ذكرني إقدام «ناصر الزفزافي»، يوم 26 مايو المنصرم، على مقاطعة الإمام وهو يخطب يوم الجمعة، بسبب تطرقه إلى موضوع «الفتنة» وتهجمه على «حراك الريف»، بشخص قاطع بدوره الإمام بعد أن تحدث عن الانتخابات واعتبرها واجبًا دينيًا، ونفس الشيء قام به آخر، حين انتفض في وجه الخطيب بعد تغاضيه على جرائم الكيان الصهيوني في غزة آنذاك، طوال خطبته، كما انسحب مواطن من الصلاة بعد أن أخبرهم الخطيب، أنه سيتم تأدية «صلاة الغائب» على ملك السعودية الراحل، كل ما سبق وقع بحضور أعوان السلطة الذين لا يخلو منهم مسجد، وهناك وقائع كثيرة مشابهة.

ذكرت ما سبق، لإيضاح أنه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها أحدهم بمقاطعة الإمام أثناء الخطبة، ولن تكون المرة الأخيرة ما دام استغلال المنابر الدينية لأغراض سياسية ضيقة مستمرا. ردة الفعل التي قام بها «الناشط» لا يجب فصلها عن الفعل، وبالعودة إلى الأخير نجد أن ما وقع كان ردة فعل طبيعية. على العموم، فما دامت ليست أول مرة يتم مقاطعة الخطيب، وما دامت الدولة لم تكن يوما تحترم المقدسات والحرمات الإسلامية، فإن اعتقال ناصر لم يكن للسبب المذكور وهذا معلوم لدى الجميع.

للأسف، عدد كبير من العلمانيين والحداثيين، «استنكر» ما قام به «الزفزافي»، في مشهد غريب! وكأن الناس كانوا ينتظرون زلة لكي يشفوا غليلهم في «الرجل»، رغم أنه لم يرتكب خطأ، فحرمة الإنسان أعظم عند الله عز وجل من حرمة المسجد، بل من حرمة قبلة المسلمين «الكعبة المشرفة»، وحين انحاز الإمام في خطبته للدولة ورؤوسها على حساب الشعب الفقير، أهان الإنسان وكرامته، ودخل في دائرة «اللغو»، وصار الإنصات له في ميزان الشرع مضيعة للوقت، بل حتى من الناحية القانونية في المغرب، فإن الإمام قد مارس في خطبته «السياسة»، الشيء الذي يعد خرقًا سافرًا لما جاء به الظهير الملكي عدد «6268».

سبب اعتقال «ناصر الزفزافي»، ليس مقاطعته للخطيب كما قلت، فالدولة أصلا سبق لها أن دنست المساجد مرارًا وتكرارًا بأحذيتها في أوقات أقدس من الجمعة لتمنع المواطنين من حقهم في ممارسة شعيرة الاعتكاف، لكن – السبب – يكمن في كون الشخص قض مضجع ناهبي أموال الشعب، والمستفيدين من خيرات الوطن، وصار «اسمه» وباء انتشر في عدد من المدن المغربية، كما أنه رمز لحراك اجتماعي أربك حسابات المخزن باعتبار أن الاستجابة لمطالبه لا تخدم مصالح «بارونات العقار» و»أسياد البحار».

في واقع الأمر، لائحة المعتقلين كانت جاهزة مسبقًا وتنتظر الفرصة المناسبة ليكشف عنها، وقد أشار إلى ذلك الناطق الرسمي باسم الحكومة حين قال «إن هناك أطرافًا محلية في مدينة الحسيمة تستغل حسن نية المواطنين، لتقوم بترويج أمور غير صحيحة لا تعرف دوافعها»، قبل أن يشدد على أن الحكومة «من واجبها السهر على أمن واستقرار الوطن وسلامة المواطنين وضمان السير العادي»، مؤكدًا أن الحكومة عازمة على تطبيق القانون بالحسيمة.

الشيء نفسه صرح به رئيس الحكومة «سعد الدين العثماني» حيث قال أن تواجد الأمن بالحسيمة هو «للتطبيق الصارم للقانون»، ونحن نعي جيدًا ما معنى الكلام السابق، وهذا ما يفسر اعتقال عدد كبير من النشطاء منهم متزعم الحراك «ناصر الزفزافي» ورفيقه الأستاذ «محمد جلول» المعتقل السياسي السابق، وإصدار مذكرات باعتقال آخرين لم يكونوا متواجدين بالمسجد الذي قاطعه الزفزافي، ومعنى ذلك أن أمر الاعتقال كان مطبوخًا، ومقاطعة الخطيب كانت جسرًا مهترئا حاولت السلطات استغلاله.

عودة على بدء، كما أشرنا، فحرمة الإنسان أعظم من حرمة المساجد، وحين تهان كرامته ويدنس شرفه، وتنهب أمواله وخيرات أرضه من طرف المسؤولين في الدولة، ويأتي خطيب ليمدح هذه الأخيرة ويطعن في احتجاجات الساكنة السلمية، فهنا صار الإمام متواطئا، وصارت «حرمة المسجد» خدعة واللغو واجبا.

بالرغم من أن حرمة الإنسان أعظم، إلا أن الدولة لا تعيره أي اهتمام، وتستمر في إهانته ودوس كرامته، بالتفقير والتجهيل والتهميش والإقصاء، وحين احتج _هذا الإنسان_ بحثت عن الأسباب لتزج به في السجن، وهو الشيء الذي تقوم به حاليًا، بعد أن اعتقلت عددًا من رموز الحراك الشعبي بالريف، واستمرت في نهج المقاربة الأمنية في تعاملها مع متظاهرين سلميين، ما «ينذر» بالأسوء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد