريب الملاك الفلسطينية التي نزعت روحها من جسدها بسبب صورة نشرتها مع خطيبها على مواقع التواصل الإجتماعي. إسراء تلك الفراشة المسكينة التي قتلت ومُثِّل بجسدها الطاهر من قبل أقرب الناس لكبدها ألا وهم أبوها وإخوتها الشباب، لا أدري ما الذنب الذي اقترفته حتى يتم تعنيفها وقتلها بطريقة همجية مخلة للضوابط والقوانين، ولكن ذنبها الوحيد أنها أنثى ولا يحق للأنثى بمجتمعاتنا العربية أن تخرج مع شاب لمجرد معرفة أو قراءة فاتحة؛ فيعتبر هذا الشيء مُشين ومخل للأخلاق العربية والعادات والتقاليد التي باتت تحكمنا ولا نحكمها.

إن إسراء مثال لكثير من النساء اللواتي قتلن بسبب أمر تافه كهذا، فيجب أن لا ننسى الأخ الذي قتل شقيقته طعنًا وبالرصاص في منطقة غور الصافي في الكرك لظنهم أن سلوكها مسيء ولا يتماشى مع سلوكيات المجتمع.

وما يجعل جرائم الشرف تزداد في مجتمعنا العربي إجمالًا هو تخفيف العقوبات اتجاه المذنب وجعله بطلًا عَمِلَ على تنظيف عاره، إضافة إلى الثأر الذي يمارس داخل العائلات نفسها بحكم العشائرية والقبلية التي تطغى قوانينها على مجتمعاتنا المدنية، ودعم العادات والتقاليد لهذه السلوكيات المشينة. إذ إن جرائم الشرف تمارس في كل البلاد العربية كسوريا، والعراق، واليمن، والكويت، ومصر وفلسطين والأردن التي نصت بعض مواد قوانينها: وهما المادة رقم (99) والمادة رقم (98) من قانون العقوبات الأردني اللتين تفرقان بين جرائم القتل العمد وجرائم القتل بسبب الغضب، والتي تعتبر جرائم الشرف واحدة من ضمن هذا النوع من الجرائم؛ مما يجعل عقوبتها أخف عن باقي العقوبات كما ذكر في المادتين السابقتين، وغيرهم من البلاد التي لا زالت تنظر للمرأة نظرة دونية وتطبق الأحكام الدينية المغلوطة عليها.

العنف المجتمعي الذي يمارس ضد النساء في الوطن العربي أصبح عبئًا على صدر كل شخص مسؤول، ويقدر الإنسان كونه إنسانًا بغض النظر عن نوعه الاجتماعي، سواء أكان ذكرًا أم أنثى. لابد من زيادة الوعي المجتمعي تجاه الأمور المتعلقة بالمرأة والشرف، ولابد من تعزيز القوانين واتخاذ عقوبات جدية شديدة اتجاه جرائم الشرف التي باتت كابوسًا يحاصر كل فتاة عربية مقبلة على الحياة. الشرف الحقيقي هو محافظة الأهل على شرفهم بطريقة حضارية بعيدة عن العنف والتخلف. الشرف الواقعي هو الذي يشمل الشاب قبل الفتاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد