لا يؤمن الصينيون بالحظ ويرون أن الشخص المحظوظ مجرد شخص يعرف تمامًا ما يريده؛ فيقوم بتسخير كلِّ ما يقابله في طريقه لخدمة ما يريده بنجاح. أن تفوز بميدالية ذهبية هو أن تحفُر اسمك في سجلات التاريخ بين أساطير من يتغنى الناس بأسمائهم، ولكن هذا أحد وجهي العملة، فماذا عن الوجه الآخر؟! وهل يعيش المرء في أصداء الفوز بميدالية ذهبية أم أن ضريبة المجد تنغص عليه حياته؟! وهل يمكن أن تتسبب الهرمونات في إضرام بركان الحرب العالمية الثالثة؟! في هذا المقال نتعرف عن بُعد مختلف من أبعاد النجاح.

خلق الله المرأة بتكوينها الفريد، مزيج من الحب والأمومة والرحمة والذكاء، ويرجع ذلك بدرجة ما إلى الهرمونات. إن كانت الهرمونات هي السبب الرئيس في مشاعر الرحمة التي تكتسي الأمهات بها جمالًا وجلالًا؛ فإننا نتمنى أن ترتفع نسبة الهرمونات في أجسام الساسة لعلَّ ذلك يقذف في قلوبهم ولو قدرًا يسيرًا من حب الشعوب والشفقة بأحوالهم.

في جسم الإنسان يتولى التستوستيرون مسئولية إظهار الصفات الذكورية في حين أن الاستروجينات -وتشمل الإستروجين والبروجسترون- تتولى مهام صفات الأنوثة، كما يحتوي جسم الأنثى على كميات ضئيلة من التستوستيرون مقارنةً بما يمتلكه الرجل من هذا الهرمون الذكوري. يلعب الإستروجين والبروجسترون دورًا خلال فترة الطمث الشهرية للمرأة، كما يؤثر تراجع إفرازهما بعد سن اليأس للعديد من المشاكل البدنية والمزاجية؛ مما يدفع بعض النساء لاستعمال العلاج بالبدائل الهرمونية Hormonal Replacement Therapy والذي بدوره ينطوي على مجموعة من المخاطر، تصل في بعض الأحيان إلى سرطان الثدي.

التستوستيرون صاحب الكلمة العليا في صالات الجيم؛ فيستخدمه الرياضيون لمنحهم المزيد من القدرة على التحمُّل ومواصلة الحمل التدريبي دون خمول، كما يتهاوى عليه المبتدئون لبذل مجهود عضلي دون التراجع عن التمرين وزيادة الكتلة العضلية. مساوئ استخدام الهرمونات دون الرجوع للطبيب المختص ربما تكون كارثية على الجنسين، واستشارة الطبيب المختص تمنع وقوع تلك الكوارث. إذا كانت القاعدة تقول: «كلُّ ما زاد عن الحد؛ انقلب للضد» فما الذي قد يحدث للمرأة إذا زادت لديها نسبة التستوستيرون الذكوري؟! هنا اسمح لي صديقي العزيز أن أبتعد بك عن التحليل الطبي المباشر، وأن ننتظم في سلك هذه الظاهرة الفريدة باعتباره مثالًا عمليًّا لزيادة التستوستيرون.

مطلع هذا الشهر ومن قلب مدينة الضباب كانت كاستر سيمينيا Caster Semenya ابنة جنوب أفريقيا تطمح للحصول على ميداليتين ذهبيتين في سباق 1500 متر وكذلك سباق 800 متر للسيدات، لا سيما بعد حصدها لذهبية أوليمبياد ريو دي جانيرو العام الماضي، وبعد خصومةٍ طويلة بينها وبين الذهب منذ عام 2009 الذي شهد تتويج سيمينيا بذهبية سباق 800 متر. أخفقت كاستر في انتزاع ذهبية 1500 متر ولكنها سرعان ما لملمت جروحها واقتنصت ذهبية سباق 800 متر، وهذا ما يُعد من باب الإنجازات الأسطورية. وقد يتمتم القارئ العزيز قائلًا: «هذا سباق ولا بد من فائز؛ فما علاقة الهرمونات بسباقٍ كهذا؟ هل تريد أن تتلاعب بعقولنا؟! لم تُفصِح لنا عن أي علاقة تُذكر بين الهرمونات وماراثون السيدات هذا» فأقول لك صديقي: إن النجاح ليس بالضرورة أن تصحبه مشاعر إيجابية فقط، بل ربما تصحبه مجموعة متباينة من المشاعر؛ خذ مثلًا «سيمينيا» ما هو شعورها بعد الفوز مباشرةً؟ أتصور أنها استعادت ذكريات 2009 حين فازت بالميدالية الذهبية في برلين، وحققت أسرع وقت في السنة وأفضل رقم شخصي وهي في سن التاسعة عشرة؛ فكانت حديث العالم وقد خضعت لفحوص طبية أجراها الاتحاد الدولي لألعاب القوى، وأكدت الفحوص أن جسم سيمينيا يُفرز 3 أضعاف نسبة التستوستيرون الطبيعي في أجسام النساء؛ مما يعني أن التستوستيرون سبب كافٍ لجعل سيمينيا أقوى من باقي المتسابقات في المضمار.

وبعد فوزها بذهبية لندن أرى أن سيمينيا قد اغرورقت عيناها بالدموع، وبطريقة قد لا تختلف كثيرًا عنها حين تسرَّبت نتائج الفحوص الطبية للصحافة، تلقفت الصحافة نتيحة الفحوص الطبية ومعها انطلقت شرارة الحرب؛ إذ ندّدت جنوب إفريقيا حكومةً وشعبًا بتسريب نتائج الفحوص التي أجراها الاتحاد الدولي لألعاب القوى، وصرّح وزير الرياضة الجنوب إفريقي قائلًا: «إنَّ أي محاولة لاستبعاد سيمينيا من مسابقات السيدات ستؤدي لحربٍ عالميةٍ ثالثة». أعلنت جنوب إفريقيا تقديم شكوى لمفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن الاستهانة القاسية والفادحة بالحقوق والخصوصية التي أظهرها الاتحاد الدولي لألعاب القوى من خلال تمرير تقرير الفحوص الطبية للصحافيين، وكان في طليعة من استقبل سيمينيا في مطار جوهانسبرج عام 2009 نيلسون مانديلا، بالإضافة لعدد من كبار المسئولين الذين تعاطفوا معها بعد اقتحام الصحافة لحياتها الشخصية. بلغ استياء أسرة سيمينيا من تسريب نتيجة الفحوص الطبية لابنتهم درجة الغليان، وشعروا بانكسار شديد لانتهاك خصوصية ابنتهم والإساءة لها في الوقت الذي كان يُفترض أن تحتفي بها الصحافة لإنجازها المشرِّف.

كان فوز سيمينيا بذهبية برلين 2009 بمثابة كابوس مزعج؛ فقد اتخذ الاتحاد الدولي لألعاب القوى قرارًا بوجوب استخدام عقاقير طبية تقلل من نسبة الهرمونات الذكورية (التستوستيرون)؛ لتصبح في نفس مستوى زميلاتها في مضمار السيدات. ظل العمل بهذا القرار ساري التنفيذ حتى 2015 حينما ألغت محكمة التحكيم الرياضي «كاس» بوقف العمل بهذا القرار. لإثبات تفوق النساء اللاتي يزيد مستوى الهرمونات الذكورية في أجسامهن مقارنةً بباقي المتسابقات أجرى الاتحاد الدولي لألعاب القوى بالتعاون مع الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات «وادا» ونُشرت نتائج الدراسة في المجلة البريطانية للطب الرياضي، وقد خضعت 2100 عينة للفحوص لرياضيات شاركن في 2011 وكذلك 2013 من بطولة العالم لألعاب القوى. أكدت الدراسة أن المستوى العالي من التستوستيرون لدى بعض الرياضيات يمنحهن أفضلية كبيرة في بعض المسابقات مثل سباق 400 متر، وسباق 800 متر، ورمي المطرقة والقفز بالزانة.

عقب فوز سيمينيا بذهبية أوليمبياد ريو العام الماضي، انتقدت العداءة الإنجليزية بارولا رادكليف الاتحاد الدولي لألعاب القوى ووصفت المسابقة بغير النزيهة حيث لعب تفوق الهرمونات الدور الأكبر في الفوز بالميدالية الذهبية. قد تكون سيمينيا قد شعرت بالغصة غير مرة جراء لعنة الهرمونات!

إذا كانت غياب الهرمونات في فترة سن اليأس يدفعهن لمحاولة استيعاضه بوسائل متباينة اتِّقَاءً للهبات الساخنة Hot Flush وآلام الصدر والألم النفسي وغيرها من المشاكل المعتادة؛ فإن زيادة الهرمونات لدى بعض النساء لا يقل في خطورته عن ذلك، وقد تعاني هذه السيدات من مشاكل نفسية نتيجة ما يجدونه من تمييز ضدهم خصوصًا ولسان حال الواحدة منهن: لا ناقة لي في الأمر ولا جمل، الهرمونات مسألة طبيعية، فلماذا تشنون هذه الحرب علينا؟ في ذات الصدد لم تجد العداءة الهندية دوتي تشاند -وهي تعاني الأمرين من مسألة زيادة الهرمونات- لم تجد من تلجأ إليه -للتعبير عن الجحيم الذي تشعر به- سوى محكمة التحكيم الرياضي، وكتبت في شكواها: لقد شعرت بالامتهان والإذلال والعذاب النفسي من هذه المعاملة غير العادلة.

مع أن لعنة الهرمونات تجمع بين سيمينيا وتشاند إلا أن تشاند -ووفقًا للدراسة التي أجراها الاتحاد الدولي لألعاب القوى- لا تستفيد كثيرًا من التفوق الهرموني؛ إذ أن تأثير تفوق الهرمونات يظهر في سباقات 400 متر وكذلك سباقات 800 متر ولا يبدو جليًا في سباقات 100 متر ولا سباقات 200 متر. تطرقت الصحافة مرة أخرى وبشكلٍ مكثف لحياة سيمينيا الشخصية حتى أثارت بعض الصحف الشكوك حول ميول سيمينيا الجنسية، وأنها قد ارتبطت بشريكتها فيوليت رازبويا، وقد نشرت سيمينيا صورة تجمعها ورازبويا على إنستجرام في 7 يناير الماضي وكتبت: «حفل زواجنا السعيد».

الرسالة التي يمكن إيجازها من هذا المقال هي أن إنجازك الشخصي يتطلب منك مواصلة الطريق دون الالتفات للانتقادات الجارحة التي ربما تصيبك بالإحباط والاكتئاب، فاجعل ردود أفعالك حيال هذه الانتقادات أن تنجز أكثر وأن يسطع نجمك بالإنجازات التي هي أفضل رد على كل ما يدور. ليس هناك شخص كامل؛ فاحرص على الاستفادة من إيجابيات من حولك، ودع له باقي حياته فلن تُحاسبَ عنه، سطِّر أمجادك بإصرارك، وإلا تعلَّم أن للنجاح ضريبة ندفعها شئنا أم أبينا، وقد تكون هذه الضريبة هي انتهاك البعض لمساحتك الشخصية؛ فكن مرنًا ولا تتشنج، وركز على بلوغ هدفك ولا تلتفت لمن يحاولون تشويش تركيزك عن هدفك النبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد