رافقت السينما المصرية – وهي تمثل السينما العربية – الشاشة الذهبية منذ ظهورها في أعوامها الأولى، حيث العرض السينمائي التجاري الأول في التاريخ، والذي قدمه الأخوان لوميير في باريس في أواخر عام 1895، تبعه بعد ذلك بأيام، أول عرض سينمائي في مصر في بدايات عام 1896.

ومع بدايات القرن العشرين تطورت السينما في أوروبا وأمريكا وعدد من بلاد العالم الأولى في صناعة السينما. ومن ضمنها مصر، التي تقدمت السينما بها حتى أنتجت أول فيلم روائي صامت على الصعيد المصري والعربي والأفريقي، والمعنون باسم «برسوم يبحث عن وظيفة» عام 1923. ثم أول فيلم عربي طويل وصامت، والمعنون باسم «قبلة في الصحراء» عام 1927. ثم أول فيلم عربي ناطق، والمعنون باسم «أولاد الذوات» عام 1932.

وصولًا إلى أول فيلم رعب عربي عام 1945. وقد حمل اسم «سفير جهنم».

تحظى سينما الرعب بجاذبية وقبول جماهيري منقطع النظير، ربما لم يوجد نظير لها في تاريخ السينما، إلا في العقد الأخير مع الانتشار الكاسح لأفلام الفانتازيا، وبصورة خاصة أفلام الأبطال الخارقين Super Heroes. وقد صب هذا في مصلحة الرعب الذي له تاريخ صاحب السينما منذ صعودها إلى يومنا هذا، وعبر تاريخها الطويل ضربت في كل الخطوط والمسارات، وعرضت مختلف الأنواع والتيمات، وأدى ارتقاء الأنواع الأخرى لمستوى المنافسة إلى أن يتطور ويرتقي بذاته في توجهات جديدة مما سنتناوله في مقال آخر.

وضعت كل سينمائيات العالم بصمتها الخاصة في هذا اللون الغني والممتع، لدرجة أخرجت أعمالًا راقية تتنافس مع الكلاسيكيات العالمية. كل سينمائيات العالم لها رصيد محترم من الأعمال السينمائية الرعبية على صعيد الجودة والكمية إلا السينما العربية «عدا بعض الأعمال هنا وهناك». ونعرض في هذا البحث لمسار سينما الرعب في تاريخ السينما العربية مقسمين إياه إلى قسمين، الأول خاص بالسينما المصرية باعتبارها قمة السينما العربية، والثاني يعرض للسينما العربية عامة في سلسلة أخرى من المقالات.

وفي البداية نعرض أولى التجارب السينمائية المصرية في النوعية الرعبية. وكانت البداية مع الشيطان بسفير جهنم. واستمرت في سلسلة من الأفلام المتفرقة والتي نعرضها هاهنا. وكلها ارتبطت بأسطورة فاوست ومفستوفيليس التي هي انعكاس لأسطورة آدم ولوسيفر.

تعد شخصية فاوست واحدة من أعظم الشخصيات الخيالية في تاريخ المخيلة الإنسانية، وذلك راجع ضمن الأسباب إلى كونها أهم شخصية أدبية اقترنت بالشيطان، ذلك الأخير الحاضر بقوة في جميع الموروثات البشرية: الدينية، والأسطورية، والثقافية.

وفاوست أسطورة ألمانية شهيرة عن رجل باع روحه للشيطان، وأهم من اقتبسها أدبيًا هو الأديب الألماني الأعظم جوته في مسرحيته الخالدة التي حملت ذات الاسم فاوست، وقد جرى معالجتها مرة أخرى من قبل الأديب الألماني الذي لا يقل أهمية عن جوته توماس مان. ثم من قبل أدباء مهمين من لغات متعددة. ومن عربيتنا أعاد توفيق الحكيم صياغة المسرحية في مسرحيته «امرأة غلبت الشيطان». والتي صارت مرجعًا مهمًا لنصوص العديد من الأفلام في السينما المصرية. أولها «سفير جهنم»، ثم الأعمال المذكورة في القائمة الآتية

[1] سفير جهنم 1945

كانت بداية أفلام الرعب في السينما المصرية والعربية بفيلم «سفير جهنم» الصادر عام 1945 من إخراج يوسف وهبي، الذي حمل أيضًا بطولته الشريرة في دور الشيطان، بالاشتراك مع فؤاد شقيق في دور عبد الخلاق، الرجل الذي يحاول إبليس غوايته، وليلى فوزي، وفردوس محمد.

يحكي الفيلم عن عبد الخلاق الرجل البسيط الذي يتحول إلى شخص كثير الشكاية بسبب صعوبات الحياة، ومن ثم يضعف الوزاع الديني لديه مما يصنع ثغرة تفتح مدخلًا للشيطان يحاول غوايته من خلالها دافعًا إياه وأسرته وأولاده إلى مصير مهلك.

يعد الفيلم أول فيلم رعب مصري ومن الأعمال النادرة القيمة في هذه النوعية، إلا أنه يحظى بنهاية سيئة وأداءات كانت مسرحية أكثر من اللازم.

[2] موعد مع إبليس 1955

إعادة صياغة لفيلم سفير جهنم حيث طبيب قاهري يعاني من ضيق الحال، وقلة المال المنتجة، وضآلة خبرته، فيعقد صفقة مع الشيطان ينال من خلالها الشهرة، والثروة، والمعرفة. وتنقلب الأمور فيما بعد بما لا يسر.

الفيلم من بطولة الثنائي الرائع زكي رستم ومحمود المليجي، اللذين سيغدوان لاحقًا من أبرز أشرار الشاشة المصرية والعربية. محمود المليجي في هذا الفيلم يتوج مكانته بين أشرار السينما العربية والعالمية بتجسيده دور الشرير الأعظم ومجسد الشرّ النقي حيث يترادف اسمه مع شرّه: الشرّ/الشيطان.

يحظى محمود المليجي بظهور مخيف لما يظهر من العدم في الثالثة بعد منتصف الليل للطبيب ليطلعه على سرّ الموت مقابل عقد صفقة معه، يمضي الرجل عمياني جاهلًا ما يجري ممتنًا لما أُعطي. متعرفًا على حقيقة الرجل الذي زاره.

[3] المرأة التي غلبت الشيطان 1973

بعد يوسف وهبي ومحمود المليجي وزكي رستم، مرة أخرى يسجل عملاق آخر ظهوره على مسرح الشيطان في فيلم من بطولة نور الشريف في صياغة أخرى لبطولة أنثوية «شمس البارودي» والشيطان عادل أدهم شيطان في دور حفيد الشيطان. ويبدوا أن أبرز شياطين/أشرار السينما المصرية كانوا شياطين بالفعل في أعمالهم المبكرة. حيث امرأة تعاني من صعوبات الحياة المتمثلة في الفقر، والقبح، والوحدة، تعقد صفقة مع الشيطان محدودة بإطار زمني لـ10 سنوات من الشهرة، والثروة، والجمال، ثم السقوط بعد الصعود. إلا أنها تتغلب عليه بقوة إيمانها في إحدى تنويعات «الإله من الآلة» العقيمة لنهاية القصة. إلا أن الفيلم والمقتبس مباشرة من مسرحية توفيق الحكيم قدم مبررات سابقة لهذه النهاية مثل صدمتها وتوبتها، فقد جعلها تخسر شيئًا، ولم يخرجها منتصرة بالكامل، وعودتها من الحج، والمصير الغامض بعد توعد الشيطان لها.

[4] الرقص مع الشيطان 1993

بعد نيله شهادة الدكتوراه وعودته إلى مصر ليعيَّن أستاذًا بالجامعة، يحصل على زهرتين غير عاديتين، يتمكن من خلال إجراء التجارب عليهما من استخراج عقار يحقن به نفسه ليتمكن من السفر عبر الزمن.

وبعد مغامرة بين الماضي والحاضر والمستقبل، يتضح – في نهاية غير متوقعة وغير منطقية – أن العقار ليس إلا نوع من عقارات الهلوسة. وينتهي الفيلم برسالة وعظية سخيفة.

أدرجته هنا بسبب العنوان الذي لا ينتمي إلى القصة الأساسية التي نرجع لها، الشيطان هنا متمثل في ألعاب علمية خبيثة توقع بطل الفيلم نور الشريف/الدكتور واصل في رحلة زمنية بين الماضي والمستقبل تنكشف له خلالها حقائق تدمر حياته في الحاضر.

الفيلم مقتبس جزئيًا من رواية رائد أدب الخيال العلمي في العالم العربي نهاد شريف، قاهر الزمن الذي يؤدي نور الشريف بطولته أيضًا في فيلم آخر يحمل نفس الاسم. ونور الشريف حاضر بقوة في سينما الرعب والفانتازيا، مما نتعرض له في تتمة أخرى.

[5] إختفاء جعفر المصري 2002

في هذا العمل يتجلى الفعل الشيطاني في أشد وضوحه لم تملك خيار أن تقتل شخص لا تعرفه ولا تكن له أي عداوة أو كراهية. وأنت بيدك حرفيا حياته أو مماته، كل ما عليك فعله أن تدفع بيدك من مجلسك ولا ضرر يقع عليك. بل تحقق مكاسب كبيرة أيضًا.

الفيلم مقتبس من مسرحية مركب بلا صياد La barca sin pescador للشاعر والمسرحي الإسباني أليخاندرو كاسونا Alejandro Casona، ويعد تنويعًا على تيمة الصفقة مع الشيطان «فاوست مرة أخرى» التي ينتصر فيها الإنسان في النهاية لأسباب واهية فقط لترجيح فكرة أن ضعفه لا يشكل عائقًا أمامه، وهذه ثغرة منطقية في القصة. هذه المرة الصفقة تسلتزم تضحية شيطانية فعلًا، وبعد سقوط البطل نور الشريف في الهاوية، يصعد مرة أخرى دون أن تزول منه المنافع التي أتت عليه من الشيطان، وهذه ثغرة أخلاقية في القصة، بل يحصل على مكاسب من توبته المزعومة.

[6] الريس عمر حرب 2008

تنويع آخر ومهم على تيمة الصفقة مع الشيطان، والتي يعقدها بطل الفيلم دون أن يدري حين يطاوع نواياه الخبيثة في العمل داخل كازينو من أجل الحصول على النقود لإتمام زواجه. فيسقط في الهاوية التي يوقعه بها الشيطان المتمثل في مدير الكازينو عمر حرب. وعمر حرب هنا هو خالد صالح الذي ربما يكون أعظم ممثل مصري في الألفية الثالثة بشهادة أحمد خالد توفيق نفسه ومليجي هذا العصر. متلبسًا الدور الذي قدمه محمود المليجي من قبله.

الفيلم محطة هامة في مسيرة هاني سلامة السينمائية بطل الفيلم ومؤدي دور خالد، واختيار موفق لاسم البطل متماش مع رمزية الكازينو الذي يمثل الدنيا المغرورة. وهو من إخراج خالد يوسف. وأراه أهم أفلامه – وربما أهم الأفلام المذكورة هنا – بالتجاور مع فيلم «هي فوضى». والعملان مع فيلم ويجا يشكلان ثلاث تجارب رعبية «جرى احتساب هي فوضى ببعض التجاوز والمبالغة» في السينما المصرية.

[7] عزازيل 2011

مجموعة من الشباب يذهبون في رحلة من أجل عزلة دينية تختبر إيمانهم.

لدي معلومة غامضة حول أنه كان قد صدر في 2009، وعلى صفحة السينما هناك تاريخين لعرضه 2011 و2014، إلا أنني أتذكر مشاهدتي إياه في أي من العامين الأولين تسعة أو 11. كما أنني شاهدته على جزئين.

والفيلم يروي قصة صراع الشيطان مع الإنسان حين يعرض الفيلم محاولة الشيطان عزازيل «كمال أبو رية» الذي يحاول إغواء تلامذة شيخ طريقة «محمد ريحان» لما وضعهم الأخير في اختبار لمواجهة الشيطان الذي ينجح جزئيًا في مساعيه. وتلاميذه هم عمر «ماهر عصام»، حسان «شادي سرور»، سالم «حمادة بركات». ولا وجود للمرأة هنا، بل بلطجي البرينجي «مصطفى درويش» رسولا للشيطان هنا. العمل مسرحي في مساحة المكان وتوزيع الأدوار مع طاقم عمل متواضع للغاية أثقلهم هو هادي الجيار في دور غير متألق به. وعلى الرغم من المستوى الفني المنخفض للفيلم إلا أنه من أصحاب الرسالات الهادفة، للأسف بشكل فيه بعض المباشرة الهزلية، والوعظ، أو حتى الأمر والنهي.

[8] عزازيل ابن الشيطان 2014

هذا الفيلم يعد نكبة للسينما المصرية والعربية، ولا يستحق مشاهدته على الإطلاق، ولا حتى الحديث عنه، ولكن قد يلزم علينا فعل ذلك. وهو يتحدث عن تلبس فتاة بجن، ومحاولة حبيبها ذي القوى الروحانية طرده منها. والجن هو الشيطان عزازيل ابن الشيطان نفسه، وقد زعم صناع العمل أن الفيلم يناقش قضية اجتماعية هامة هي الاعتقاد بتلبس الجن والأعمال وغيره. ولا أعرف أي شيء يناقشه في هذا. هم فقط صنعوا عملًا أسوأ من السخافات اليوتيوبية، واستغلوا أن اسم عزازيل ليس حكرًا على أحد نظرا لكونه ينسب للشيطان نفسه، لينالوا نصيبا من شهرة رواية يوسف زيدان العظيمة عزازيل، وربما الفيلم السابق عزازيل، وكذا اسم عزازيل وحده دعاية مجانية للفيلم. والأفضل من مشاهدة الفيلم هو الاكتفاء بمشاهدة مراجعة إنجي أبو السعود له على قناتها «فينييت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد