لم تسفر الأزمة السورية عن الموت والدمار والنزوح فحسب، بل أماطت اللثام عن جوانب إيجابية لم تكن متوقعة من قبل، منها جوانب توحي بعظمة الشعب السوري ومدى حبه لعمله وإتقانه له.

حركة النزوح السوري إلى العديد من أصقاع الأرض، شرقها وغربها، لم تكن كشبيهاتها وسابقاتها من حركات النزوح في أعقاب الأزمات، ولكنها أتت لتثبت أن للشعوب عزيمة تحيا بها أينما كانوا، ومهما حدث في بلدانهم.

يعتبر الشام منذ فجر التاريخ، موطن التجارة والأسواق، ومحط رحال تجار الأرض قاطبة، وهو الشيء الذي ورّثه الأجداد للأحفاد، جيلًا فجيل.

مدينة السادس من أكتوبر، الموجودة في محافظة الجيزة المصرية، تمثل نموذجًا معياريًا يوحي بالإبداع السوري في المجالات المختلفة، فهي المدينة التي شهدت توجه أعداد كبيرة من النازحين السوريين إلى مصر، نظرًا لهدوئها النسبي، ووجود فرص عمل فيها – بشكل نسبي – تحديدًا في القطاعات الاستهلاكية، لأنها مدينة يتسم ساكنوها بارتفاع الدخل – نسبيًا – كذلك فهي مدينة تشتمل على عدد من الجامعات الخاصة، التي تعزز الوجود الشبابي الذي يعتبر هدفًا وبيئة خصبة لكافة المشاريع الاستثمارية.

المطاعم السورية

في أعقاب اندلاع الثورة السورية في 2011، واشتداد وطيسها بشكل كبير على مدار العامين التاليين 2012 و 2013، شهدت المدينة حركة نزوح سورية ملحوظة ضمن العديد من البقاع المصرية، لكن سوريي «السادس من أكتوبر» اتسموا بارتفاع الحالة الاقتصادية عن قرنائهم في باقي المدن المصرية، ما عزز من قدرتهم على المنافسة في الأسواق، مع امتلاكهم لكل المقومات المؤهلة للتفوق.

كان القطاع الأبرز الذي انطلقت فيه أنامل السوريين، المأكولات، وتحديدًا المأكولات السورية، التي شهدت انطلاقة صاروخية في «السادس من أكتوبر» وخصيصًا في منطقة «الحصري» التي تمثل لب المدينة وقلبها النابض.

أخذ الوجود السوري يزداد تدريجيًا عبر مطاعم «الشاورما» التي يشتهر السوريون بعملها، على الرغم من أنها أكلة شعبية مصرية أيضًا، لكن اللمسة السورية حملت المذاق لآفاق أخرى، جعلت الناس يقصدون المطاعم السورية في «السادس من أكتوبر» أفواجًا.

أبرز تلك المطاعم – مثالًا لا حصرًا – روستو، المطعم الذي سرعان ما شهد إقبالًا كثيفًا فور افتتاحه، ليتوسع مفتتحًا 4 محلات أخرى في نفس الشارع فحسب، قبل أن ينتقل إلى محافظات أخرى تمامًا، مثل القاهرة، وتحديدًا في حي المقطم الشعبي، وكذلك مدينة المحلة الكبرى، المدينة الثانية في محافظة الغربية، إحدى محافظات دلتا النيل المصرية.

مطعم سوري آخر يتألق في منطقة «الحصري» بمدينة السادس من أكتوبر، وهو مطعم «أطيب شامي»، الذي يتقن صناعة جميع الوجبات السورية المعتمدة على تشكيل «الدجاج» وطريقة طهيه وتسويته، ثم يوفر فرصة لشرب العصائر المصرية الشعبية «القصب – السوبيا – التمر الهندي» بعد الأكل، ولكن بنكهة سورية خالصة، إذ يعتمد السوريون على عدم خلط العصير بأي مكسبات، ما يوفر طعمًا طبيعيًا لكل تلك العصائر.

لكن مطعم «أبو عدنان الجناني» يشعر السوريين الساكنين في أكتوبر، وكذلك المصريين، بأنهم في قلب «دمشق» وتحديدًا في منطقة «باب مصلى» بالعاصمة السورية، إذ حرص على عدم تغيير لافتته الموجودة في دمشق، كما حرص على كتابة عنوانه الأصلي على اللافتة، كما لو كان الأصل في دمشق، وأحد فروعه في مصر.

«أبو عدنان الجناني» يتميز بشكل أكبر بإعداد وجبات الفطور والعشاء، وفي شهر رمضان، لا تجد موطئ قدم على مناضد المطعم من فرط الزحام، على الرغم من ترحيب جميع العاملين بالوجه السوري الرحب، ولكن جودة الطعام تجعل حصولك على مقعد مريح قبل أذان الفجر بأربع ساعات أمرًا بالغ الصعوبة.

سوف يحملك المطعم إلى عالم «اللَبنة» و«المسبّحة» وغير ذلك من المأكولات السورية الخفيفة، ثم تذهب إلى العصارة الموجودة ضمنه، لتتناول عصيرك «المثلج»، بمذاقات التوت والمانجو والبرتقال والليمون.

شارع السوريين

التواجد السوري تبلور بشكل كبير فيما يعرف بـ «شارع السوريين» المتفرع من أحد شوارع «الحصري»، والمشتمل على مجموعة من المطاعم والمقاهي والمتاجر السورية، تتقدمه لافتة كتب عليها «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، حاملة عبارات الشكر والعرفان للشعب المصري لاستقباله السوريين بالود والترحاب.

أمانة وإتقان

لا يقتصر التواجد السوري على المأكولات فحسب، وإنما تعززه باقي «الصنعات»، إذ يمثل الإتقان السوري، والإلمام بمعظم الصناعات، وجودة العمل اليدوي، عوامل ساهمت في تعزيز الوجود السوري على كافة الأصعدة.

ففي مجال غسل السيارات على سبيل المثال، انتشرت ما يعرف بـ «المغاسل السورية» داخل الأحياء بمدينة السادس من أكتوبر، معتمدة على رخص الأسعار، وإتقان العمل، والتركيز على جانبي «الانتشار والجودة»، مما أدى إلى اقتحامهم ذلك المجال بقوة كبيرة وانتشار المغاسل على مستوى جميع مناطق المدينة.

كذلك، فقد تميز السوريون على مستوى منافذ بيع الجوالات، والصيانة التقنية لأجهزة اللابتوب، والأجهزة اللوحية، استنادًا إلى الجودة والأمانة التي تجمع المدينة كلها على تميز السوريين بها.

إمبراطورية اقتصادية واجتماعية وبشرية سورية، تلك الموجودة في منطقة «الحصري» بمدينة السادس من أكتوبر، تكرس أن الصدق والأمانة والإتقان أساس كل نجاح، وأن الإرادة البشرية قادرة على صنع المعجزات، في أي زمان ومكان، ووسط أي أزمات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد