سفر الإنسان منّا لبلد آخر يحتاج إلى إقامة لكي يطمئن ويحيا في سلام ويخطط للمستقبل.. لأنه لا يمكن لفيزا مؤقتة أو تذكرة السفر أن تجعلنا نقرر نقل حياتنا بالكامل لمكان جديد دون أن نعرف شيئًا عما سيحدث في اليوم التالي!

العمل المستقر مُريح لأن استدامته تفرض على الشخص منا معرفة وإلمامًا بالمجال.

من يملك وظيفة حكومية يعلم تمام العلم أن مرتبها ضعيف، لكن ما يجعله يطمئن هو أن مرتبها دائم ومضمون كما أن له معاشًا بعد التقاعد.

العلاقة المستقرة روحيًا وعاطفيًا رزق؛ لأنها توجِد ثقة في السر والعلن، وتكاتفًا في السراء والضراء؛ ما يساعد الطرفان في الوصول لأهدافهما ويتخلصان من الوحدة دون قلق أو تفكير مضن.. كما يمكن لأي منا أن يلاحظ هذا في وعود المقبلين على الزواج، وكيف أنهم يطمئنون بعضهم البعض نفسيًا دون أن يشعروا بما تفعل تلك الأقوال.. ومنها كلمات مثل: «معك على الحلوة والمرة، أنا لك للأبد»، وإن كان القليل من يدركها تمامًا ويعنيها!

وتقريبًا فإن كُل مجالات الحياة تحتاج للاستقرار من أجل أن نطمئن ونرتاح نفسيًا حتى ولو كانت مؤقتة والغريب أنها فعلًا مؤقتة، لكنها تبقى مريحة للنفس؛ لأنه بمجرد أن ترتاح النفسية فمن السهل أن نواجه أي شيء آخر ونتعامل معه.

لكن بعض الناس وبمجرد الحصول على ما يريدون يصبحون أتعس مما كانوا عليه قبل الحصول عليه. يجزعون من أي نعيم يرونه على غيرهم، يتجاهلون أنهم في لذات لا تعد، متناسين كم الدعاء الذي دعوا به والصلوات التي أفردوها لتحصيله، فينكرون وجوده ويتعاملون معه كأنه لم يكن. أو بمعنى أصح أنه أمر مسلم به. فالأبناء اللذين تمنى وجودهم بالأمس القريب قد ولدوا. والأموال قد جُمعت، والعمل قد تحصل.. وبالرغم من كل ذلك تقول له: احمد الله! فيقول لك: إليك عني! أنت لا تعلم قدر فقري أو حاجتي. يا سيدي لو أن الحمد يتطلب ما تريد فقط، فأرجوك أن تحمد الله أولًا على ما آتاك وما تملك فعليًا ثم اسأل المزيد.

 فهل حمدته على التوفيق لمعرفته! أم على الصحة، والستر، والعقل، والقلب! أم على التمكين والعمل والأهل، والزوجة والأولاد، والصحبة، والعلم، والسمع والبصر والتكليف أو حتى الكلام، أم على الخلق والإحسان والتقويم وتدبير الأمر، أم على الوطن وفتح الدنيا أمامك والإدراك.. هل وهل وهل؟ نِعمٌ لا تعد ولا تحصى. لا يعلم قدرها ولا يحصي عددها إلا الله. إن الحمد يأتي قبل أي كلام وليس بعد تحقيق مطلب، فالقلب والعقل والروح يجب أن يحمدا الله تعالى قبل أن تجري الكلمات على اللسان. بل حتى يجب حمده تعالى على أن أجرى الحمد على الألسنة. إننا نضيع وننسى، أو نتناسى قدر ما أوتينا من نعيم، فنمل سريعًا وننكر الفضل. ولا نذكر الله تعالى إلا في الشدائد، ولهذا كان الحزن طريقًا لاستذكار النعم.

 والإنسان حقيقةً لا يشعر بقدر ما أوتى إلا وقت الضيق، وكأن القلب حينها هو من يتحكم كليًا فيمر من خلاله كل شيء  قبل العقل السمع والبصر. ولهذا حق قول الله تعالى «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ» فصلت: 51. الدعاء العريض بمعنى أن يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض: ما طال لفظه وقل معناه.

فالنعمة ذاتها توجب الحمد والتوفيق لطلبها يوجب الحمد وكرم الله في تحصيلها موجب للحمد، فما بالنا بقدر الحمد الذي يجب أن نفرضه لإدامة نعمة واحدة؟!.. والله إننا نعيش في كرم، مغرقين بالنعم ولو أننا نرى فضل الله وستره وكرمه وتدبيره لأمورنا لذابت وجوهنا خجلًا من سخاء الله علينا. لكن ولأن الدنيا دار مفر وليست دار مقر كان حقًا على الله ألا يديم شيئًا بها، وإلا لظن الحاصل على النعمة بدوامها أن هذه الدنيا دار بقاء. لكن ولأن الدنيا دار فناء فحق على كل شيء فيها الفناء. ونحن البشر نلخص ذلك في مقولات نرددها دون تدبر مثل: «دوام الحال من المحال» و«لو دامت لغيرك ما وصلت إليك». «ولا يمكن أن يدوم شيئًا إلا في الآخرة دار العدل والنعيم والمستقر الدائم، ولا يفوز فائز بها إلا بحمد الله على ما أوتي في الدنيا قدر ما استطاع».

ويظهر ذلك جليًا في قول الله تعالى متحدثًا عن أهل الجنة «يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مُقيم». التوبة 21. الرزق في الآية الكريمة متعدد: يبدأ بالبشرى من الله تعالى نفسه بالرحمة، والرضوان نعيم، وهذا وحده نعيم غير مدرك، ثم نعمة دُخول الجِنان اللي هي كفيلة بأن تسعد أي إنسان كان، ومن ثم الوعد بالنَعيم الموجود فيها، وأخيرًا الإخبار باستدامة ذلك النعيم! وهو الشاهد.. ولأن النعيم غير المقطوع هو لين العيش ورغده، من حصل عليه فاز ومن ناله نجا.. فمن المريح كيف أن الله تعالى يطمئن أهل الجنة نفسيًا على إقامتهم. مع أن الوجود في الجنة وحده كفيل أن يشعر أيًا منا بالسكينة. فما بالك بالدنيا!

ولأن الدنيا دُنيا والإسم وحده كفيل بإيضاح مقام المُسمى، فلم يرد أبدًا أي ذكر للإقامة الدائمة لأي مخلوق فيها لا بالقوة ولا بالضعف، سواءً في الصحة أو المرض. من باب أن كل مَخلوق مَفقود، فكن على ثقة أن المخلوق البسيط الذي لا يُرى ومعكرٌ لصفو العالم أجمع هذا، له عُمر مُحدد وفترة تنتهي وقتما يأذن الله عز وچل.. المرض ببساطة عابر سبيل، «جاي لسبب ومُهمة محدده يُنهيها ويرحل».. فاطمئن!

المهم أن تهتم بنفسيتك ونفسية من حولك.. ولا طمأنة أو طمأنينية للنفس إلا بذكر الله وتذكر نعمه لنطمئن وترتاح سرائرنا، ولا دائم إلا وجه الله الكريم، لهذا وجب تقدير النعم قدر الإمكان أملًا في التوفيق لحمدها وشكر الله عليها والعمل بها. وحينها سنوفق للكلام عنها وذكر فضل الله علينا من باب: وأما بنعمة ربك فحدث. وهذا من العمل الصالح الذي يدوم قبل الفناء في دار الفناء.. وكلما مللت أمرًا ما فتذكر الليالي التي سهرتها من أجل تحقيقه.

والشيء بالشيء يذكر، ففي كتاب حِلية الأولياء يقول صعدي بن أبي الحجر: كنّا ندخل على المُغيرة فنقول: كيف أصبحت؟

فيقول: «أصبحنا مُغرقين في النعم، مُوقرين من الشُكر، يتحبَّبُ إلينا ربُّنا وهو عنّا غنيّ، ونتمقَّتُ إليه ونحن إليه محتاجون»!

ومن أفضل ما قيل في وصف الحال هو قول عامِر بن عبد قيس رحمهُ الله حينما قال: أَحْبَبْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُبًّا سَهَّلَ عَلَيَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ، وَرَضَّانِي فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ فَمَا أُبَالِي مَعَ حِبِّي إِيَّاهُ مَا أَصْبَحْتُ عَلَيْهِ وَمَا أَمْسَيْتُ.

فالحَمدُ لله حَمدًا يليق بذاته، حمدًا بقدر علمه ورحمته التي وسعت كل شيء. بقدر ما نعلم وما لا نعلم، فنحن في إستحالة الوصول لحمده على نعمة التوفيق للحمد ذاتها. وهذا الحمد الذي لا نقدر على وفائه هو سر استقبال المزيد من نعم الله لأنه تعالى هو القائل: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ» إبراهيم: 7.

دمتم في نعيم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد