مشهد 1

اليوم طبيعي جدًا، هو مثل تلك الأيام التي لا تتوقع منها أي مفاجأة أو جديد، سيمر كغيره لتنام ليلًا وتستيقظ صباحًا لتمر بيوم رتيب آخر في الغد.

في هذا اليوم المنشود ربما أكون ساعتها في الجامعة، ربما أكون في تظاهرة، أو ربما أكون في منطقتي السكنية لقضاء إحدى طلبات البيت التي لا تنتهي عندما تظهر تلك التظاهرات المفاجئة.

ستأتي الرصاصة وفجأة من حيث لا أحتسب، بعدها صوت صفير حاد في أذني، رائحة الدم سيدة الموقف، أكاد أسمع ما يدور من حولي، كذلك أكاد أرى أي وجه الذين يتناقلونني لينقذوا مني ما يستطيعون إنقاذه، ينتهي كل شىء في لحظة، كتلك اللحظة بين النوم والاستيقاظ.

مشهد 2

يستيقظ الضابط ليصلي صلاة الفجر، يقرأ ورده من القرآن حتى مطلع الشمس.هو لا يفعلها عادةً، لكن اليوم هو اليوم المنشود، فربما ينال منه أحد هؤلاء المتظاهرين وهو وسط جنوده، هو يعلم أن نسبة حدوث خدش له تكاد تكون مستحيلة، فكيف قتله؟

لكن من يعلم؟ أسباب الموت في تلك البلاد عجيبة حتى لضباط الشرطة، عمومًا الإحتياط واجب، فربما تصيب عزرائيل أحد تلك الخراطيش التي نطلقها في عينه فلا يستطيع التفرقة بيني وبين أحد هؤلاء المتظاهرين، الصلاة لله و تلك الأمور لا تحتمل المزاح.

مشهد 3

العسكري المسكين، رغم كل هذه التمارين استعدادًا للغد، من المفترض بمجرد أن تُغلَق عينه أن يذهب في سابع نومة، لكنه لا يستطيع أن يتوقف عن التفكير في يوم غد، بالأمس القريب وفي أحد تلك التظاهرات أمر الضابط أحد زملائه المجاورريين له في ذلك الوقت أن يطلق الخرطوش على واحد منهم فأصابته الخرطوشه في رأسه فأردته قتيلًا، زميله منذ ذلك اليوم يحدثه أن وجه الذي قتله لا ينفك أن يطارده في منامه يوميًا محاولًا قتله مثلما فعل معه.

لكن العسكري يشفق على زميله محاولًا مواساته بأن هؤلاء خونة وإننا عبد المأمور وإحنا يا هو، يقول هذا وهو خائف أن يكون في مكانه في اليوم المنشود غدًا.

أخيرًا يستغرق في النوم ويستيقظ صباحًا ويستعد للذهاب للموقعة.

مشهد 4

ربما أكون ساعتها في الجامعة، ربما أكون في تظاهرة، أو ربما أكون في منطقتي السكنية لقضاء إحدى طلبات البيت التي لا تنتهي عندما تظهر تلك التظاهرات المفاجئة.

يشير الضابط المؤمن، ودون أي سبب سوى فض تلك التظاهرة للعودة سريعًا إلى المنزل، لذلك العسكري على أحد المتظاهرين ليطلق عليه الخرطوش، فيطلقها دون تردد وكأن ما كان يدور في ذهنه تلك الليلة كان يدور في ذهن شخص آخر ! وبدلًا من أن تصيب هؤلاء يتحقق ما كان يخاف منه الضابط فتصيب الخرطوشة عزرائيل في عينه، لكنه _للأسف_ لم يذهب إليه بل جاء لي.

 

مشهد 5
ينتهي كل شىء سريعًا؛ يعود الضابط إلى بيته ليلاعب أطفاله وكأن ما كان لم يكن، يرجع العسكري ليحكي لزميله عن ما حدث، يذهب من يذهب إلى المعتقل، ويرجع من يرجع إلى بيته ليخطط ليوم آخر، وها أنا ذا ملقى على تلك الصفيحة المعدنية الباردة، أنتظرهم في المشرحة، أنتظرهم ليأخذوني.

مشهد 6
وتدلت الدمعات من كل العيون
كأنها الأيتام – أطفال القمر

وترحموا

وتفرقو.

فكما يموت الناس، مات !

“أمل دنقل”

ينتشر خبر مقتلي بسرعة، صورتي التي على يمين المقال وصفحة “الفيسبوك” الشخصية تبدو جيدة، وغالبًا هي التي ستنتشر مع ذلك الشريط الأسود اللعين. سينتشر الحزن والتخوين على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

يومان من المعارك الدامية على “التايم لاين” ستنتهي بسرعة.

أكاد أتخيل أصدقائي يذرفون الدمع في الجنازة لكن يعودون إلى منازلهم محاولين النسيان ليكملوا حياتهم وهم في ذلك غير ملومون، فالنسيان نعمة.

وعلى العكس أهلي سيعودون إلى منازلهم لا يكادون يستوعبون تلك اللحظة السريعة المجنونة بين الحياة والموت، سيتذكرون في كل مناسبة، في كل لحظة، في كل نظرة على جدران البيت أني لست هنا.

مشهد 7
أصرخ من أعلى بأن الذي قتلني لم يكن أحد أصدقائي الذي صُودف أنه كان بجواري يومها كما يقول وكيل النيابة وضابط المباحث. هي تلك الخرطوشة اللعينة التي أصابت عزرائيل !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد