حبات الأرز وبقايا الفاصوليا، آخر رشفات كوب اللبن، كلها تتحول من كائنات صغيرة لا حول لها في ركن الطبق أو أسفل الكوب إلى وحوش ضارية، يتضاعف حجمها وتتنمر حباتها وتفيض سوائلها قاصدة إياي، وحدي، في طريق لا جوانب له ولا معالم فيه. طريق مظلم وأنا في مقدمته وكلهم يركضون خلفي بلا هدف ظاهر سوى الانتقام لما سببته لهم من آلام التجاهل في الدنيا. ولا يمكن الهروب منهم، فما من مكان خالٍ يوم القيامة كي أختبئ فيه منهم.

وفي كل مناسبة كنت أتعرف على عدو جديد سيأتيني يوم القيامة لأدرك أني إن هربت من الفاصوليا تعثرت على الصراط، وإن مررت عليه بأمان التقمتني النيران، فلا أمل في نجاة ولا مستقر سوى أسفل كل قاع. وكيف تكون النجاة والله متربص بنا علّنا نقع في الآثام ونتوحل في المعاصي، فتأتي الملائكة لتكتب سريعًا ما اقترفناه. كل هذا حتى نتعذب بذنوبنا وتذوب في السعير أجسامنا، ونحن من لا نطيق ولو مسة من رأس عود ثقاب.

فحاولت ككل صغير مرتعب أن أقي نفسي من هذا المصير؛ فكنت أسأل الأهل ومدرس الفصل عما يتداعى إلى ذهني من أسئلة حول غاية الصلاة والصيام، أو معنى الحلال والحرام، وكنه الإله، وحال الموت وما يدور في خندقه وما بعده. ولكن لم يكن معتادًا التطرق لأي من تلك الموضوعات، فهذه ألفاظ محرم التفوه بها، تُذكر ولا تُفهم، تَعمل بمقتضاها من دون أن تعرف معناها، فلك أن تصلي وتصوم ولا تشتم ولا تضرب ومن الأفضل بعد ذلك أن تسكت. لا أتذكر أي إجابة لأي من أسئلتي سوى أحاديث عن أهمية الصلاة وتسكين الأخلاق بين العيب والحرام، مع التأكيد على الولوج في النار إن قلت كذا، وإن فعلت هذا، وإن فكرت في ذا. فارتبط اسم الله بالحسنات والسيئات والنار والابتلاءات، حتى صعب عليّ تخيل أن لله صفة تدعى الرحمة، فلم أجد لها مكانًا بين كل هؤلاء.

ومع التقدم في سنوات الطفولة إلى المراهقة أخذت أبحث عما يجيب على ما لم تكن إجابته النار أو ألوان العذاب؛ فسمعت كل درس وذهبت إلى كل طريق وما من مجيب، فطُليّ كل شيء بلون القتامة، ومُلئت الأيام بالظنون والتململ بين جوانب لا يريحك الاتكاء على أيٍ منها، فكلها توخزك بشكوكها وذبول منطقها. حتى لم يعد هناك بُد من تعاطي شرائط الدعاة التي عُبئت دروسًا ووعظًا وصراخًا، آملة أن أجد فيها الشفاء من الحيرة، فما زادني حديثهم إلا يقينًا بوجود وحش الفاصوليا العملاق، وأنه لا مستقر لي سوى الهلاك، وأن كل ما ألقاه في الدنيا من عناء هو نتيجة ذنوبي وسوء تصرفي. فتضاعفت التساؤلات بدلاً من أن تركن إلى السكات: لماذا يفعل الله بنا كل هذا؟ ما يسعده في عذابنا؟ لماذا يحرمنا من أحبائنا؟ لماذا يضع أمامي كل تلك العراقيل، ثم يأمرني بالمرور من بينها، بل أن أخرج منها سالمة؟ حين قالوا لي يومًا إنه يحبني ضحكت ونعت كل من قال هذا بالنفاق والجبن. كيف يحبني ولا يجيبني حين أدعوه وأطلب من محيطه قطرة فلا يعطنيها؟

ظننت أن الله كما يقولون، وأنه يجب أن يكون بهذه القسوة حتى نرتدع ونبعد عن الآثام. حتى ذهبت يومًا إلى تلك المُحَفّظة في إحدى المساجد الكبيرة، لا لم تجب عن شيء ولم تطيب أي جرح، بل تركت ما جئنا لأجله من حفظ آيات القرآن لترمينا بمواعظها الحسان؛ لأخرج من عندها وأنا أشعر وكأني سقطت لتوي في مستنقع من الأوحال. لم يكن عندي يقين في شيء ساعتها بقدر يقيني من أن كل ما قالته هذه السيدة لم يكن عن الله ولا من عنده ولا له علاقة بصاحب الجلال.

يئست بعدها من أن أجد الإله الذي أشعر بوجوده، هذا الذي يناديني من اللامكان بداخلي قائلاً: «لست هذا الذي يصفون». ولكن لم يكن هناك سبيل سوى سبلهم، وما من صوت لحديث عن الله إلا ويحمل تشنجات أصواتهم، فجاءت الصدفة لتأخذني هناك.

إلى الفسقية

فسقية ذكرتني بتلك في قصة الأميرة وردشان بنت السلطان وماندو من كتاب ألف ليلة وليلة، حيث كانت تجلس عجوز محنية على طرف من مياه تلك الفسقية المسحورة التي تأتمر مياهها بأمرها فتصعد وتهبط حتى تصل إلى يدها، فأخذتني الصدفة وأجلستني قرب فسقية أخرى، ولكن مياهها أبت أن تأتمر بأمري، فكان يجب أن أذهب إليها فمياهها تؤتى ولا تأتي مياه لا تنفذ مهما اغترفت منها، ولا تتبخر تحت أي شمس وقعت عليها، كانت مياهًا صافية مستقرة يفوح منها مذاق الري.

مياه كانت قطراتها من العلم، علم عن الله، فالتعرف على الله وكل ما يجيء من عنده علم يُحصّل بالتعلم لمن فقد الوهب أو العقل للتفهم.

شعرت بقطراتها تتجمع لتزيل عني ما علق فيّ من دنس؛ فشربت واغتسلت من أثر مفاهيمهم الخاطئة وادعاءاتهم الفارغة عن الحياة وخالقها وما بعدها. ومع كل رشفة أدرك كيف صنعوا إلهًا ليس هو الإله، أبقوا على اسمه الله، ولكن أزالوا وصفه في نفوس العباد، واستبدلوها بصفات إله قاس ليس هو من كان يناديني من كل باطن داخلي، لم أشعر بكم الثقل التي أورثتنيه تلك المفاهيم إلا بعد أن تبخر كل شبح ونزل عن كتفي كل حمل؛ فما طردهم سوى العلم، وما أنزل الحمل إلا يده، وما أغرق الجهل شيء سوى مياه الفسقية.

وفي برزخ بين هذه الأحوال تساءلت، لمَ كان كل هذا التقلب والعناء والصعود والهبوط في نوبات الاكتئاب والحيرة بين الإجابات؟

فما وجدت سوى الجهل والخوف الشديد من محاولة إزالته بالتعلم حتى لا نقع فيما هو محرم. فنحن نعيش في بلاد تجري فيها المراسم والشواهد الدينية مجرى الأيام، فلا تنفك عنها ولا تبرحها ساعة ولا تغيب مبانيها بعضها عن بعض سوى بضع أميال، ولكنا لا نفهم منها شيئًا ولا نعرف عنها إلا القليل.

كذا كل طفل يولد فيها، يسمع الأذان ويردده ولا يفهمه، تطلب منه الصلاة والوضوء في الجو البارد ولا يعرف لذلك سببًا سوى التهديد والوعيد من عذاب كائن في الحال أو مؤجل إلى يوم الحساب. حاله كحال طفل أُخذ إلى كوكب بعيد تحيط به أشياء لا يعرف لها اسمًا ولا وصفًا؛ فنمنعه ونضرب على يده كلما أشار إلى شيء مما حوله يريد معرفته. نحن نفعل ذلك تمامًا بأولادنا فلا نعلمهم من مصادر علمية ولا نجيبهم أسئلتهم، فقط نورثهم حيرتنا ولا نقدم لهم أكثر مما قُدِم إلينا من إجابات، أو تجاهل، أو سخرية، أو وتلويح بالعقاب.

فنكبر ويكبر أطفالنا على الجهل بالدين والأخلاق سوى ذلك النزر اليسير الذي يعرفونه منا أو يعرفه غيرهم من أهلهم، فتتباين المعايير الأخلاقية حسب ميزان أهل كل بيت؛ فتجد عائلة ترفع شعار «تف على عمو»، وأخرى غير ذلك، فلا يتوافق العيش بين هؤلاء وهؤلاء.

وبدلاً من جبر ذلك الحال بالتعليم المناسب للدين والأخلاق تم تقليص كتاب المدرسة، ونزع الأخلاق منه، وكأن الدين هو سبب كل طاعون يسري في المجتمع، وما أرى سوى أن كل كارثة نراها مردها إلى الجهل بالمفاهيم الدينية الصحيحة، فمن يظن أن الله يحتاج لسواعده لنشر دينه بالظلم والتعدي فهذا جاهل ولا يمحي جهله سوى التعلم، فلم يحمه ويحمنا منه جهله.

إن انجذاب الأطفال لله ولما حولهم من مراسم دينية شيء طبيعي، فإما أن نتعامل معه بحكمة وعلم وإما أن نترك أطفالنا بعقول هزيلة ونفوس هشة أمام أي فكر معوج. فتجاهلنا لهذا الاحتياج لن يمنع الطفل من البحث عن إجابات لما يحيره، ومحاولة معرفة ما أُشكِل على ذهنه من مواضيع وإن كان من غير المصادر المعتمدة، أو عن طريق أشخاص غير متخصصين يبثون فيه ما يريدون من أفكار، ويشجعونه على ما لا يرجى من الأفعال.

وإن لم يبحث الطفل عن إجابات وخضع لما ورِثَ من مفاهيم، ستظل نفسه مؤرقة بما حيره فيما مضى من عمره، وسيظل يسأل نفسه وهي صامتة لا تجيبه؛ فيغضب منها لسكوتها وتتوتر العلاقة بينه وبينها فيصاحب التوتر والقلق طوال حياته. وتلك مصائر لا نريدها لأطفالنا.

فإن تأكدنا أن الفاصوليا ليست لها أقدام تجري بها، ولا تقوم لها قيامة، فلنرحم أولادنا إذن ونكف أيدينا عن غرس الجهل في نفوسهم، ولنعلمهم من معين العلم لا من قفف ما ورثنا من سوء الفهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

اعتمد هذا المقال على ما رواه أطفال وشباب بين عمر السادسة والسابعة عشر عاماً في ورش كراكيب المعنية بتقديم ورش تثقيفية للأطفال وتدريبهم على الأخلاق عن طريق اللعب والناشرة لمنتجات تعليمية للأهل والأطفال ومنها سلسلة كتب لو ابنك سألك
عرض التعليقات
تحميل المزيد