توقفنا في المقال السابق عند عام الحسم الذي اندثر، نتيجة ظروف كثيرة، أبرزها التوازنات الدولية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك قيام الحرب بين الهند وباكستان، وعدم وفاء السوفييت بالاحتياجات العسكرية المصرية.

قرار 8 يوليو

بعد انتهاء اجتماع القوى العظمى في موسكو(نيكسون- بريجنيف)، أدرك السادات خطورة المهمة، رأى أن الوفاق قد يستمر إلى 20-30 عامًا، وأن الاتحاد السوفيتي دخل في حالة استرخاء عسكري، وهو ما يهدد قضيته، انتبه السادات أن السوفييت في حاجة إلى صدمة كهربية توقظهم من سباتهم العميق وتدفعهم نحو مزيد من الجدية في علاقاتهم بالدولة المصرية، كان هذا القرار (طرد الخبراء السوفييت من الجيش المصري).

للمفارقة طلب السفير السوفيتي مقابلة السادات في هذا اليوم، وافق الرئيس، فكل من الطرفين معه رسالة، لكن من يذوب الجليد بين موسكو والقاهرة أولا؟ أخذ السوفييت زمام المبادرة، تحدثوا في رسالتهم عن ضرورة الجنوح للسلم أو بمعنى آخر للذل، استمروا في إهانتهم لمصر وجيشها، بأنه غير قادر على الحرب، (إن الموقف أخطر وأفظع مما نتصوره في مصر)، انتهت الرسالة السوفيتية بما معناه (يبقى الوضع علي ما هو عليه).

سأل السادات السفير السوفيتي، هل انتهيت من رسالتك؟ أجابه نعم، استلم الرئيس الدفة لاتخاذ مسار معاكس للمرة الأولى، طلب منه أن يكتب رسالته، واستمر لمدة ساعة، يقرأ تاريخ مصر والاتحاد السوفيتي، ثم جاءت القرارات بطرد أو إنهاء عمل الخبراء السوفييت في الجيش المصري، سكن السفير سكونا تاما (كأن على رأسه الطير)، لم يستفق حتى بادره السادات، بأخذ الأسلحة خاصتهم إلى موسكو مع جزيل العرفان، وأيضا الردارات البالية من الحرب العالمية الثانية، أكد له أن القرار مصري خالص، ولا تراجع عنه.

اتصل السفير بموسكو، أبلغهم بالقرار، تحول الجليد السوفييتي إلى ماء يغلي، يغلي على وجودهم ونفوذهم الذي أصبح على المحك في الشرق الأوسط.

كارثة وزير الحربية

بعد القرار، اجتمع السادات مع رئيس الوزراء ورئيس المخابرات ووزيري الخارجية والداخلية، اتفق الجميع علي أن العلاقات مع السوفييت، إما أن تكون أبيض أو أسود، شذ عن هذا الإجماع وزير الخارجية (مراد غالب)، الذي ارتبك بشدة، وفسر السادات هذا الارتباك، بسبب ميول (غالب) الشيوعية، تم الإطاحة به من منصبة.

تبعات قرار 8 يوليو لم تتوقف، تمت إقالة وزير الحربية (محمد صادق)، وهناك روايتان للأمانة يجب عرضهما.

رواية السادات: أقال السادات وزير حربيته لأسباب متعددة ذكرها، منها 1- تدخله في القرارات السياسية والتي حذره منها السادات كقرار طرد السوفييت، 2- فقده للانضباط والقدرة العسكرية: حيث أن السادات طلب منه في اجتماع مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إعداد القوات المسلحة للحرب، تلى هذا الاجتماع آخر فاجأ (رئيس هيئة الإمداد والتموين) السادات بسؤال هل نحن على وشك حرب؟ لك أن تعلم شعور السادات وقتها، كيف ستدخل القوات الحرب بدون الهيئة المسؤولة عن تأمين حياتهم؟

وعندما أخبر السادات (صادق)، لماذا لم يبلغ فروع القوات المسلحة بالتجهيز للحرب؟ أخبره بأنه أراد الحفاظ على سرية القرار، وتأكد ظن السادات عندما طلب منه إعداد خطة للحرب، فلم يستطع وطلب من الرئيس التراجع عن قرار طرد السوفييت مرة أخرى، لأن قوة الجيش ستنكسر.

الرواية الثانية: أوردها (الشاذلي) رئيس الأركان في مذكراته، وهو رغبة السادات في أن يكون الرجل الأول، والحاكم المطلق، وخاف من نفوذ وزير حربيته، حيث كان يجزل العطايا لرجاله.

سبب آخر لإقالة صادق: (واقعة عيد) تتلخص في ضابط بالجيش تحرك بقوات من 11 دبابة، أوقفت الشرطة العسكرية عند مدخل القاهرة، 4 دبابات ولم تستطع إيقاف الباقين، وجابوا شوارع القاهرة، متحدثا إليهم في جهاز اللاسلكي (الضابط عيد)، مرددا بعض الشعارات الدينية، توقفت 3 دبابات من السبعة ورفضت أوامره، اتجه إلى مسجد الحسين، ليصلي بالدبابات، بعد فشل محاولته للقيام بانقلاب، ألقي القبض عليه، وتم استجوابه بواسطة وزير الحربية، أخبرهم أنه في مشروع تدريب، وبعد انتهائه توجه ليصلي في الحسين، لكن ليس معه من الأوراق ما يثبت ذلك، ولعل هذا يثبت جزءًا من حديث السادات عن عجز (صادق) العسكري وعدم قدرته على السيطرة والتوجيه.

السوفييت والتردد

الروس عند السادات مختلفون، فلهم طبيعة خلقهم الله بها، وطبيعة أخري وهي الشك.

بعد قرار طرد الخبراء السوفييت، توصل السادات معهم، للخروج بصيغة مناسبة للقرار، وتم الاتفاق على صيغة (إنهاء عمل الأطقم السوفيتية في مصر) وهو ما أكدت عليه الصحف السوفيتية، أيقن السوفييت أن القرار أمريكي خالص، بالرغم من زيارة وزير الحربية (أحمد إسماعيل) إلى موسكو، خصوصًا بعد لقاء (حافظ إسماعيل) مستشار الرئيس مع (كيسنجر وزير خارجية أمريكا لخمس رؤساء)، على الرغم من تبليغ الروس ما جاء في الاجتماع، قال كيسنجر لحافظ (أنتم مهزومون، فلا تطلبوا ما يطلبه المنتصر، غيروا واقعكم، أو اقبلوا بالشروط).

تم استئناف العلاقات بين مصر والسوفييت، توسط بين الطرفين (حافظ الأسد)، وافق السوفيت على إرسال بعض الأسلحة، وليس كل ما طلبناه، تم تنسيق مقابلة بين (السادات وبريجنيف)، أخبره أن سبب تدخلهم في فيتنام ورضوخ أمريكا لقرارتهم هو تحريك الموقف عسكريا، صدق الرئيس السوفيتي على كلامه، سألهم عن موقفهم إذا تم تحريك الموقف عسكريا.

الإجابة تترك للمقال الآخر لأنها قد لا تأتي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

من أوراق السادات
مذاكرات الشاذلي
مذكرات الجمسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد