يجلس محمود على جهازه اللوحي يطالع صور طفولته وملامح وجه والده المبتسم محتضنًا محمودًا وأخاه الأصغر. لقد التطقت الصورة منذ عامين تقريبًا حينما كان محمود في رحلة بحرية قصيرة يصحبهم فيها والدهم لصيد الأسماك يتذكر محمود جيدًا تلك الليلة الصيفية الهادئة التي يداعب فيها نسيم البحر قاربهم فيتهادى برفق وفي جنبات القارب الصغير يأخذ كل منهم مكانه ويمسك صنارته بيديه وينزلها إلى الماء بعد أن يكون قد علق فيها ما تشتهيه الأسماك من طعام ليكون وجبة العشاء الأخير قبل أن تخترق الخطاطيف الحادة فمها وتسلمها إلى يد الصياد الماهر الصغير.

ينطلق صارخًا فرحًا منتشيًا من جميل المفاجأة المتوقعة ومن فرحة الفوز بالصيد الثمين ينطلق محمود قافزًا متهللًا فرحًا يكاد يعدو فوق الماء من شدة الفرح، يتكرر المشهد الجميل وينسى الجميع الوقت فتمر الليلة سريعة جميلة باسمه ويعود ثلاثتهم وقد غلفهم التعب الذي لا يكادون يشعرون به من فيض استمتاعهم بمغامراتهم الجميلة ومن فرحة أبيهم بصحبتهم المحببة إلى قلبه.

يقطع سكون المكان صوت جدته الحاد فينبهه أنه في مكان آخر غير ذلك المكان الجميل الذي استغرقه وأنساه ما حوله، إنه بعيد بعد عامين عن أبيه الحبيب يفصل بينهما مسافة زمن الذكريات الجميلة ومسافة البلدان البعيدة. ينطلق من مكانه مفزوعًا كفزع المسافر القادم عبر آلة الزمن. يقف أمام جدته التي تتمتم بعدة كلمات لا يسمعها جيدًا وتقبض على يده الصغيرة وتودع فيهما ورقة صغيرة وبضعة جنيهات وتعيد غلق يده عليها وتضغط أيضًا تأكيدًا على أهمية الموقف.

ينطلق محمود إلى محل البقال القريب شارد العينين مشغول القلب لا يكاد يسمع صوت الحارة الصاخب ولا يكاد يرى الزحام الذي يختفي فيه. ينتبه وقد اصطدم بأحد المارة فتؤلمه شدة الصدمة وتعيده إلى عالم الناس من حوله. متى آخر مرة التقى محمود بأبيه المسافر بعيدًا كل ما يعرفه أن الأب والأم يعيشان بعيدًا في المدينة ذاتها ولكن لا يعيشان سويًا، كان يعيش معهما ثم أصبح يعيش مع أمه ويرى أباه على فترات متقاربة حتى وصل إلى تلك المدينة البعيدة. الآن لا يرى أباه أبدًا ويرى أمه على فترات متباعدة.

يتذكر أن والده هاتفه مرة أو مرتين ولكن تواصلهما لم يستمر لم تسمح له أمه أن يشتري رقمًا خلويًا بعدة جنيهات كما أنها منعت وجود أي وسيلة اتصال بالمنزل إلا جوال الجدة العتيق الذي تتعامل معه بحرص شديد ولا تسمح لأحد بأن يلمسه أبدًا. منذ احتجز في هذا البيت يمنع عنه التواصل مع والده ولو هاتفيًا.

تفرض عليه جدته يوميًا دروسًا إجبارية توعوية عن مساوئ أبيه الذي انفصل عن أمه وتزوج من أخرى تختلق بغير عناء كثير علاقات ونظريات وفرضيات وقواعد علمية وغير علمية تبرهن من خلالها على أن ذلك الانفصال هو دليل قاطع على أن الأب لا يريد الأم ولا يريد محمودًا إنه لا يحبه لو كان يحبه ما فعل ذلك، إنه حتمًا أب شرير وقاس وعنيد و… و… و.

سنتان كاملتان من تلك الأسطوانة المكررة المعادة التي تحفظها الجدة عن ظهر قلب وتكررها طوال العام وبالتحديد طوال الشهور العشرة التي يقضيها محمود وأخوه معها، أما الشهران المتبقيان فتقوم الأم بنفس الدور بدلًا من الجدة حيث تقضي إجازتها السنوية في بيت الأم وتقوم بدورها في تربية أبنائها وتوعيتهم بخط أبيهم.

محمود هو ذلك الطفل المتكرر هو أحد «الأطفال الرهائن» الذين يتم احتجازهم كضحايا لحالات «الصراعات الأسرية» أو من توابع حالات الطلاق أو حالات رفض الأم لزاوج الأب من امرأة أخرى. الخاطف هنا هو أحد الأبوين أو هو الأم التي قيدت حرية الأطفال ومنعتهم من التواصل أو اللقاء مع الأب الذي استنفد كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بلا جدوى. لقد قامت الأم نكاية فيه بالتخلص من الأطفال واحتجازهم لدى الجدة في بلد آخر حتى لا يتمكن الأب من رؤيتهم أو لقائهم أو حتى مشاهدتهم من بعيد.

الرهينة هو ذلك الشخص الذي يتم احتجازه سجينًا بقصد الإجبار على الإيفاء باتفاق أو طلب، وقد تقتل الرهينة، إذا لم ينفذ هذا الاتفاق أو الطلب كأن يحتجز خاطفو طائرة ما ركاب الطائرة رهائن ليحصلوا على فدية أو يطلبوا إجراء محددًا. (ويكيبيديا)

لقد استخدم الأبناء هنا كرهائن للضغط على الأب لينفذ ما يطلب منه صاغرًا منكسرًا وليرضى بكل ما يطلبه الخاطفون من فدية ومن شروط وأقلها أن يأتي منكسرًا صاغرًا راكعًا تحت قدم الخاطفين.

ولعجب المأساة يكون الخاطف هم الآباء والأمهات والمختطفون هم الأبناء. والحقيقة أنه لا يوجد لدي فرق بين جرم هؤلاء الأزواج الخاطفين وبين غيرهم من المجرمين والجناة والخارجين عن القانون.

فالأم الخاطفة هي أكثر جرمًا ودناءة وخسة وهي تخوض غمار حرب لا أخلاقية وتعامل أبناءها معاملة الرهائن المحتجزين والمقيدين وتستخدمهم سلاحًا لا أخلاقيًا في حرب لا ذنب لهم بها ولم تقترف أيديهم الصغيرة جناية فيعاقبون عليها هذا العقاب الأليم اللاإنساني.

إن حرمان أحد الأبوين من رؤية أبنائه والعيش معهم ولقائهم هو تدمير لأرواح هؤلاء الأطفال وإدماء لقلوبهم الغضة وعقولهم المتفتحة، إنه تشويه للعواطف والقيم الإنسانية لدى الأطفال يشبه تمامًا ذلك التشويه الذي يحدثه تعذيب الرهائن لدى المجرمين والخاطفين. إن أمًا أو جدة أو أبًا أو خالًا أو عمًّا يصوغ هذا الاحتجاز ويساهم فيه ويشجع عليه ويبرره ويسانده لهو مجرم النفس مدان الطباع قاتل لأرواح الطفولة وأحلام البراءة.

ثم كيف يصمت مجتمع ويقبل هذا الظلم الإنساني وهذا الألم العميق؟

إن الآباء والأمهات الذين ينظرون إلى أولادهم نظرة مادية فقط ويقدرون احتياجاتهم على أنها حاجة للطعام والشراب والملابس والرحلات والأجهزة الذكية هم ذاتهم الذين ينظرون لمعيار نجاحهم في تربية أبنائهم بمنحهم أغلى الملابس وأفخم الهدايا وأجود الأطعمة مع وضعهم في مكان أو حبسهم في أي قفص وهم بذلك يخرجونهم من دائرة الإنسان إلى دائرة أخرى تنبئ عن عظم جرمهم وسوء فعلهم.

إن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب وحرية الأرواح وراحة الأنفس واتقاد العقل ونبض القلب بالحب والخير، إنها حياة «الإنسان الإنسان» مع من يحب ومع من يحبونه. وإن الموت هو موت القلوب والمشاعر والأرواح وإن ظل صاحبها يرفل في النعيم الظاهري.

إن الأبناء لن يغفروا أبدًا لمن اختطفهم في قفص من ذهب وحرمهم ممن يحبون. إن كل هدايا الأرض وكل الماركات العالمية لا تساوي لمسة حانية من قلب حان وحب حقيقي من روح محبة.

إن هناك حاجة تشريعية وقانونية ماسة لتجريم حرمان أحد الزوجين الآخر من رؤية الأبناء وقضاء وقت معهم وأن يلزم الحاضن بتيسير هذا الالتقاء وانتظامه. وهناك حاجة إنسانية وأخلاقية وقانونية إلى منع تشويه أحد الأبوين لصورة الآخر النفسية لدى الأبناء حفاظًا على سلامة نموهم السلوكي والنفسي.

أيها الخاطفون الرحماء وبعض الخاطفين رحماء، ارفعوا أيديكم عن أحلام الطفولة البريئة التي لا تعرف حقدًا ولا كرهًا ولا صراعًا، وإذا كانت عربة الزواج قد تعثرت وتوقفت فإن الأبناء ونجاحهم وسلامة تكوينهم هو خير معوض وأفضل عزاء فلا تجعلوا المصيبة مصيبتين والكارثة كارثتين. وإن بقاء الأبناء كحمامة وادعة بريئة للسلام خير وأفضل وأبقى من أن يتم استنفاد براءتهم وحرقها كوقود في معارك الكبار.

أيها الخاطفون الرحماء وبعض الخاطفين رحماء أحيوا أرواح أبنائكم وأنقذوا مشاعرهم وأحلامهم عسى أن تنالوا خيرًا. وحسبكم قول الله تبارك وتعالى:

أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ)   سورة المائدة الآية33

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد