هذه شهادتي لله، أقولها في قوم ظلمت على أيديهم وأذاقوني ذلة العجز وقهر الرجال، لكن المروءة تقتضي أن أشهد بما يمليه عليّ ضميري في وقت تكالب على جهاز الاستخبارات السوداني العدو والصديق والموتور والمجامل والمتحامل.

في الخامس من نوفمبر 2017، دق جرس منزلي بمنطقة الشرقي بالخرطوم فتحت الباب لأجد أربعة أفراد بزي مدني يسألونني: أنت محمد المصري؟ وأجبت: نعم، فقالوا: نحن من شئون الأجانب ونريد أن نحقق معك، ساعات وستعود إلى أولادك. فهمت بالطبع أنه اعتقال، فودّعت الأهل وأخبرت أخي وصديقي وأوصيته بأولادي وذهبت معهم.

معاملة جيدة لم يُعتد عليّ أحد بالسب أو الضرب أو الإهانة، أجلسوني في كابينة السيارة مغمض العينين حتى وصلنا إلى مكان يطلق عليه الأجانب مصطلح «الفندق»، بينما يسميه السودانيون بـ«الثلاجة»، وهو كان معتقلًا بالطبع، ولكن الاختلاف أن العذاب هناك بالتعمية، فلا تعرف تهمتك ولا تاريخ يومك أو الساعة أو أي شيء عما يدور بالعالم الخارجي، جثة في قبر تنتظر القيامة.

وصلنا إلى «الفندق»، لم يتم التحقيق معي، أخذوا متعلقاتي وسجلوها في استمارة بالإضافة لبياناتي الشخصية، وأودعت الأمانات، ثم اصطحبني أحد الأمناء إلى الدور الثالث.

مررت على الزنازين وأنا في طريقي لقبري المؤقت، فسالت من عيني دمعة إشفاق لحال هؤلاء الذين لا يشعر بهم أحد، مسحتها دمعة تأنيب على التقصير بحقهم، ولم أكن أعلم أني سأسح دموعًا أكثر على حالي ومحنتي.

لم تكن مساحة الزنزانة أكبر من 3 أمتار طولًا ومترين عرضًا، وثلث هذه المسافة كان عبارة عن دورة مياه بنصف باب بلا إضاءة، بينما كانت الغرفة شديدة الإضاءة لدرجة التعمية، وبابها من الحديد المصمت، سمكه أكثر من 30 سم، به فتحة لا يتجاوز طولها 25 سم، وعرضها 10 سم، بالكاد تستطيع إدخال طبق الطعام منها وسماع صوت السجان.

لم أكن أعلم أنني سأقضي في هذه الحفرة 90 يومًا، تعلمت فيهم أن اليوم به 24 ساعة صحيحة والساعة بها 60 دقيقة كاملة والدقيقة بها 60 ثانية، والثانية ينقبض فيها صدرك أكثر من ثلاث مرات.

وجدت أول ما دخلت الزنزانة الصغيرة سوريًّا فقد عقله، أو هكذا يتظاهر، وأنجوليًّا لا يجيد العربية، وإثيوبيًّا يتحدث لغة الروتانا.

بالطبع لم يفهم أحد منا الآخر، فضلًا عن نظرات الريبة المتبادلة، إذ كان السوري شيعيًا، وكان الأنجولي حديث عهد بالإسلام، وكان الإثيوبي من تجار البشر، وكنت مصريًّا ذا لحية كثة.

علمت فيما بعد أن هذا التنوع من سياسات المعتقل لئلا تتكون عصابات تتلاقى بعد قضاء فترة الاحتجاز مكونة مافيات دولية أكثر خطورة وإجرامًا، إلا أن قضاء هذه الليالي الطوال في مثل هذه الظروف كان أكثر قسوة وربما خلق نفسًا إجرامية أكثر خطورة من كل هذه المافيات.

أربعة أيام مذ دخلت هذه الغرفة، لم يلتفت إلي أحد، ولم أسمع اسمي على شفاه أحد، فقط أضافوا 5 أرغفة خبز على تعيين الغرفة، ونصف كوب شاي في الصباح، وزيادة طفيفة في مغرفة التعيين اليومي كنت أتركها معظم الوقت.

بدأ التحقيق معي في اليوم الرابع، حين جاء أحدهم وناداني باسمي وقال تحقيق، كان اليوم الأول الذي تمتد فيه قدماي الطويلتان بقطر المتر والنصف متر في الهواء، نزلت إلى غرف التحقق حيث ضابط شاب ومعه كاتب، أجلسني على الكرسي وقلّب في هاتفي، وعاملني باحترام جم. سألني عن أسئلة أجبت عن بعضها، وأعرضت عن بعض، فقط قال لي كلما أعرضت أكثر استضفناك أكثر، ثم انصرف ليجيء بعدها بثلاثة أيام مكررًا نفس السيناريو، ثم جاء بعدها بيومين، ليغيب بعدها أكثر من 25 يومًا لم تطأ قدمي خارج الغرفة، ولا عرفت بمجرى التحقيق، ولا كم المدة التي سأمضيها، ولا تهمتي التي اعتقلت بسببها. لا شيء في هذا المكان يشعرك بالآدمية، لكنه أقل إهانة من السجون المصرية، ولربما أقول إنه لا وجه للمقارنة.

جلست أول 20 يومًا بملابسي التي اعتقلت فيها، لم أتسلم سوى فرشاة أسنان ومعجون مشترك. لم يطمئنني سوى وصول زيارة مكتوب عليها اسم الأهل بعد 21 يومًا من الاحتجاز وبها ملابس وبعض الأطعمة، تكررت هذه الزيارة ثلاث مرات علمت بعدها أنه يسمح بمثل هذه الزيارة كل 15 يومًا للأقارب من الدرجة الأولى. أعرف شبابًا ظل 7 أشهر بملابسه التي اعتقل بها، لعدم وجود أحد من أقاربه هناك.

في اليوم الخامس والأربعين سمح لي بزيارة حقيقية، انتقلت من الفندق إلى سجن كوبر لتنفيذ الزيارة، ورأيت الصدمة في عين زوجتي حين رأتني وقد تغيرت ملامحي، بنتي الصغيرة لم تعرفني بعد، لفقداني قرابة 20 كيلو من وزني، آلمني كثيرًا خوفها واحتماؤها بجلباب أمها من حنان أبيها، فضلًا عن كون الزيارة خمس دقائق إلا أنها كانت فارقة من الناحية النفسية، فقد أهلتني هذه الزيارة للصمود شهرًا كاملًا حتى موعد الزيارة التي تليها.

تزامن وجودي في الفندق مع دعوات  أعقبها موجة اعتقالات ملأت الفندق بالشيوعيين واليساريين وشباب الجامعات، كانت المعاملة واحدة، ربما كانوا أكثر قسوة معهم لكني لم أرهم يعذبون أحدًا أو يجلدون أحدًا أو يقتلون أحدًا، فقط يأتي الفرد، ثم يدخل الزنزانة، فيسلموه فرشة الأسنان المقدسة والمعجون المشترك، مع إضافة 5 أرغفة وكميات التعيين.

ظل هذا الأمر حتى يوم الرابع من فبراير، حين ناداني أحدهم أن جهّز شنطتك، فقد دقت ساعة الخلاص.

شعرت ساعتها أن ثمة حياة جديدة أرادها الله لي لأتنفس نسيم رضا لا زلت أشم شذاه في أنفي، وعاهدت نفسي أن تكون قضية المعتقلين المصريين خاصة، والمظلومين عامة، شغلي الشاغل، إذ كان هذا الاعتقال هين المقام قصير المدة مضمون العاقبة وآلمني كل هذا الألم، فكيف بمن غيبتهم السجون لسنين، مات فيها الأقران وضعفت الأبدان وخارت العزائم وكثرت الهزائم، حتى لأني أسمع صوت مناديهم يرن في أذني كل ليلة «متى نصر الله؟»، وإن الله قد وعدنا فقال: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، فأبشروا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد