السنة أولى طب، دخلت الجامعة، لا زلت أنظر لها بعيون البراءة، براءة الطفل الذي لم يدرك شيئًا من حقارة هذا العالم وبشاعة الحياة، خاصة في جامعة تحت وطأة التخلف إذا ما قورنت بمثيلاتها في أمريكا وأوروبا.

كنت غارقة في أحلامي التي سأحارب من أجلها كل شيء لتتنفس الصعداء يومًا معلنة ولادتها على أرض الواقع ولا زلت على عهدي ذاك بالطبع.

لكن! هناك بعض خيبات الأمل، كالصعقات تهزك، تنفضك وتمسح الغشاوة عن عينيك، تتضح الرؤية فتدرك الحقيقة التي تقول إنك هنا للقيام بمهمة صعبة -لكنها ليست مستحيلة- إنك لم تخلق عبثًا، خلقت لتتعب، لتحترق فتشرق.

هذا التغيير التدريجي يشبه إلى حد كبير حالة المولود الجديد الذي يظل يرفس بطن أمه متحمسًا ومندفعًا للحياة خارجه، وما إن يخرج من بين ظلمات ثلاث حتى يصرخ. في البداية تكون عيناه مغلقتان ثم تنفتح شيئًا فشيئًا ليرى العالم الجديد ويتعلم من الحياة.

مرت السنة الثانية وها هي الثالثة تشارف على الانتهاء، في بداية هذا العام ظننت أن الأمر سيكون مختلفًا عما كان عليه سيكون كما تخيلته ورأيته في التلفاز عن التربصات والمستشفيات الرائعة، على الأقل لن أظل أمام أوراق لا تغني ولا تسمن من جوع إذا لم تتوج بتطبيق (cas cliniques)، والآن أقول لنفسي هل تمزحين؟ أنت في مستشفيات لوثتها الأيادي اللامسؤولة وغياب روح الإتقان فحولتها إلى مستنقعات.

لقد صدمني الواقع فعلًا! كانت ضربة قاسية لا زلت أعاني من آثارها لدرجة عدم القدرة على حمل تلك البوليكوبات المشؤومة، رغم كل هذا لا أنكر وجود الأشياء الجميلة، بطبيعة الحال هناك الجانب المظلم والجانب المضيء وعلينا معرفة الاثنين حتى لا نقع في دوامة اليأس التي لا زلت لم أخرج منها بعد.

خطرت ببالي فكرة الابتعاد عن هذا المستنقع، لكن الله عز وجل مدبر الأمور العليم بعباده يرسل لك ومضات تنير الطريق كلما كنت حائرًا،كنت أقلب صفحات الفيسبوك حتى وقعت عيني على تدوينة لنور الهدى حمدان بعنوان «الشغف» مفادها أن هناك من يضيع في دوامة الفشل والإحباط بحجة أنه لم يجد شغفه، في حين أنه لو حاول التركيز فيما يجيد أو يحب من الأجزاء وحاول اتقانها فإنه سيصل إلى حب عمله، فالشغف يأتي نتيجة لاستثمار الفرص وتطويرها، وبينما أنا أتجول في الساوند كلاود سمعت كلمات وكأنها كانت تخاطبني أنا بالذات.

«قلت إنك تفكرين في ترك الجامعة وأقول إنك لو فعلت تجرمين في حقنا جميعًا، لا لأنك تحرميننا من متعة درسك وفائدته ولكن لأن وجودك يحفظ لنا قيمة ما، ضوءًا يؤكد لنا أن الظلام لم يعد مطبقًا، والإنسان بطبعه يحتاج نجمة في سمائه، لا تغلقي تلك الطاقة يا دكتورة قد أتطلع اليك وأسعى كما سعيت».

لم نستسلم للواقع؟، إياك أن تتيحي الفرصة لخيبات الأمل أن توجه لك الضربة القاضية، فمقاومتها تكون بالصبر والإصرار والجهاد والإيمان بالنفس، كلنا ندرك أنه لا بد من مرحلة عدم الراحة لنصل لمرحلة الراحة، لكن لا أعرف أين المخرج وكيف السبيل.

لأنني لا زلت في بدايته كل ما أعرفه أنه موجود وسنصل بالرغبة الملحة، لن تجد سندًا لك مثلك، ولا مؤمنًا بأهدافك بقدركْ، فلا تقلل من قيمة عملك، ابتعد عن أصحاب النظارات السوداء الفاشلين الذين لا هم لهم سوى نشر عدوى الفشل لسد ثغرات النقص الذي يعانون منه.

قد أستطيع تجاوز هذه المرحلة وقد لا أستطيع لكن ما أنصح به أن نبقى نحاول بجهودنا، سيأتي يوم يحول فيه الله الذي جعل النار لإبراهيم بردًا وسلامًا معاناتنا تميزًا .

في نهاية المطاف العبرة ليست بما ولدنا عليه بل بما سنموت عليه، ومن عاش ساعيًا طموحًا مات ساعيًا وخلد ساعيًا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد