إن حكام أبرز دول العالم العربي برز اسمهم بالاستبداد، وانتشار مبدأ الوساطة في توزيع المراكز السيادية. وقد أصبح لهذا الأمر دور رئيس في تشكيل واقع الشعوب الممنوعة من التفوّه بحرية. وفي زمن لَمَعان اسم جمعيات حقوق الإنسان، بات العالم مختبئًا في وكر الخوف من الكلمة. وقد كان هدف الدول الكبرى عبر الزمن محو الأنظمة الديكتاتورية المستبدة، بالطبع ليس لصالح العالم، بل لأهداف استعمارية ولفرض الهيبة والهيمنة على العالم. فالشعوب عانت ولم تزل، كبّلت أياديهم حتى لا يكتبوا، ألصقت أفواههم حتى لا ينطقوا، وقيّدوا في سجنهم الأم حتى أضحوا غرباء في وطنهم. ولكن من يدفع الثمن؟ ومن يحيي شهداء الحرية مجددًّا؟ وكيف ستتخلص الشعوب من سيطرة حكام الاستبداد الطغاة؟

وإذا نظرنا إلى حال الشعب العربي سنجد أن منهم من يخضع لزعيمه، ومنهم من يعارض سياسته، والبعض الآخر هَرِمَ فهاجر إلى دول تناسبه. فعلى الرغم من القضاء على النظام الديكتاتوري في العالم، لكنه بقي متغلغلًا في خبايا الأوطان. فأصبحت الدول تتّبع الديكتاتورية، ولكن بغطاء ديمقراطي. عندها أصبح الانتقاد عيب والرأي ممنوع! ولنضرب مثلًا عن حرية الإعلام، سنجد أنه ممنوع من التكلم والنقاش بحرية وانتقاد الحكام في الدول المستبدة. فإذا قال الحاكم: «اللبن أسود»، فلا اعتراض عن هذه العبارة، فإذا رفضوا عرض ذلك ستُقطع ألسنتهم وأياديهم، وسيحرمون من حقوقهم المدنية.

 أما مقاومة هذا المبدأ المستبد والأنظمة القامعة كان أمرًا صعبًا، فمنهم من انتصر بالاسم، لكنه لم يزل يتلقى شظايا نتيجة كلمة قالها، ومنهم من توهم أنه تخلص من هذه الأنظمة، لكنه مخطئ. ولقد كانت أبرز عمليات القمع مؤخرًا في لبنان، ذات النظام الديمقراطي. حيث أقدم الحكام على إلقاء القبض على أناس عبروا عن رأيهم بسياستهم وانتقدوهم. فنحن لم نزل نتكلم كثيرًا، لكن وللأسف بخوف.

 وأظن أنه لا يسمّى الوطن «أمّ» إلا إذا كان بكرامة شعبه. فالوطن يرفرف اسمه بإنجازات الشعب وحضارته وثقافته، وليس بإنجازات دولته التي لطالما حرمته من إبراز فكره.

 بعيدًا عن فكرة القمع السياسي للشعب نستطيع أن نلاحظ تعسفًا في عائلات مختلفة. بالطبع الآباء يجب أن يكونوا مسيطرين على أبنائهم، لكن من الضروري تعزيز فكرة النقاش وإبراز الآراء المختلفة «فالاختلاف بداية الحوار». وبحسب علم النفس فإن تشدد الآباء أو تراخيهم في تربية أبنائهم سيولد مشاكل نفسية لهم في المستقبل. فمثلًا عندما يقول الولد لأبيه: «لم يعجبني هذا الفيلم الكرتوني» يجب على هذا الأخير أن يرضي ابنه ويسأله عن أسباب عدم رغبته بمشاهدة هذا الفيلم للانتقال إلى مشاهدة فيلم آخر، فهو بذلك لم يمنعه عن حريته في التعبير، بل ناقشه برحابة صدر.

لذلك تجلب معها الحرية في عصرنا الحالي، وخاصة حرية الرأي والفكر والتعبير فرضيات كثيرة: هل تُستغل الحرية من قبل الدول المهيمنة لاستعطاف الشعوب الأخرى؟ أوليس غريبًا أن أغلبية الدول المتحضرة مدّعية الحرية تمنع أي مواطن مبتَكِر أو مفكّر من دول نامية أن يخرج بأفكاره إلى العالم؟ ونجد عن ذلك أمثال عديدة.. «قُتل.. لأنه لبناني مُتخصّص في صناعة الصّواريخ!» هكذا كان عنوان مقال لجريدة «الديار» عام 2014  التي نشرت قصة «هادي صائب قصب» البالغ من العمر 23 عامًا. هذا الشاب الربيعي قد وُجد مسمومًا في مكان إقامته في جامعة «Massachusetts» الأمريكية بعد أن توصل إلى إنجاز جديد ومهم يتعلّق بالأسلحة، وبصناعة وسرعة الصواريخ. ومن الجدير بالذكر أن «هادي» قد تعرّض للتهديد من قِبَل أحد أساتذته في الأسبوع عينه لعدم السفر إلى لبنان.

 وأخيرًا يقول جيمس بالدوين: «الحرية لا تُمنح وإنما يتم انتزاعها». أي أن الحرية لا تُجلب لنا، بل علينا أن نسعى للوصول إليها حتى لو بمحاربة الطغاة. فعلينا محاربة كل الفاسدين، وخاصة في دولنا العربية التي تستبعد كلمة «الحرية» من مناهجها التربوية، وتقوم على تنشئة الأطفال على طاعة الحاكم. لذلك نجد من يؤله الزعماء ومن يخشى انتقاد حكامه حتى يبقى على قيد الحياة. وهناك مؤخرًا من مُنع من سحب ماله من البنوك، ومن مات على أبواب المستشفيات، ومن انتظر ساعات من أجل ربطة خبز. وكلها انتهاك للحرية والمبادئ الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد