الغربة فلوس كتير، وسيارة وزوجة جميلة، وفلوس تملأ خزائن البنوك!

تلك هي الكلمات التي تتردد دومًا عن الشخص الذي ترك أرضه ووطنه وأهله، وذهب في سراب الغربة يبحث عن مستقبل أفضل وحياة كريمة.

ولكن الصدمة، تأتي عندما تطأ قدمك أرض البلد الذي أتيت إليه مودعًا كل أحلام صباك وريعان شبابك من أجله أو من أجل ماله.

فعند وصولك إلى مطار تلك البلد، كأنك خرجت من دار الدنيا إلى دار الآخرة، لا صديق، ولا رفيق، ولا أهل، ولا حبيب.

سترى ملك الموت، أقصد المندوب الذي أتى بك إلى هذا المكان، وهو يقول لك: من ربك؟ أقصد أين أوراقك. وتنهال عليك الطلبات من هذا الشيطان الذي فُعل به عند قدومه نفس الذي يفعله بغيره الآن، وتنهال عليك الطلبات منه مقابل أن ينجز لك إقامتك، وبعد أن يأكل منك الأخضر واليابس يتركك وحيدًا أمام قضبان القطار  الذي لا يرحم ولا يعرف لماذا وجدت كلمة رحمة، ألا وهو الكفيل، وما أدراك ما الكفيل! ياويلي ياويلي، استعباد ثم استعباد كأنه الإله في الأرض استغفر الله.

تمر الأيام بلا عمل، بل الشهور، وفي بعض الأحيان السنة كاملة، وفي هذه الآونة تكون بمثابة المتسول الذي لم يترك بابًا  إلا أتى إليه يرجو عطفه وكرمه من أجل إطعام نفسه، ياللهول! من ذل الشباب، وانكسار القامة التي لم تسجد قبل إلا لله وحده. فهذا الكفيل مقابل أن تبقى إقامتك عليه استغلالًا ثم استغلالًا من كل أنواع الحقارة.

ومع تلك المأساة ترى عمرك قد زاد ألف عمر عليه من كثرة الهموم والتفكير. يقولون متي تعلمت أن تشرب السجائر؟ أقول لهم: اسألوا غربتي، أو محنتي بالأحرى، وهي ستجيبكم من الهموم ما يكفي.

بداية العمل. ياللفرحة العارمة التي دقت بابي أخيرًا، استلمت عملًا جديدًا أو دوامًا، كما يطلقون عليه ها هنا. آه، أخيرًا، ولد أمل جديد بعد طول انتظار. فما أجمل أن تأكل من كدك وعرقك، وأن لا تمد يدك إلى أي إنسان مهما كان.

الآن سأسدد كل ديوني، وسأعيش بكرامتي، لكني أحتاج إلى عامين كي أسدد ما استدنته في الشهور السابقة. ولكن ذلك أفضل من أن أجلس هكذا بدون عمل أو أن أعود ثانيه إلي بلدي وأرى الشماتة في عيون الغريب والقريب. وفي تلك الأحيان يتحول هذا الحلم إلى كابوس مضايقات في العمل، ولكن مقدور عليها، أما الذي هو غير مقدور عليه نظرة الأهل في تلك الأحيان وأمنياتهم وتوقعاتهم بأن أملأ الأرض مالًا وفرحًا، وهم لا يدرون ولا يصدقون أن الراتب لا يكفي قوت يومي. ولكن أهلي يرون في الأمل والحلم الذي سعوا من أجله كثيرًا لكي أصبح رجلًا أتحمل أعباء الحياة، ويعتمد عليه، فإن شاء الله سأكون ذلك الرجل، ولا أنظر للخلف كثيرًا، وسوف أتحمل مرار الغربة وفراق أمي وأبي ووطني وحارتي، وأرجو من الله أن تتحقق أحلامي وأحلام كل مغترب عن وطنه. والحمد لله، هذه هي البداية، فصبرًا؛ إن الصبر جميل.

وأترككم مع هذه الأبيات، وللحديث بقيه إن شاء الله:

بك يا زمان أشكو غربتي

بك يا زمان أشكو غربتي

إن كانت الشكوى تداوي مهجتي

قلبي تساوره الهموم توجعًا

ويزيد همي إن خلوت بظلمتي

يا قلب إني قد أتيتك ناصحًا

فاربأ بنفسك أن تقودك محنتي

إن الغريب سقته أيام الأسى

كأس المرارة في سنين الغربةِ

قد كان نومي هانئًا فوق الثرى

 من غير شكوى أو عذول شامتِ

 من غير هم بالزمان وكربه

من غير تسهادٍ يشتت راحتي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد