خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ومنحه الكثير من العطايا والنعم؛ فوهبه العقل، والسمع، والبصر، ومنحه الصحة، وشكرًا لهذه المنح الربانية اهتدت الفطرة البشرية إلى إعلاء شأن هذه النعم، بحفظها وصيانتها بجميع الوسائل والأدوات المتاحة، المادية والمعنوية، ويتجلى لنا ذلك في اهتمام المنظمات والمواثيق الدولية بحقوق الإنسان، والسعي لترقيتها، الحق في الصحة يدخل في صميم حقوق الإنسان المنصوص عليها في مختلف الشرائع الإلهية والوضعية، فصيانة هذا الحق صيانة للكرامة الإنسانية، هذا المدخل ضروري لتوضيح أهمية الصحة كقيمة راسخة في المخيال الجمعي، ومتأصلة داخل الوجدان الاجتماعي، الذي يعد منطلقًا لتصرفات المجتمع.
الانتقال من المستوى التجريدي للانشغالات الوجدانية والفكرية للمجتمع، حول الحق في الصحة، إلى المستوى العملي الواقعي تجسد عبر الممارسات البشرية لمهنة الطب والمهن التي تدور حول الاستشفاء بصفة عامة، فكانت بداياته عبر الطقوس الدينية والشعوذة، ثم عرفت تطورًا بعد استخدام الأعشاب الطبية إلى غاية حصول الثورة المعرفية، التي نقلت الطب إلى مستويات متطورة، ووصلنا إلى مفهوم المستشفى الحديث، الذي أصبح يجمع العديد من التخصصات الطبية، ويقدم الكثير من خدمات العلاج والاستشفاء، هذه التجربة الإنسانية حولت مهنة الطب من مجرد مهنة حرة إلى منظومة مترابطة متشابكة، تضم العديد من الفاعلين والمتدخلين في حركة ديناميكية متواصلة، لضمان الخدمة الصحية، وبالجودة اللازمة لإرضاء المواطن.
الانتقال من فكرة المهنة الحرة للاستشفاء إلى فكرة التنظيم، دفع بالقائمين على المنظومة الصحية إلى ضرورة تكوين إطارات في التنظيم والإدارة يحملون صفات خاصة، قادرين على الإلمام بفكرة الترابط والتشابك والتفاعل بين مختلف الأنظمة الفرعية، التي تشكل النظام الكلي «المستشفى» والتحكم بها، إن فكرة الانتقال هذه هي ما سمح بظهور تخصص التسيير الاستشفائي وشيوعه عبر مختلف دول العالم، وصار يحتل مكانة مهمة في الجامعات، وأنشئت من أجله مدارس خاصة تهتم بتلقينه للطلبة «تجربة المدرسة الوطنية للمناجمنت وإدارة الصحة نموذجًا».
بعد أن أصبح دور خريج المدرسة أساسيًّا في المستشفى رفقة بقية الإطارات المسيرة، عرف مع مرور الوقت حملات إساءة وتهجم وضغوطات مبررة وغير مبررة في كثير من الأحيان؛ نتيجة لعدة عوامل لا يمكن حصرها، لكن المتتبع لنشاط مسيري الصحة يجد أنهم يتحملون في كثير من الأحيان النتائج السلبية لمنظومة تشريعية وإدارية تتجاوز صلاحياتهم، ولم يكونوا طرفًا في بنائها لتغييبهم الدائم في عملية إعداد التصورات الكبرى للمنظمة الصحية، وهذا التغييب يرجع أساسًا إلى غياب هيكل أو تنظيم يجمع كلمتهم، ويضفي القوة إلى اقتراحهم، بل إضافة إلى تغييبهم وصل الأمر اليوم إلى استباحة بيضتهم، وهتك جانبهم، والاعتداء عليهم، وأمام كل هذا لا نسمع لهم همسًا ولا حسًّا، فرغم أن الشعور بالظلم شعور يتشاركه جل الإطارات، ولكنه يبقى مستترًا مكبوتًا، وربما يعبر أحدهم فلا يتجاوز تعبيره منشورًا فيسبوكيًّا، وخير دليل على ذلك ما حدث مع مدير مستشفى الخروب الذي يعد من الإطارات الشابة، والذي أراد أن يقدم الإضافة على مستوى مؤسسته؛ فكان أن أيقظ بذلك تحالف القوى غير المهنية «على وزن القوى غير الدستورية» من فساده، وحاول أن يقطع دابر الموظفين المتهربين، فكان جزاؤه أن تحالفت في وجهه القوى غير المهنية تحت حجة اطردوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، فكانت تهمته العمل والنظام.
باسم العمل والصرامة أصبح المسير الاستشفائي عرضة للطرد والاعتداء، وأمام مسمع ومرأى مدير الصحة ووالي الولاية، الذين لم يفعلوا شيئًا لإنصاف الرجل، والأدهى والأمر من كل هذا، هو تخاذل نظرائه من زملائه عن نصرته، ولو رمزيًّا على الأقل، هذا الضعف الذي يعيشه المسير الاستشفائي يرجع أساسًا لغياب تنظيم يجمع كلمته ويعبر عن موقفه من القضايا التي تهمه، ويقدم عبره اقتراحاته، ويرفع به الغبن الذي يعشيه، ويقدم به مطالبه، خاصة مطالبه الاجتماعية.
فكرة الاجتماع والوحدة تحت لواء تنظيم نقابي ضرورية ضرورة شرب الماء لمواجهة العطش؛ لذلك لا تحتاج للتبرير والمحاججة، بل صار لزامًا على جميع المسيرين الاستشفائيين وخريجي المدرسة الوطنية للمناجمنت وإدارة الصحة الاجتماع على هذه الفكرة، خاصة في ظل تحرير الحراك الشعبي لمؤسسات الدولة، وهو ما يعطي ضمانة كبيرة لنجاح إنشاء تنظيم نقابي حر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد