هناك تخوفات معتبرة من شخصيات محترمة تخشى من ضبابية المشهد السياسي، وعدم اتضاح الرؤية بعد تعامل الجيش والشرطة بهذا الهدوء مع المتظاهرين، الذي يعطي انطباعًا أن هناك أمرًا ما يدبر بليل.

نحن أمام نظام اعتاد القتل والإجرام، ومذابحه لا يمكن معها التصديق بأن التعامل سيستمر على هذا النحو من الهدوء الذي يبعث على القلق، ومزيد من الحذر.

يخشى هؤلاء أن يكون ذلك مخططًا لاستدارج مزيد من الشباب للخروج إلى الشارع، ثم يحدث فيهم مقتلة تفوق في بشاعتها ما سبق للنظام من جرائم.

من حق الجميع أن يتخوف، وعلى الجميع أن يأخذ حذره أيضًا، لكن مع انسداد في الأفق طوال ست سنوات مضت، ومع حدوث انفراجة مصطنعة في المشهد السياسي برغبة أحد طرفي الصراع في إنهاء حكم السيسي وأعوانه، بعد إسقاط هيبته وإثبات فساده، واقتناع الجميع بعدم صلاحيته للاستمرار، مع تحميله مسئولية الجرائم السابقة، والرغبة في تخطي مرحلة الثورة وما بعد الثورة من انقلاب وجرائم، فإن فتح طريق للشعب المصري مرهون بتمرير إزاحة السيسي عن المشهد السياسي، بعد التخلص بالقتل من الرئيس محمد مرسي، والمرور عبر اتفاق يتيح انفراجة سياسية ومجتمعية بشروط عسكريه وغطاء مدني منزوع الدسم فاقد الصلاحية.

بعد حالة التصحر والانسداد لمدة ست سنوات، أصبحت هناك ثغرة تتيح للشعب المصري الخروج للميادين مرهونة بتشابك المصالح بين جميع الأطراف، وعلى الشعب المصري أن يختار بين خيارين أحلاهما مر، إما ألا يستجيب لنداءات الخروج التي صدرت من داخل المؤسسة العسكرية، أو المخابرات العامة؛ لأنه يعلم مسبقًا الهدف من إتاحة الميادين له للخروج، بعد أن كانت محرمة عليه طوال فترة طويلة، وعليه يستمر الوضع كما هو عليه، وإما أن يخرج في عكس اتجاه طلب الخروج ويغير المعادلة لصالحه، ويحظى بكل المكتسبات التي فقدها نتيجة الانقلاب المشؤوم.

الضمانة الوحيدة لتغيير معادلة الصراع هي فرض واقع جديد على الأرض يضطر معه الخصم إلى القبول بالتفاوض، أو تحقيق أهداف جزئية مرحلية، يترتب عليها فرض شروط أخرى وتحقيق مكاسب أكثر.

خطورة الخروج تكمن في شيئين جوهريين، أولها وصول أجنحة الصراع إلى مرادهم من خلال استخدام الشعب المصري غطاء مدنيًّا، والاكتفاء بتغيير رأس النظام، وهذا تغيير بلا أي ضمانات؛ إذ يعلق الجميع أمله على أن تغيير رأس الانقلاب سيترتب عليه انفراجة في خروج المعتقلين، وهذا في حد ذاته مكسب مرحلي مهم، وحدوث انفراجة محدودة في الحياة السياسية.

وهذه المكاسب بلا أي ضمانات تذكر من الذين تتجه رغباتهم نحو ذلك، أو دخول الشعب المصري اللعبة وتغيير المعادلة كليًّا لصالحه، الاتجاه العام ورغبة الكثير في الدخول إلى تلك المقامرة يدفعهم إلى القبول بالدخول في الصراع واستغلال الفرص التي قد لا تتكرر كثيرًا.

ومن وجهة نظري أن الدخول في تلك المغامرة لتحقيق مكاسب مرهون برغبات الشعب المصري، وماذا يريد تحديدًا، ولأن ضريبة الاشتباك قد تكون في كثير من الأحيان أقل من التخاذل والقعود، أرى أنه إذا تمكن الشعب المصري من الاندفاع بكثافة كبيرة نحو الميادين، والسيطرة على الشارع قبل حدوث اتفاقات يترتب عليها عدم احتياج من أحدث الثغرة إلى وجود الشعب المصري في الميدان، فإن المكاسب ستكون كبيرة وعظيمة، لكنها خطيرة أيضًا؛ لأنه بمجرد تحقيق هدف الدعوة إلي الخروج من طرف الجناح الذي يدير المشهد من خلف الكواليس، ستتغير المعاملة تمامًا، وتستخدم القوة الخشنة مع من يتمسك بتغيير المعادلة، ويكشف الانقلاب عن وجهه الحقيقي المليء بالدماء والأشلاء والغدر، ومن ناحية أخرى إذا ارتضى بعض من خرج بإزاحة السيسي وانسحب وترك الميدان؛ فسيكون بمثابة ترك الرماة للجبل، وتكون هناك تصفية بلا رحمة ومقتلة عظيمة، الحل الوحيد للخروج من ضبابية المشهد السياسي هو الخروج بكل قوة للضغط على الخصم وإرباكه وإفشال مخططاتهم وحساباتهم.

الذي يتقدم بخطوة هو الرابح دائمًا، واستغلال الفرصة أولى من إضاعتها، ومن أراد استكمال ثورة فلا ينتظر ثورة بلا ثمن، وحتي لا نبكي شهداء قادمين من أجل التغيير، علينا أن ندرك حدوث ذلك ونحسب له حساباته ونستعد له، ونرضى به، وإلا؟! ترانا ماذا علينا أن نختار؟! والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد