أتخيل نفسي أحيانًا جالسًا بين أبناء أحفادي أحكي لهم عن مواقفي وإنجازاتي وإبداعاتي عبر عشرات السنين. أتخيل حياتي وقد حفلت بالأعمال كما حفلت بالسنين. أتخيل آمالي وقد تحققت كلها وارتاحت نفسي من الهم والغم والكرب. لكن تهزني وتوقظني من غفلتي تلك تساؤلات: هل أعيش عشرات أخرى من السنين؟ هل يقدر لي أن أحقق كل ما أصبو إليه؟ هل يكتب لي في اللوح المحفوظ بخاتمة لحياتي سلسة سهلة بعد إتمام كل عمل بدأته؟ هذه الأسئلة تراودني أحيانًا كثيرة، لكن الأهم من ذلك كله، هل يقدر لي ويطال في عمري حتى أكمل كتابة هذه الكلمات؟!

هنا يكمن الخطر العظيم (طول الأمل)، هنا يزل أناس ويضل آخرون. هنا يسوف مقصرون ويكسل عن التوبة مذنبون. هنا يعمى ظالم عن إبصار عاقبته. هنا يظل غافل عن ذكر ربه في غفلته. هنا تضعف الهمم وتهون العزائم. هنا منبت الشر كله.. طول الأمل.

ما غرنا وأشغلنا عن التوبة إلى الله إلا طول أملنا بأن في العمر بقية نرجع فيها إليه! ما أكسلنا عن العمل إلا طول الأمل بأن هناك متسعًًا من الوقت لإتمامه! ما أعاقنا عن الإنجاز والنجاح إلا طول الأمل أن هناك فرصًا أخرى تنتهز وتنتظرنا متى شئنا! هو طول الأمل، والغرور بالدنيا، والكسل عن علو الهمة إذًا.

أنظر من حولي لأتفقد حبيبًا غائبًا، فأجد كثرًا قد واراهم التراب، أفتقد الطفل قبل الشيخ، أفتقد الشاب قبل العجوز، أفتقد الصحيح قبل السقيم، أفتقد المعافى قبل المبتلى، أفتقد الصالح وأفتقد الطالح. كلهم واراهم التراب، كلهم صاروا ذكريات تمر أمامي (إن ذكرتهم)، كلهم صاروا تاريخًا في حياتي. فنيت أجسامهم، انتهت فرصهم في العمل، قضي أجلهم، انقطع بهم السبيل والأمل، لا رجعة لهم ولا عودة. كم منهم كان شابًا فتيًا؟! كم منهم كان طفلًا وصبيًا؟! كم منهم كان ذا جاه غنيًا؟! لم تغن عنهم أعمارهم ولا صحتهم ولا أموالهم ولا سلطانهم من أمر الله شيئًا. ما أخر ذلك من أعمارهم شيئًا. كلهم الآن بين يدي ربهم، ينتظرون يومًا لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله منهم بقلب سليم وعمل صالح. فهل أنا منهم ببعيد؟!

 

نعم، أعمل لدنياي كأنني أعيش أبدًا. لكن العاصم من الزلل والواقي من الفتن والحامي من الضلال وطول الأمل، أن أعمل لآخرتي كأنني أموت غدًا. أخطط لحياتي لتمتد عشرات أخرى من السنين. لكن قلبي لا يتعلق منها بشيء، فأنام قرير العين جاهزًا للقاء ربي وفراق أحبتي. أخرج في طلب الرزق جاهدًا، لكنني أودع أهلي وداع مودع غير عائد إليهم، فأتقي بذلك ربي ما استطعت إلى ذلك سبيلًا حتى أعود، فأعود هادئ النفس مطمئن الضمير أن تحريت الحلال لئلا ينبت في بيتي لحم من سحت.

فرق ما بين السماء والأرض، بين طول الأمل وحسن العمل. أعمل لدنياي فتكون بين يدي، ولا يغرني طول الأمل فتكون في قلبي. أحسن عمل الدنيا رغبة في الآخرة، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا. كم من صاحب مال وجاه، لكنه أزهد في الدنيا من فقير مستضعف راغب فيها! إنما هو قلبي الذي يدلني أين أنا من أهل الدنيا وأهل الآخرة. فإن أردت أن أكون أحدهما أقدم قلبي أسيرًا لمن أريد منهم، لكنني أذكر نفسي دائمًا: أي الفئتين أولى أن يكون قلبي أسيرًا لصاحبها. فيأتيني رد ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: وللآخرة خير وأبقى.

أعيش حياتي بين حافظين: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. فإن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها، فليغرسها. اللهم اجعلني ومن أحب من أهل الآخرة الذين يعمرون الدنيا بالخير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنمية ذاتية
عرض التعليقات
تحميل المزيد