أحضر لي الضباط المصريين وإلا قطعت رأسك. الجنرال محمد أوفقير

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب الباردة، ومع تواصل نضال دول الشمال الأفريقي للحصول على استقلالها، واحتدام الصراع بين النموذجين الاشتراكي والرأسمالي، لم تَسلَم تلك الدول من النزاع فيما بينها، بالرغم مما كانت تعانيه من بقايا استعمارها، فالمغرب الذي حصل على استقلاله عام 1956 لم يُفاوض فرنسا في رسم حدوده الصحراوية مع الجزائر، مؤجلًا ترسيم الحدود لحين استقلال الأخيرة، وهو ما لم ينتظره المغرب كثيرًا، ففي يوليو 1962 استقلت الجزائر.

حرب الرِّمال

إلا أن رياح حريتها أتت بما لم يتوقعه المغرب، فالحكومة الجزائرية أعلنت عن الإبقاء على الحدود الاستعمارية وعدم المساس بها، ثم لجأ الاشتراكيون المغاربة المطاردون إلى الجزائر عام 1963.

وبعد إعلان نظام الحزب الوحيد في الجزائر، انتهزت السلطات المغربية توتر العلاقة بين البلدين لتُجهز على جيش التحرير الجزائري، الذي كان ضعيفًا قليل العتاد، بالمقارنة مع الجيش المغربي النظامي، الذي خَبِر أغلب عناصره القتال في صفوف الجيوش الاستعمارية، وفي 14 أكتوبر 1963 اندلعت حرب الرمال بين البلدين بعد مهاجمة القوات المسلحة الملكية المغربية مناطق ضواحي تيندوف وحاسي بيضة.

مصر في الصراع 

في أقصى شرق الشمال الأفريقي، كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر، حليف المعسكر السوفيتي وحامل الحلم الاشتراكي، وهو ما جعله العدو اللدود للملك المغربي الحسن الثاني، المدافع بشراسة عن مَلَكِيَّته وسِمة مملكتهِ الرأسمالية، ويجعله في الوقت ذاته حليفًا لنظام الحزب الوحيد الجزائري برئاسة أحمد بن بلة. الأمر الذي دفع عبد الناصر إلى مساندة الجزائر عسكريًا في هذه الحرب، بإرساله ألف جندي وضابط من مختلف فرق الجيش، من بينهم كان الطيار حسني مبارك.

الطيار الأسير

تختلف الروايات عما حدث تحديدًا، وبغض النظر عن السبب الحقيقي، سواء كان العاصفة الرملية أم فقدان الطريق؛ فالنتيجة كانت واحدة، اضطرت الطائرة العسكرية الاستطلاعية التي تقل ستة مصريين بينهم الطيار مبارك إلى الهبوط شرقي المغرب، ليجدوا أنفسهم محاطين بسكان واحة محاميد الغزلان وقائد المنطقة، وفي غضون دقائق كانوا مربوطين بجذوع النخيل، منتظرين وصول القوات العسكرية التي ستتعامل معهم كأسرى حرب، في تلك الأثناء وصلت الأخبار سريعًا إلى مدينة مراكش حيث مدير الأمن الوطني آنذاك وأحد قادة تلك الحرب الجنرال محمد أوفقير، الرجل الذي لم يُضيع فرصةً كهذه ليُظهر صرامة أوامرِه العسكرية، ويُلقي أمره على أحد طياري المخابرات الحربية قائلًا: اذهب وأحضر لي الضباط المصريين وإلا قطعت رأسك. بطبيعة الحال كان يُدرك معنى أسر  عسكريين مصريين في حربٍ كهذه، ولم يتأخر نقل المصريين الستة إلى معتقل دار المقري في مراكش، حيث تم التحقيق معهم.
لا شك أن أسر ضباط مصريين خلال حرب الرمال أغضب الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، بل دفعه إلى استدعاء السفير المغربي من القاهرة، وطرد أكثر من 300 مصري أغلبهم من المعلمين والأساتذة الجامعيين، إضافةً إلى منع تداول كل ما هو مصري، خصوصًا فيما يتعلق بالسينما والموسيقى المصرية، مُدينًا تدخل القاهرة في صراعه مع النظام الجزائري.

ما بعد الحرب

في نوفمبر 1963 انتهت حرب الرمال باتفاقية وقف إطلاق النار بين المغرب والجزائر، وعام 1965 زار الملك الحسن الثاني مصر، كان في استقباله الرئيس عبدالناصر، وطفلة صغيرة تحمل باقة من الورود، وكعادة الملوك، قبَّلها الحسن الثاني والتفت بعدها إلى عبد الناصر قائلًا: يا فخامة الرئيس شكرًا على باقة الورد، وأنا بدوري سأهديك باقةً من اللحوم الحيَّة، وكانت الهدية هي الضباط المصريين الأسري في زيِّهم العسكري، ومن ضمنهم حسني مبارك، الذي احتفظ بعلاقته مع الحسن الثاني، وكان رسولًا بينه وبين الرئيس السادات فيما يتعلق بتدارس القضايا العربية.

ولم يُخفِ الحسن الثاني ثناءه على مبارك بعد توليه الرئاسة المصرية، ووصفه بالصديق الذي تربطه به علاقة قوية، وقال في حوار له عام 1997: نرى صديقنا الرئيس مبارك يتعامل مع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ونحن أعلم الناس بصعوبة تلك الاختيارات وصعوبة ترجيح ميدان على آخر، لكن نراه يقوم بعمله ويقدم على خطواته بحاسةٍ سادسة تُمكنه من معرفة طموحات شعبه وتلبيتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد