إن شيوخ حوران لم يكونوا على المطلق ضد الدولة العثمانية أو على المطلق مع الدولة العثمانية، بل كانوا يسوسون الأمور ويقرأون الأحداث بشكل جيد، وكانوا على قدر جيد من الحنكة السياسية، وسنحاول هنا قراءة الواقع الحوراني في أواخى العهد العثمانية وتبيان علاقة شيوخ حوران بالدولة العثمانية، ولذلك سنتطرق للنقاط الثلاث الرئيسة التالية:

1-هل كان شيوخ حوران مع الدولة العثمانية أم ضدها

في قراءة جيدة للمعطيات التاريخية في أواخر العهد العثماني، نجد أن شيوخ حوران كانوا مع الدولة العثمانية إلى أكبر قدر ممكن وقد أحب شيوخها السلطان عبد الحميد الثاني، ويظهر لنا هذا جليًا من خلال علاقة الدولة بشيوخ حوران وإعطائهم الأوسمة والنياشين، كما ربطت بعض الشيوخ علاقة وثيقة برأس السلطة، كالشيخ سعد الدين المقداد من بصرى الشام الذي كان له شأن ومكانة لدى السلطان عبد الحميد الثاني، وكإنضمام الشيخ فواز بركات الزعبي إلى الجمعية المحمدية التي دعت إلى عودة السلطان عبد الحميد الثاني للعرش، وغير ذلك من الأمثلة والأدلة، ولكن هذه الدولة حدثة فيها أمر جلل جعل مجريات الأحداث تتغير.

2-دوافع قيامهم على الدولة العثمانية

الدولة العثمانية بعد أن ظهرت جمعية الاتحاد والترقي لم تعد كالسابق وقد أثرت الجمعية في مفاصل الدولة وأنهكتها وحرفتها عن مسارها الصحيح ومع أن السلطان عبد الحميد – رحمه الله – حاربهم، إلا أن النهاية كانت لصالحهم، كما نجحت الجمعية في شق الصف بين شيوخ حوران والدولة وظهرت في تلك الحقبة التاريخية ما عُرف بسياسة التتريك.

سياسة تتريك وظلم وتعدي، فصحيح أن الكثير من الكتب ذكرت جور الدولة العثمانية في أواخر عهدها على حوران ومحاصيلها، ولكن الذاكرة الشعبية وما وصلنا من الأجداد هو أبلغ من أي كتاب، فقد سمعنا من أجدادنا نقلًا عن أجدادهم كيف كان العثمانيون يحتكرون محاصيل الفلاحين في حوران لأنفسهم وفرضوا الضرائب حتى أثقلت كاهل الفلاحين، وكيف كانوا يسوقون الشباب جورًا إلى ساحات القتال ويتركون فيها فلا يأتي منهم خبر، هل هم أحياء أم موتى؟ حتى تواتر لدينا أنها فترة من أصعب ما مر على حوران وأهلها.

وعند تشكيل مجلس المبعوثين العثماني ولو قمت بمراجعة مداخلات نائب حوران سعد الدين المقداد (1908 – 1912) ستجد أنه طالب، وأكثر من مرة بتحسين أوضاع حوران، كما وضح للعالم أجمع ما تعانيه حوران من نقص في التعليم وفي كوادر الأطباء وفي الخدمات، وحذّر من انسحاب النواب العرب في حال عدم سماعهم والاستجابة لمطالبهم..حيث قال في الجلسة المسائية لمجلس المبعوثين التي عقدت يوم 20 مارس (آذار) 1911:
إذا لم توقفوا هذه المظالم فسيكون لنا نحن النواب العرب مواقفنا، وأقلها الانسحاب من مجلس المبعوثين والعودة إلى بيوتنا فهذا أشرف لنا.

كان حجر العثرة في وجوه الاتحاديين، السلطان عبد الحميد وعند عزله سنة 1908، علم شيوخ حوران والعرب أن عصر الخلافة قد انتهى، وأن الاتحاديين بلغوا من القوة ما لا يكفيها المطالبة والإدانة وأن الحرب وحمل السلاح أصبح على الأبواب، في حال لم يعد السلطان إلى سدة الحكم، وبين عزل السلطان وانطلاق الثورة العربية الكبرى ومشاركة شيوخ حوران بالثورة قرابة 18 عامًا، وخلال هذه الأعوام عانت حوران وصبرت، إلا أن الأجواء العامة والحشد الشعبي كان يتجه نحو التمرد والعصيان.

3-ما بعد زوال الدولة العثمانية

لم تقم حوران وتشارك في الثورة لتكون تبعًا لاستعمار خارجي، سواء من بريطانيا أو فرنسا، وقد كانوا صادقين في خلق تجربتهم الخاصة، والسعي لحكم العرب أنفسهم تحت قيادة الهاشميين، فعقد المؤتمر السوري العام عام 1919، وأعلن المؤتمر استقلال سوريا الكبرى (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن) وحضر الاجتماع عن حوران نائبها في مجلس المبعوثين العثماني سعد الدين، والذي قال فيه: إن حوران تقدم لسموه ما يطلب (الكلام موجه للملك فيصل الأول).. وقد أصدرت الأكاديمية والمؤرخة الأمريكية إليزابيث طومسون كتاب بعنوان «كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب: المؤتمر العربي السوري لعام 1920»، والذي وضحت فيه اجتماع أبناء بلاد الشام التاريخي بجميع أيديولوجياتهم الليبراليين وقادة مسلمين محافظين ووضع مبادئ وأسس المملكة السورية بأفضل مما تصنع أوروبا، غير أن الغرب كان متخوفًا من نهضة العرب، لذلك قرر الأوروبيين تدمير التجربة العربية الوليدة في دمشق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد