التطورات الدارمتيكية التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي أثارت حالة من النقاش في كثير من الأوساط الإعلامية، حيث يعتبرها الكثيرون بأنها أحداث تأتي في سياق تغيرات في موازين القوى الدولية والإقليمية في إطار التدافع الدولي والإقليمي الجاري على المنطقة، وبالتالي تحاول القوى المتدافعة عليها إلى تشكلها وفقًا لما يخدم مصالحها، وتذليل العوائق أمام نفوذها، ولذلك يجوز لنا قراءة تطورات الجارية بين الجارتين إثيوبيا وإريتريا ضمن التطورات الجارية في الساحة الإقليمية. وعليه في هذا التحليل سنقوم باستقراء مستقبل ميزان القوى في منطقة القرن الأفريقي في ظل المتغيرات الجارية فيه.

معلوم منطقة القرن الأفريقي، تشغل موقعًا جغرافيًا حيويًا وفقًا للنطرة الجيوبولوتيكية، حيث تطل على أهم الممرات المائية للتجارة الدولية، نقصد بذلك البحر الأحمر، وبحر العرب ومضيق باب المندب، بجانب ذخرها بموارد طبيعية، كالبترول والمعادن، وهذه الأسباب دفعت القوى الإقليمية والدولية الى التسابق فيها، من اجل تقوية النفوذ، وفي سياق التسابق الإقليمي، إذ نرى تدافع السعودية وإيران وتركيا،  ودوليًا، قوى كالصين وأمريكا تتدافعان من أجل توطيد النفوذ، من خلال التواجد عسكريًا، وسياسيًا واقتصاديًا في المنطقة.

وفي السياق ذاته يلاحظ المتابعين والمهتمين بالشأن الأفريقي بأن القوى الدولية والإقليمية سعت جاهدةً إلى الذب عن مصالحها من خلال تقوية نفوذها، وتبني المصالحات بين الدول المختلفة سياسيًا، وبالتالي نرى دور بعض الفاعلين الدولين، كالولايات المتحدة الأمريكية، والإقليمين كالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في التقارب الإثيوبي – الإريتري الأخير بارزًا، حيث قامت شخصيات أمريكية نافذة بالتردد على المنقطة بشكل دوري، بجانب تحركات إمارتية، ورعايتها لاجتماعات سرية بين قادة أسمر وأديس أبابا في قاعدة ساوى، التي استأجرتها من إريتريا، فضلًا عن تقديم المغريات للجانب الإثيوبي، من قبيل اسثمارات والودائع المليارية.

وأيضًا القمة الثلاثية التي شهدتها العاصمة الإماراتية أبوظبي، بين الرئيس الإريتري، ورئيس الوزراء الإثيوبي، وولي عهد الإمارات الشيخ محمد بن زايد، تدل على المستوى الذي وصلت إليه الاصطفافات، حيث نرى أن أبوظبي استطاعت أن تجلب أسمرا وأديس أبابا إلى صفها، بعد تبنينها المفاوضات التي عقدها الطرفان خلال الفترة الماضية، وبالتالي أصبحا يشكلان محورًا في ظل التغيرات الجارية في المنطقة.

يقابل المحور الإماراتي الإثيوبي الإرتري، محور سوداني قطري تركي بجانب جيبوتي والصومال، والذي لم يتشكل بصورة كاملة، وكلا المحورين يسعيان إلى تقوية نفوذهما على حساب بعضهما، ولكن بناءً على التطورات التي تشهدها المنطقة، يلاحظ بأن المحور الأول نفوذه بدء يقوى، وخصوصًا بعد إنجاح عملية المصالحة بين أسمرا وإثيوبيا، وتكلليها باللقاء الثلاثي بين أبي أحمد وحمود بن زايد وأسياس أفورقي.

وبالرغم من تنامي نفوذ المحور الإثيو – إريتري – إماراتي، مع الجو التصالحي بين الجارتين إثيوبيا وأريتريا، فإن هذا المحور ربما يصطدم بتعنة الشخصية الإثيوبية والإريترية والمتمثلة بشخص رأس هرم الأنظمة فيها، والتي دائمًا ما يتباهي باستقلاليته في اتخاذ قرارته الخارجية، بينما الإمارات، وأنفة مشايخها، كالشيخ محمد بن زايد تميل لفرض الرأي والاستحواذ على القرار السياسي للدول التي تتنفذ فيها، وبالتالي ربما نشهد خلافًا مستقبليًا في هذا المحور، يؤدي إلى تراجع نفوذه، أو ازمات سياسية، أو أمنية في بعض دول الحلف، كإثيوبيا مثلاً، والتي بدءت ظاهرة الإغتيالات في تتوالى، وقد تتسبب في أزمة أمنية فيها. 

وإضافةً إلى ما تقدم يلاحظ أن المحور الإثيوبي-الإريتري – الإماراتي لم ينبي على رؤية توافقية حيال الملفات الإقليمية والدولية، إذ تعتبر المصالح الإقتصادية هي الوحيد المحفز لأطرافة،حيث هدف أبوظبي، هو استملاك المواني المطلة على البحرة الأحمر، وأما أسمرا وأديس أبابا، ضوائقهم الاقتصادية، يرون حلها في سخاء مشايخ الإمارات، وهنا تجدر الإشارة بأن تقوية نفوذ المحور الثلاثي في منطقة القرن الأفريقي يعني الحفاظ على مصالح القوى الكبرى الراعية لعملية الصلح الإثيوبي الإريتري، ونقصد بذلك الولايات المتحدة الامريكية، التي تريد تحارب النفوذ الصيني، من خلال دول شرق أفريقية متكاملة اقتصاديًا وسياسيًا.

أما بالنسبة للنفوذ الإيراني في منطقة القرن الأفريقي، فيلاحظ أنه تتراجع كثيرًا خصوصًا بعد إعلان عاصمة الحزم في اليمن؛ إذ صفرت بعض دول الإقليم – كالسودان – علاقاتها مع طهران، ما اعتبر ضربة قاضية له في المنطقة، وأيضًا قامت أسمرا بفتح قواعدها لقوات عاصفة الحزم. وهذا ما تسبب في إبعاد الوجود الإيراني العسكري عن منطقة القرن الأفريقي. وبتراجع النفوذ الإيراني، سعت تركيا إلى ملء الفراع الذي خلفته، حيث كثفت من وجودها العسكري، من خلال إنشاء قاعدة في الصومال، وتطوير التعاون الأمني مع السودان، والسياسي والاقتصادي في منطقة القرن الأفريقي. وأيضًا نلاحظ بأن قطر من ضمن الدول الفاعلة في قضايا الإقليم، ولها اسثمارات في عدة دول كالسودان وإثيوبيا.

في النهاية، وبناءً على التطورات الجارية في الساحة الإقليمية، ومن مصالحة إثيوبية – إريترية، برعاية سعودية إماراتية، نلاحظ ميزان القوة يميل لصالح الحلف الإثيوبي – الإريترتي الإماراتي، إن لم تعتره خلافات مستقبلية في بعض الملفات الإقليمية والدولية، على سبيل المثال الأزمة القطرية الخليجية، أو أزمات داخلية سياسية وأمنية تعصف بالإستقرار بكل من إثيوبيا وإرتريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد