يظل كثير من الأصدقاء يرددون ما تيسر لديهم من معجم الأمل والتفاؤل والإيمان بأن ما يأتي سيوافق بالتمام توقعاتهم الوردية، ويبررون هذا غالبًا بخلفيات دينية، وفي أحايين أخرى بفضل ما تكدس لديهم من معارف حول التنمية الذاتية والتطوير الذاتي التي لا ترتكز على أي أساس علمي وأراد أصحابها في فترة ما من حياتهم تنمية جيوبهم قبل تنمية ذوات الراغبين في ذلك.

أصبح للناس، أو على الأقل لمواطني دول العالم الثالث، في أيامنا هذه، قابلية كبرى لإفراز هرمون التفاؤل والأمل بكميات رهيبة، وهي استجابة كيميائية طبيعية، تتشكل لأجل مواجهة هذا الكم الهائل من الإحباطات والخيبات وكل أنواع الفشل التي تصنع أيامهم.

إن فعلًا التفاؤل والأمل يعنيان دخول دائرة احتمالية حدوث ما هو في حكم المستحيل، ومحاولة لتحقيق المُتخيل؛ فالممارس لهذين الفعلين، يعطي لنفسه فرص متتالية لحدوث أمر يتطابق وأحلامه؛ مما يطيل وقت الاستدراك ويسبب مضاعفات صحية نفسية أكثر قساوة وخطورة.

لعل ما يسرع من تناسل هذا النمط من التفكير لدى الشباب، مرده إلى الاعتقاد المعكوس بسحرية فعل التنمية الذاتية، والتطوير الذاتي في تحقيق كل ما استقر في العقول من الأحلام والآمال؛ غير أن هذا العلم المفشوش أثبت جدارته في تحطيم المؤمنين به، واستحق مروجوه تكديس ثروات مادية هائلة بفضل تابعيهم.

إن ما يعمق الانكسارات عبر هذا الصنف من المخدر، بدرجة أولى، عدم مطابقة تمثلات المدرب المعتمد في التنمية الذاتية لإمكانات الواقع وما يتيحه لكل شخص على حدة، فيغدو التحفيز بالوهم مسكنًا لآلام ومضاعفات الفشل والضعف والوهن يدخل الشباب في دائرة مغلقة.

وبدرجة ثانية، هو كل ذلك الهراء الذي يردده المحيطين بنا في كل وقت، والذي يدعي أن للشخص قدرة خارقة وغير طبيعية، وقدرة خفية على التحول من السيئ للأفضل جدًا في وقت وجيز، وبأنه شخص متميز ولا يشبه البقية الباقية ممن ترفعوا عن الإيمان بالخرافة. موهمين إياه بأن عليه فقط الإيمان بشكل خرافي بأن بعد العسر يسرًا، وبأن مهما طال الليل (سوء الحال) سيطلع الفجر (تبدد حال السوء).

هناك نظرية في علم النفس، تدعى انحياز البقاء Survivorship، وتعني التركيز على الأشياء أو الأشخاص الذين حققوا نجاحات باهرة في حياتهم بطرق مختلفة عن المألوف، دون التركيز عن الأشياء والأشخاص الذين لم يكن النجاح حليفهم ولم يحققوا ما كانوا يصبون إليه؛ مما يحدث مجموعة من الأخطاء التي يكون سببها عدم ربط الأهداف بالواقع.

هذه النظرية تصيبنا بالعمى عندما يتعلق الأمر بقصة نجاح بأقل جهد وأقصى سرعة، فتجعلنا نرى أحلامنا تتحقق وننشغل بتخيل الثمار وحياة الرفاهية والسعادة، ونتوهم أن الكنز الموعود على مقربة منا، و يجدر بنا فقط اتباع ما قام به من نقدسه ونتبع طريقه؛ والحال أننا نتغاضى عن مجموعة من الأمور التي من الضروري الانتباه لها ووضعها في الحسبان خلال طريق تنفيد أهدافنا، وأننا نخطئ حين نحاول سلك الطريق نفسه للناجحين، ونتناسى أنه لا توجد طريق نجاح تتكرر، بسبب تدخل مجموعة من المتغيرات التي يحوزها فرد دون آخر، وتصلح لشخص وقد تُدمر آخر.

إن نداءات التحلي بالأمل والتفاؤل؛ من أكثر الأشياء سببا في تحطيم الإنسان وتدميره رمزيًا بشكل رهيب، ذلك أنها ترفع حجم توقعاتنا وتُخيل لنا النجاح وتحقيق الأماني والأحلام طريقًا مفروشًا بالورود، في عالم لا يحمل سوى الألم والمعاناة ويعظم كل يوم الهوة بين النافذين جدًا والفقراء جدًا.

ما يمكن أن ينقذنا من السقوط في بئر عميقة من الإحباط والغضب وفقدان شهية الحياة، هو خفض مستوى توقعاتنا إلى ما تحت الصفر، والتأهب للتعامل مع الأكثر الأحوال سوءًا في الحياة، ونستحضر هنا نصيحة الفيلسوف الروماني سينكا، حين قال: علينا أن ننزع من عقولنا الفكرة البديهية القائلة بأنّ الأصل بهذا الوجود الخير والسعادة، بتوقّع كل الاحتمالات.

لابد لنا من التبصر حتى نتمكن من التعامل مع كل أنواع تقلبات الحياة، وأن نستحضر كل مصيبة محتملة مهما كانت درجتها ونوعيتها، وأن نضع سيناريوهات محتملة للتعامل معها؛ لأن ذلك سيحمي عقولنا من التلف، لو حدثت فعلًا. يقول سينكا في أحد اقتباساته: على المرء أن يبتلع ضفدعًا كل صباح ليضمن أنه لن يواجه ما هو أقرف فيما سيقدم عليه خلال يومه.

إن الواقعية تجعلنا نحسب خطواتنا بأدق تفاصيلها، وتجعل لتصرفاتنا منطقًا ممكنًا، وتمكننا من الاعتقاد أن درجة احتمال وقوعنا في الخطأ هي نفسها عندما يتعلق الأمر بنجاحنا، ولا تفضيل بينها، وألا نتوقع مثالية قصوى في كل ما ومن نصادفه في الحياة؛ عكس الأمل الذي إن تحول إلى غاية في تكرار منا لترقب وصوله، قد يستحيل أملًا في إنهاء مهزلة الحياة جراء تراكم الفشلات والخيبات وطول الانتظار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد