من المنطق ربط أحداث التقارب إثيوبي – إرتيري، والتي أنهت حالة اللاحرب واللاسلم بين البلدين، بالتدافع القائم بين القوى الدولية والإقليمية على ساحة المنطقة، والقول بأن لهذه المتغيرات الجارية في المنطقة تأثيراتها على واقع المنطقة بشكل عام، ولها أيضًا تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على كل دول المنطقة على حدة، وانطلاقًا من هذا سنقوم في هذه السطور باستقراء الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأفريقي وتداعياته على جيبوتي على وجه الخصوص.

في البداية علينا توضيح ماهية الأحداث التي حكمنا عليها بأنها سوف تؤثر على دول المنطقة، وعلى جيبوتي بالأخص، وكما هو معلوم في الشهور القليلة الماضية حدثت تطورات لم يتوقعها كثير من المحللين، ويأتي على رأس قائمة هذه الأحداث، المتغير التي طرأ في العلاقات الإثيوبية – الإرتيرية، والتي جاءت نتاجًا لتغيير حصل في هرم السلطة في أديس أبابا؛ إذ تسنمت قيادة شابة بقيادة آبي احمد الحكومة هناك، تحمل رؤى جديدة مغايرة في سياستها الخارجية مع جيرانها ومع القوى الإقليمية والدولية، عن القيادات السالفة في إثيوبيا.

حيث اتبع رئيس الوزراء الجديد آبي أحمد سياسة تصفير المشاكل مع الجوار، وخصوصًا مع أسمرا، وغازل مصر في موضوع سد النهضة، بجانب دعم جهود الخرطوم في عملية السلام بين الفرقاء الجنوبيين، وغيرها من المساعي، وفي هذا السياق قام أحمد بزيارات مكوكية شملت جميع دول المنطقة وشاطر من خلالها زعماء المنطقة رؤيته التي يحملها في سياساته الإقليمية والدولية.

وتعتبر جمهورية جيبوتي أول دولة قام بزيارتها آبي أحمد؛ وذلك للأهمية التي تحتلها في سياسة إثيوبيا الاقتصادية والإنمائية، حيث تعتبر جيبوتي أحد أهم منافذ أديس أبابا، والرابط لها بالعالم الخارجي، فضلًا عن الاستثمارات الإنمائية المشتركة بين البلدين على سبيل المثال طرق السكة حديد التي تربط البلدين ببعضها، والتي تقوم بدعم صيني.

ولكن عملية التقارب التي حصلت بين أسمرا وأديس أبابا، والتي يدعى أنها أنجزت بمساعي دولة الإمارات العربية المتحدة، وبدعم ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يأتي في إطار استراتيجية واشنطن الشاملة حيال منطقة القرن الأفريقي، والتي تهدف من خلالها مجابهة نفوذ بكين المتعاظم في المنطقة.

وكما هو معروف تتمتع الصين بعلاقات إستراتيجية مع جيبوتي؛ إذ فتحت الأخيرة أراضيها من أجل إنشاء أول قاعدة بحرية لها خارج حدودها، وبالتالي يجوز لنا القول إن أمريكا التي دعمت عملية التفاهم بين إثيوبيا وإريتريا من أجل أبعاد الصين عن المنطقة، في الوقت عينه تحاول التأثير على الدول التي تتمتع بعلاقات طيبة مع الصين، وعليه فمن المتوقع لهذا التقارب أن تكون له تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على جيبوتي، يمكننا عد هذه التداعيات على النحو التالي:

1. تأثيرات جيوسياسية: كما ذكرنا في أعلاه تحتل جيبوتي مكانة خاصة في سياسة إثيوبيا الخارجية، وبسبب تأزم العلاقات الإثيوبية الإرتيرية، ولأن إثيوبيا بعد أن استقلت منها إرتيريا أصبحت دولة حبيسة، ومن الطبيعي أنها اضطرت إلى أن توطد علاقاتها مع جيبوتي من أجل الارتباط بالعالم الخارجي، وذلك بشروط جيبوتي، ولكن من خلال ترميم علاقاتها مع أسمرا استطاعت أديس أباب بأن تعدد من فرصها في الاتصال بالعالم الخارجي، وبتعبير آخر بدلًا عن كونها موقوفة على الموانئ الجيبوتية، سنحت لنفسها فرصة استخدم موانئ إرتيريا، وبالتالي فإن هذا التقارب أخذ ميزة جيوسياسية من جيبوتي كانت تتمتع بها؛ مما أثر عليها بصورة غير مباشرة، أي بمعنى أنه قلل من أهميتها الجيوسياسية في مدارك القيادة الإثيوبية الجديدة.

2. تأثيرات اقتصادية: على غِرار التداعيات الجيوسياسية هناك أيضًا تأثيرات اقتصادية على جيبوتي، فبالرغم من أننا نستبعد توقف المشاريع الثنائية بين البلدين، إلا أن القيادة في أديس أبابا ستقوم بتنفيذ مشاريع ثنائية مع صديقتها الجديدة أسمرا، والتي تربطها بها أواصر ثقافية واجتماعية، ودينية أكثر من جيبوتي، وبالتالي قد تُولي المشاريع المتوقع تنفيذها مع أسمرا أهمية أكثر من المشاريع القائمة مع جيبوتي، وعليه فهذا التقارب سيكون له تأثيرته الاقتصادية غير المباشرة أيضًا على جيبوتي؛ لأن إرتيريا حلت محلها في موضوع تصدير وتوريد البضائع من وإلى إثيوبيا.

3. تأثيرات أخرى: كما هو معروف هناك أزمة حدودية قائمة بين جيبوتي إرتيريا، وهذ الخلاف لم يحل بعد، وفي حال عدم وجود حلًا شاملًا في المستقبل قد تندلع الأزمة مجددًا في أي وقت، وقد لا نشهد اندلاعها لأن المساعي الإثيوبية من أجل إيجاد حل لها مستمرة، ووصول وزير الخارجية الإرتيري عثمان صالح، بمعية وزيرة الخارجية الإثيوبي ورقينه جبيو، وهذا ما يؤكد مساعي أديس أبابا من أجل منع وقوع الأزمة، وبالتالي يمكن القول إن إثيوبيا تحاول تقوية مكانتها الإقليمية من خلال لعب دور وسيط بين الجارتين، وبذلك تأمن منافعها السياسية والاقتصادية، ولكن وإذا ما افترضنا انفجار الأزمة الحدودية بين جيبوتي وإرتيريا مجددًا فلا نتوقع دعمًا إثيوبيًا لجيبوتي، والتزامها الحياد أمر وارد، وهذا ما قد يُفقد جيبوتي الدعم الإقليمي في خلافها مع إرتيريا.

في النهاية! وتاسيسًا على ما تقدم يمكن لنا القول بأن التطورات الجارية في منطقة القرن الأفريقي لها تداعياتها السياسية والاقتصادية على دول المنطقة وعلى جيبوتي أيضًا، ومن خلال استقراء الأحداث المتسارعة في المنطقة نلاحظ أنها أصبحت ساحة تنافس بين القوى الدولية والإقليمية، ومن الطبيعي أن يكون لهذا التسابق حالة من الاستقطاب السياسي بين القوى الدولية والإقليمية، وبالتالي سيكون له تداعياته على واقع دول المنطقة كما وضحنا على نموذج جمهورية جيبوتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد