كان انسحاب القوات الثلاثية من مدن القناة تحت ضغط الاتحاد السوفييتي، وتحت المقاومة الشعبية؛ قُبلة الحياة لعبد الناصر الذي كانت آماله القومية في مهب الرياح حينئذ إن استمرت القوى في الهجوم، وكان الاستثمار كأذكى ما يكون لذلك الحدث، من أغانٍ وطنية تمدح عبد الناصر، وقصائد شعر، ومقالات جرائد ومجلات.

 

 

وواصل مخطط العسكر في شكل الضباط الأحرار نجاعته، وجعل من عبد الناصر رمزًا يلتف حوله كل مصري، بغض النظر عن كل الانتهاكات التي ارتكبت في حق المواطنين من تضييق ومصادرة حريات، وعدم مشاركة سياسية، وابتلاع للوعود الاقتصادية والاجتماعية، وتقهقر للخلف عما كانت عليه البلاد في عهد الملك؛ لكن الآلة الإعلامية حينئذ نجحت في تصدير صورة للمصريين تعكس أن الميدان للحرب العسكرية فقط، وطالما نرفع رأسنا عسكريًا في وجه أعتى قوات العالم، فنحن إذًا على الطريق القويم.. الذي لا يعرفه سوى عبد الناصر.. قدس الله سره!

 

إلا أن العسكر في كل زمان ومكان، يريد ألا ينتظر الشعب ليقرر.. لا يغامر بالبقاء طويلًا في المستنقع الداخلي، حتى وإن كان هو أصلًا صانع هذا المستنقع ومالئه بالقاذورات.

 

وكان لابد للعسكر أن يخرج من بوتقة الترقب المصري الداخلي لخطواته، وكان لابد له أن يوسع الحدود.. وكان لابد له أن يغير الملامح لمدة.. وحينها رأى عبد الناصر أن يستبدل بالشعب – ببساطة – شعبًا آخر  حتى يتغير شكل الملعب، ولا يكون أحد على دراية به إلا عبد الناصر نفسه، ويترك القوى السياسية والشعبية تنشغل بتحديد أبعاد الملعب وكيفية الاقتراب من المرمى، ويكون هو قد أنهى المهمة في الدقائق التسعين، وحينما يأتي الوقت المناسب، يصفر لانتهاء المباراة.

 

الوحدة

 

في عام 1958، أعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة والتي شملت حدودها مصر وسوريا، وأصبح جمال عبد الناصر رئيسًا لها، وبدأت قومية عبد الناصر التي نادى بها مرارًا وتكرارًا تحقق أولى ثمارها، أو أولى مظاهرها. فهاكم أهم دولتين في المنطقة جغرافيًا وشعبيًا تتحدان في دولة واحدة على يد مغوارنا عبد النّاصر، وكان النداء الإعلامي حينها موجهًا أن تلك الوحدة لسحق العدو الصهيوني بين رحى العملاقين المصري والسوري.

 

وتغير الملعب..

 

وبدلًا من أن يكون عبدالناصر قائدًا لمجلس قيادة الثورة المصرية فقط! فقد صار قائد مجلسي قيادة الثورتين المصرية والسورية.. فسوريا أيضًا خضعت لنفس التجربة التي مرت بها مصر، من انقلابات عسكرية ناعمة باسم الجماهير التي لم تنل شيئًا، وكان الطريق يمهد حينها لحزب البعث لاستلام الراية في الوسط السوري بقياداتٍ، كان من أبرزها حافظ الأسد الذي تولى رئاسة سوريا بعد أكثر من عشر سنوات.

 

  جاء عبد الناصر مغيرًا الملعب.

 

وكان التشدق بالقومية العربية حينئذ على أشده، وخطب في الجماهر خطبته الجلل، وقال لهم أن حلم التوحد قد صار حقيقة، وصدّق العرب الأكذوبة، وصار عبد الناصر قائدًا فعليًا للعرب كلهم، وصورة للمقاومة العربية، ورمزًا لكفاح الدولة الصهيونية، وأغلق الباب على سرقة أحلام الجماهير المصرية وتعبئة آمالها كلها في كيس كاذب، فقد صار للقضية بعدٌ دوليّ آخر وأكثر أهمية.. ياللعبث!

 

ضاق السوريون ذرعًا بعبد الناصر، وبالجمهورية العربية المتحدة، فسوريا قبل الاتحاد كانت تخطو أولى الخطوات نحو حياة ديمقراطية تقوم على أساس التعدد الحزبي بعد فترة طويلة من الانقلابات العسكرية التي كانت في بعض الأحيان تحدث مرتين في العام! بين انقلاب الحناوي وانقلابات الشيشكلي وانقلابات أخرى.. كانت سوريا قد بدأت تشم رائحة التعددية، وكان فارس الرهان الأول في الأحزاب السورية حينئذ هو حزب البعث.

 

حينما جاء عبد الناصر بـ”فنكوشه” كان أول قرار له؛ حل جميع الأحزاب السياسية في الجمهورية المتحدة، وكان دومًا يقول “أنا رجل وطني ومستقيم، فما الحاجة إذًا إلى الأحزاب؟!”.

 

كان من أسباب أن ضاق السوريون ذرعًا أنهم أحسوا أن المركزية في السلطة لمصر، وألا اهتمام بسوريا، كما زادت الأسعار واستشرت البطالة في تلك السنوات الثلاث، فما كان من الأمر إلا أن حدث الانفصال في عام 1961.. تحت انقلاب عسكري بعثيّ ناعم.. حاول عبد الناصر مرارًا وتكرارًا ألا يمرّ.. ولكن السيف كان أصدق نبأّ، فعاد الملعب كما هو!

 

ليس من الطبيعي أن يقف عبد الناصر مكتوف الأيدي الآن، وقد عادت الأمور سيرتها الأولى، فكان لابد من حدث يصنع حوله الهالة من جديد.. ويُشعِر المصريين أن بطلهم لا زال بطلهم، لابد للمصريين ألا يعلموا أن ما حدث في 1952 كان انقلابًا عسكريًا بمباركة شعبية لوعود لم يتحقق منها سوى النزر اليسير، حتى النزر اليسير يتم ابتلاعه الآن. لابد ألا يتفطّن أحد لتلك الحقيقة البشعة، ففيها زوال عبد الناصر، وزوال مشروع الضباط الأحرار.

 

حان الوقت الآن للحدث الذي ينسي الجماهير كل هذا ويجعلهم يلتفون حوله.

 

مشروع ينهض بالبلاد اقتصاديًا وبالعباد اجتماعيًا.. مشروع يلتف حوله المصريون، ويغني من أجله المغنون.

 

 

 

  احْمَدُوا اللهَ أَنْ حَبَاكُمْ جَمَالا

 

 

الفيضان سيغمر مصر، النيل سينقلب نقمة لا نعمة، كيف السبيل؟ أين المفر؟

 

وبمساعدة السوفييت، بدأ عبد الناصر في وضع الأساس لبناء “السدّ العالي” الذي أصبح مشروعًا قوميًا لا ينام المصريون دون أن يدعوا الله مخلصين له الدين أن يبارك في كل حجر يوضع فيه، سائلين الله المولى أن يتم بناءه.

 

وانطلقت مانشيتات الأهرام والأخبار والجمهورية، تتغنى بالسد وبانيه.

 

  وانطلق الفنانون يتبارون في كسب الرضا.

 

والحق يقال في هذا الشأن؛ أن السد العالي كان أحد أهم المشروعات في تاريخ مصر الحديث، إن لم يكن الأهم، واقتضى نجاحه صمودًا دوليًا، وبراعة هندسية، ومقاومة لقوى الاستعمار، التي أعطت ظهرها عبر “البنك الدولي” للمشروع، فبادر الاتحاد السوفييتي بالمساعدة لإتمام المشروع، ليساعد النظام القوي الحليف له في المنطقة.

 

لكن عزيزي القارئ، يكفي أن تسأل أباك أو أمك أو جدك أو أيًا ممن لا يزال يتذكر حياته في تلك الأيام، ليخبرك أن مصر كلها بشرًا وحجرًا لم تكن تنام وتستيقظ إلا ببركة السد العالي، وحديث السد العالي، وأخبار السد العالي.

 

تم توظيف السد وبناؤه بشكل غريب.. وكأنه فتح للعالم، أو تحرير للقدس، أو ضربة في قلب واشنطن.

 

وهنا لا يسعني إلا أن أذكركم ببعض الفقرات الفنية اللولبية التي كتبت في مدح السدّ، وباني السدّ.

 

“قولنا هنبني.. وأدينا بنينا السد العالي، يا استعمار بنيناه بإيدينا.. السد العالي”.

 

“على بستان الاشتراكية .. واقفين بنهندس ع المية”.

 

لقائد أوركسترا جمال عبد الناصر.. العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.

 

وخالدة أم كلثوم “قصة السدّ”.

 

بقلم عزيز أباظة:

 

“إنه السد فارقبوا مولد الســــــد وباهوا بيومه الأجيــــــــــــالا”

 

وتسترسل “الست” في مدح السدّ وبانيه إلى أن تصل إلى المعلومة المطلوبة..

 

“حقق المعجزات عزم جمــــــال فاحمدوا الله أن حباكم جمـــــالا”

 

 

نجح مخطط السدّ هذا كأبلغ ما يكون النجاح، وواصل نجم عبد الناصر في العلوّ بعيدًا عن كل الأحلام الجماهيرية التي تاهت وسط زخم الأحداث.

 

إستراتيجية المشروع الوطني تلك، حاول مبارك استخدامها فيما بعد مع مشروع “توشكى” الذي أفردت له المساحات وتغنت به الحناجر والأصوات، ولكن عبد الناصر كان أنجح من مبارك فقد أتمّ السد العالي، فيما ظلت توشكى حبرًا على ورق، ولا يدري كثير من المصريين أين تقع توشكى على الخريطة المصرية؟!

 

 

ظلّ المصريون في كفاح السد، وظل عبد الناصر النجم الساطع المغرد.. وظل عيد الثورة منتصف كل عام موعدًا يتبارى فيه المتبارون لإنشاء قصائد مديحه والتغزل فيه.

 

 

ولكن لم يكن عبد الناصر يدري ما ينتظره!

 

لم يكن يدري أن العام السابع بعد الستين من القرن العشرين، وقبل شهر واحد من الاحتفال بعيد الثورة.. سيشهد نكسة سترمي بأحلامه كلها، وحيله وخداعاته، إلى الهاوية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد