إذًا، بِتنا على مقرُبةٍ من انطلاق السباق الذي تُتابِعُهُ أعينُ الراصدينَ في دولِ العالمِ المختلفة عن كثبٍ واهتمام، فبعد أيام تنطلقُ الانتخابات الرئاسية الأمريكية لتُفرِز رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة وللعالمِ بعموم – باعتبارها فاعلًا أساسيًا – في قراره.

وبينما يهتمُ المتابع العربي بمواكبة مظاهر «الأمركة» بجوانبها وأبعادها المختلفة «السياسية منها والاجتماعية والفنية..» والانبهار بها، وبينما يُتابعُ باهتمام سير الانتخابات بخصوص كمظهر من مظاهر التميز السياسي والتفوق الديمقراطي، ويحتفي بمظاهر ذلك التنافس نادر الحدوث والتكرار في عالمٍ يعُّجُ بفجواتٍ بين الأنظمة وشعوبها، كان من الضرورةِ بمكان أن يتعرف خلالَ ذلك على معالم ذلك النظام الانتخابي المُعقّد بخطواته الفنية والاجرائية التي لا يفهمُها كثير من الأمريكان أنفسهم في كثيرٍ من الحالات!

وربما تبيان ذلك يكونُ ذا فاعليةٍ أكبر في حال تناولهُ التقرير على حدٍ غير مقطوع الصلة بالسياق التاريخي والسياسي لموضوع الديمقراطية في نظر الولايات المتحدة وكيف تنظر لها وما يحتويه السجل الأمريكي من مواقف إزاءه.

الديمقراطية في العقل السياسي الأمريكي

صدرّت أمريكا على مدار تاريخها الحديث للعالم مبدأ الديمقراطية كمُؤسسًا لها، بل وتدخلت إدارة بوش «الابن» في قرارات بعض النظم إقليميًا بذلك الداعي، مُستغلةً بذلك نقاط ضعف نظم سياسية عربية كثيرة. وتنامت تلك الفكرة بصورة فجة في عهد جورج بوش «الابن».

وعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة حينما تتحدث عن الديمقراطية فإن منطوق خطابها ينطوي على افتراضين يتعامل معهما البعض كمُسلمّات غير قابلة للفحص، أولهما: أن أمريكا قلعة الديمقراطية في العالم، وثانيهما أن الديمقراطية الأمريكية نموذج يُحتذى به.

للتدليل.. سياسة الإدارة الأمريكية بعد احتلال العراق

عقِب احتلال العراق أنتجت الإدارة الأمريكية نظامًا جديدًا لنقل السلطة، يُخالف خصوصية الحالة العراقية بالتأكيد.

وكانت دلالته شديدة الأهمية إذ كان نظامًا مُطابقًا لنظام الانتخابات الأمريكية في اختيار الرئيس.

حيثُ يقوم بشكل كامل على الانتخاب غير المباشر على مراحل مختلفة، أما الأولى فتتمثل في تشكيل لجنة يقوم مجلس الحكم العراقي باختيار أعضائها، ولها مهمة أساسية هي اختيار المشاركين فيما أُطلق عليه وقتها «المؤتمرات الوطنية» في الأقاليم المختلفة، ثم تتبعها اختيار أعضاء المجلس النيابي الانتقالي الذي يقوم باختيار الحكومة.

وتُعرف المؤتمرات الوطنية في الاصطلاح الإنجليزي «Caucus» ويُعمل به في النظام الأمريكي

صحيحُ أنه تم إلغاؤه ولم يُنفذ لحالة عامة رافضة له حينها، إلا أن تصميمه يعكس التصور الأمريكي لمفهوم الديمقراطية المراد تصديرها للعالم «الديمقراطية الأمريكية» لا الديمقراطية المجردة كمبدأ!

أي أن تكونُ مُتحكمةً بمقتضاها في زمام الأمور، فهي لا تسعى لتطبيق المجردة وإنما الأمريكية على وجه التحديد.

وبهذا تكون تلك الفكرة حاضرة بقوة في العقل السياسي الأمريكي طبقًا للمعطيات والسياقات التاريخية والسياسية.

هل ينفي ذلك نقاط قوة الديمقراطية الأمريكية؟

بالطبع لا، الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر دول العالم في مجال الحريات المدنية على سبيل المثال لا الحصر، وتتقدم أيضًا في تقييم الديمقراطية المؤسسية، إلا أن هذا النمط لا يسري بالضرورة على العملية الانتخابية بها، طبقًا للمعطيات.

فنظامها الانتخابي فضًلا عن نظامها الحزبي ذوا طابع نخبوي محافظ – بصورةٍ كبيرة – له خصوصية تختلف عن الأفكار والأنماط المستعملة في كثير من دول العالم بهدف تحقيق إرادة الناخبين كالاقتراع السري المباشر، وفكرة مواطن واحد يساوي صوتًا واحدًا «one man one vote» وخصوصية النظام الانتخابي بها إذ يضعُ قيودًا على دور الناخب فتلك المحدودية لا تُخالف الدستور بل تتسق معه تمامًا، فهو وإن كان يبدأ بعبارة «نحن الشعب» إلا أنه لا يحكم بها كما سنرى.

في أمريكا.. الحكم للولايات وليس للشعب!

في عام 1776 استقلت المستعمرات الأمريكية عن إنجلترا إلا أنها لم تختر لها شكًلا جديدًا للحكم في الدولة الجديدة إلا بعد ما يقرب من عام، فبعد اسبوع من إعلان الاستقلال اجتمعت لجنة للبحث في إقامة نظام جديد تم إقراره عام 1777 وهو ما يُعرف بالنظام الكونفدرالي، ويعني اتحاد بين دول مستقلة ذات سيادة تتفق فيما بينها على التعاون في أمور معينة، إلا أنها تتمتع بسلطات مُطلقة داخل حدودها.

واللجوء للنظام الكونفدرالي يُعّدُ نتيجة لرفض الولايات المنضمة للاتحاد حكومة مركزية قوية تتنازل لها عن بعض صلاحياتها، وحظيت تلك الولايات في ظل الاتحاد الكونفدرالي باستقلالية كبيرة، عكس ما كانت عليه حكومة الاتحاد نفسها من ضعف بيّن، إذ أن دستور الكونفدرالية لم يمنح الحكومة المركزية الحق في فرض الضرائب مثًلا،فضًلا عما يتعلق بإنشاء جيش قوي للدفاع عن الدولة.

مع مرور الوقت، تدهورت أوضاع الاتحاد الكونفدرالي لتزايد الحروب التجارية بين الولايات، ما اضطر «جورج واشنطن» إلى عقد مؤتمر في فيلادلفيا عام 1787 بحضور مندوبين من جميع الولايات لمراجعة بنود الكونفدرالية، إلا أنهم لم يلتزموا بذلك وقاموا بكتابة دستور جديد تمامًا هو الحالي المعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية، حيثُ ألغى الكونفدرالية وأسس أخر فيدراليًا.

أما عن بنود الدستور الجديد فقد ركزت بشكل أساسي على حماية الحريات الفردية وحقوق الولايات المنضمة للاتحاد الجديد، إضافًة إلى التأسيس لحكومة مركزية تملك من الصلاحيات ما يُساعدها على أداء مهامها بكفاءة، ولكن مع تحجيم حركتها من خلال تقييد بعد الصلاحيات التي تجعلها بالقوة التي تستطيع معها التمرد على الحقوق والحريات، لذا يُمكن القول أن الدستور أنشأ نظامًا سياسيًا يقوم على مبدأ «الرقابة والتوازن Checks & Balances» يهدف بالأساس إلى تقييد كل المؤسسات السياسية عبر منح غيرها صلاحيات واسعة للرقابة عليها، وبالفعل أُسست حكومة فيدرالية مكونة من مؤسسات ثلاث «تشريعية، قضائية، تنفيذية» ووُزِعت الصلاحيات بينها على نحو لا يسمح لأي منها بالإنفراد بصناعة القرار.

إذًا العلاقة بين المؤسسات الثلاثة لا تقوم على الفصل بين السلطات وإنما هي علاقة مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطة فيما بينها! فهي ليست في يد مؤسسة واحدة معنية بتلك السلطة.

على سبيل المثال، الدستور وضع السلطة التنفيذية في يد الرئيس إلا أنه أعطى لكل من السلطتين التشريعية والقضائية من الصلاحيات ما يُمكنهما من ردع الرئاسة عند اللزوم!

وهنا نُنوه لأهم صلاحية يمتلكها الكونجرس وهي ما يُسمى «سلطة المحفظة» التي تمنع الرئيس من إنفاق دولار واحد دون موافقة الكونجرس.

وللرئيس أن يُعِدّ السياسات العامة ولكنه لا يملك تنفيذها دون موافقة الكونجرس الممول الرئيسي لها.

وبالمثل فإن سلطة التشريع رغم أنها مسؤولية الكونجرس إلا أن الدستور أتاح للرئيس اقتراح مشروع قانون إذا ما رأي ضرورةً لذلك، بل وله أن يستخدم حق الفيتو ضد مشروعات قوانين تُصدِرها السلطة التشريعية والتي تلزم توقيع الرئيس.

أيضًا نظّم الدستور العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة الولايات، بصورةٍ تجعل كلاً منهما رقيبًا على الآخر ومُشاركًا له في صنع القرار، وكان ذلك حلاً قاطعًا للخلاف الذي دار خلال المؤتمر بين أنصار الحكومة الفيدرالية والمدافعين عن صلاحيات حكومة الولايات، وبين الولايات الكبيرة والأخرى الصغيرة.

فرأى الدستور حينها أن يطرحَ حًلا توفيقيًا بين المعسكرين، فرأى إنشاء مؤسسة تشريعية فيدرالية من مجلسين، أحدهما يُعطي ثِقّل للولايات الأكبر، والأخر يستجيب لمطلب الولايات الصغيرة.

فأُسِس مجلس النواب ليكون التمثيل فيه طبقًا لعدد السكان في الولاية، ومجلس الشيوخ ويتم التمثيل فيه بالتساوي بغض النظر عن نسبة السكان بواقع عضوين لكل ولاية.

إذًا ببيانٍ أكثر وضوحًا، حينما نقول إن عدد الولايات الأمريكية 50 ولاية، فإن أعضاء مجلس الشيوخ يصل لمائة عضو، أما عن مجلس النواب الذي يصل عدد نوابه لـ 435 عضوًا إلا أن تمثيل كل ولاية فيه قد يتغير وفقًا لعدد سكانها زيادةً أو نقصانًا.

طبقًا لتلك الصيغة التي قررها الدستور يُصبح حال ولايات صغيرة في عدد السكان مثل ولاية فرمونت تُمثّل بنائب واحد في مجلس النواب، وعضوين في الشيوخ، بينما ولاية كبيرة مثل كاليفورنيا تحظى بنصيب الأسد في مجلس النواب حيثُ تُمثّل ب 53 عضوًا، وعضوينِ في مجلس الشيوخ.

كيف يُنتخب الرئيس الأمريكي؟

انتخاب الرئيس الأمريكي لا يتم بصورة مباشرة كما هو متعارف عليه في كثير من التجارب الديمقراطية، وإنما عبر ما يُسمى «المجمع الانتخابي Electoral College» وهو عبارة عن مجموعة من المُنتخِبين يتم اختيارهم وفقًا لشروط المجلس التشريعي في كل ولاية، وقد تم توزيع المجمع الانتخابي بين الولايات بحيث يكون لكل ولاية عدد من الأصوات الانتخابية مساوِ لعدد أعضائها في مجلس النواب والشيوخ، ومن ثم يكون لكل ولاية ثلاثة أصوات على الأقل «اثنان في مجلس الشيوخ وواحد على الأقل في مجلس النواب» وفقًا لعدد السكان كما ذكرنا.

ويكون بذلك عدد أعضاء المجمع الانتخابي 538 مُنتخبًا «100 عضو بمجلس الشيوخ + 435 بمجلس النواب + 3 أصوات لواشنطن»، وعليه فإن ولاية كبيرة من حيث عدد سكانها مثل كاليفورنيا تحصل على 55 صوتًا في المجمع الانتخابي «53 بمجلس النواب + عضوان بمجلس الشيوخ».

بينما يكون عدد الأصوات المقررة لولاية صغيرة العدد مثل «ألاسكا» ثلاثة أصوات فقط «نائب بمجلس النواب + 2 بمجلس الشيوخ».

إذًا انتخاب الرئيس يكون على مرحلتين الأولى عبر الاقتراع العام من الناخبين ويُطلق على أصواتهم «الأصوات الشعبية» ثم مرحلة «المجمع الانتخابي» ويُطلق عليه «الأصوات الانتخابية».

والانتخاب يقوم على قاعدة «الفائز يحصل على كل شيء Winner take all ».

أي أن المُرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات الشعبية في الولاية يفوز بكل أصوات تلك الولاية ويخسر منافسه كل شيء، والنسبة الأعلى ليست بالضرورة تُمثل الأغلبية،

فالمرشح قد يحصل على 40 % من أصوات الناخبين فيكون هو الفائز طالما أن منافسه لم يتجاوزها حتى وإن كانت نسبته 39.5 % يتساوى مع غيره ممن لم يحصل سوى على 2% فقط من أصوات الناخبين على سبيل المثال، وبذلك يكون الحاصل على 40% فائزًا بكل أصوات الولاية في المجمع الانتخابي.

وعليه، فإن المرشح قد يفوز بالرئاسة لكن دون أن يحصل بالضرورة على أغلبية أصوات الناخبين في الولايات المختلفة، فمعيار الاختيار هو أصوات «المجمع الانتخابي» لا الأصوات الشعبية.

وبالتالي تتحدد أهمية دور الناخب طبقًا لحجم الولاية وعدد الناخبين بها.

لماذا التعقيد في انتخاب الرئيس؟

سبق وذكرنا أن فكرة «المجمع الانتخابي» لم تكن سوى صيغة توفيقية بين الولايات الكبيرة والأخرى الصغيرة دائمة التصارع وهو ما ظهر جليًّا في مؤتمر «فيلادلفيا» إذ أنه يضمن لكلا الولايتين دورًا فاعًلا في انتخاب الرئيس، حيثُ يزداد عدد الناخبين بزيادة عدد السكان وبذلك يُعطي دورًا ذا فاعلية للولايات الكبيرة، إلا أن صوت الناخب قد يكون أكثر فاعلية في حال أنه يقطن إحدى الولايات الصغيرة حيثُ أن صوته مع مجموعة صغيرة أخرى يُحدد منتخبي الولاية في المجمع الانتخابي, طبعًا مقارنًة بعدد أكبر في الولايات الكبيرة.

إضافًة لسبب أخر خفي يرتبط بنظرة الساسة للعموم الأمريكي في ضعف قدرتهم على اتخاذ قرارت مصيرية سليمة، فقد تمثلت قناعاتهم أن الناس ليسوا بالضرورة قادرين على اتخاذ قرارات حاسمة تمس مصالحهم وتخوفوا من تحكم العاطفة في القرار وهو ما أطلقوا عليه «حكم الرعاع – Mob Rule».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد