(لو كان العالم كله دولة واحدة لكانت إسطنبول عاصمته). نابليون بونابرت

ها أنا أعيش في مدينة من المفترض أن تكون عاصمة للعالم وكادت أن تكون لولا وجود قوى أخرى تحرك مسار هذا العالم وتتحكم فيه، تجاوزت هذه المدينة حدود مساحاتها لتصبح بلدا مترامي الأطراف يفصل بين الغرب والشرق ويضم في داخله سائر الملل والجنسيات من الأكراد والتركمان والألبان والعرب والأفارقة والروس والقوقاز، ولا ننسى أن هذه المدينة يوما ما تربعت على عرش التاريخ وسطع اسمها بالإمبراطورية العثمانية غزت وانتصرت وخلفت وراءها مجدا تظهر معالمه اليوم في المساجد العريقة والقلاع الصامدة وشواهد القبور التي خلدت أسماء القادة والسلاطين.

أما اليوم فهي ساحة لتلك الأطياف المختلفة التي أتت للدراسة أو العمل أو لاستكشاف لغز المدينة، تضم معتقداتهم ولغاتهم وأعراقهم المختلفة، جمعيات إغاثة اللاجئين، أوقافًا للمحتاجين، برامج للتطوع، تظاهرات فنية وأخرى ثقافية، مكتبات هنا وهناك تغريك لتلج إليها وتسافر عبر الزمن، مواء القطط التي تجد طعامها جاهزا في الأزقة يضعه المارة فبالنسبة إليهم هي عادة لا تقل أهمية عن شرب الشاي بعد كل وجبة، ازدحام للسيارات يرافقه ازدحام الأحاسيس التي تهب عليك مع رياح البوسفور فتنسى هويتك، وترفع أشرعة السلام والحب في بلد ولدت من رحمه الصوفية وأضاء شمعتين إحداهما لجلال الدين الرومي والثانية لشمس الدين التبريزي.

لا تهدأ الحياة هنا حتى بعد الثانية صباحا، حيث يصبح التجول في هذا الوقت صعبا لأن المدينة تسدل الستار الآخر لها ليجد المتمردون حريتهم في ممارسة طقوس الشر، وهناك على حافة رصيف يطل على البحر صيادون حالمون يلقون صنانيرهم وفي آخر اليوم ربما يصطاد الواحد منهم سمكتين يطعم الأولى لزوجته والثانية لابنه، لكنه يعود في صباح اليوم التالي ويقف في نفس الموضع لا يهمه ما جاء به البحر من أسماك على قدر ما يحمل الصيد لقلبه من معان وغبطة.

وهناك في منطقة إيمينونو أو بشكتاش إن أردت العبور إلى الجانب الآسيوي لن تحتاج لتذكرة طائرة أو حقيبة سفر فقط عليك دفع ليرة ونصف وستجد نفسك فوق إحدى السفن العابرة للطرفين الآسيوي والأوروبي، في نهاية الأسبوع يزداد عدد المسافرين فتجد نفسك تتدافع مع العشرات من الناس وأحيانا حتى الكلاب ترافقك في الرحلة، ان أردت منظرا أكثر جاذبية تتسلق السلالم وتجلس في أعلى نقطة من السفينة حيث يفتح لك البحر ذراعيه فتنسى ما خلفت وراءك من مواعيد وضغوطات نفسية واقتصادية، وتستلقي على صدره ليروي لك الأساطير كأسطورة قلعة الفتاة القائمة وسط البحر والتي أبقت على جدرانها لغزا غامضا، تقول هذه الأسطورة أنه كان هناك سلطان يحب ابنته كثيرًا راوده حلم فحواه أنه في عيد ميلادها الـثامن عشر سوف تلدغها أفعى وتودي بحياتها، وما أن استيقظ قام بإبعاد ابنته عن اليابسة لحمايتها، حيث ردم جزءًا من مضيق البوسفور وشيد لها برجًا وسط المضيق لحمايتها من أي أفعى، وتلقت ابنة السلطان هدية عبارة عن سلة مليئة بالفاكهة، كان يختبئ فيها ثعبان تسلل إليها فلدغ الفتاة وقتلها ولشدة حزن والدها عليها تمت تسمية المكان «برج الفتاة»، كي يتذكر زوار البرج العبرة من هذه القصة بأنه لا مفر من قضاء الله، بقيت هذه القلعة مهجورة ثم استغلت كبرج للمراقبة بعد فتح القسطنطينية، والآن هي مزار سياحي لأولئك الذين يتملكهم الفضول.

يحرك يديه ببطء على رأسك ويواصل الحكاية، يلتقي مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل مع بحر مرمرة قاسمين بذلك تركيا إلى قسمين أوروبي وآسيوي، قال الكاتب أورهان باموك في كتابه إسطنبول مدينة الذكريات: «البوسفور روح إسطنبول ومنه تستمد القوة»، هناك تظهر قلعة روملي حصار هي القلعة التي بناها السلطان الغازي محمد الفاتح وكانت منطلق فتحه للقسطنطينية، وبنيت في أربعة أشهر وكأنها معجزة في البناء، بنيت هذه القلعة تمهيدًا لفتح القسطنطينية ولإحكام الحصار حولها، وتعد من أهم معالم مدينة إسطنبول التاريخية، وتتميز بأسوارها وأبراجها العالية.

وفجأة يصمت ليدعك تصارع دواخلك المهددة بالماديات وثورة الرأسمالية فتسمع صوت الأمواج وهي تعالجك بموسيقى التأمل وكأنك في معبد لرجال الدين في الهند أو تحت شجرة موز في جزيرة في بالي، وبمجرد أن تنتهي من جلسة التأمل هذه ينقر كفك طائر النورس لتلقي له بعض السميد «خبز دائري بالسمسم » تأكله طيور النورس بعد تناولها وجبة من السمك، تجلس قليلا لترتاح فتقع أعينك على الركاب أحدهم يعقد حاجبيه وكأنه في صراع مع الابتسامة والآخر يطلق قهقهات مزعجة، أما تلك السيدة الغجرية نزعت حذاءها وجلست على المقعد باسترخاء وبدأت بتناول بذور عباد الشمس لا تأبه بأحد تقلب في وجوه الركاب تتفحصهم الواحدة تلو الآخر وكأنها مالكة السفينة، وما أن تنزل سترحب بك بائعات الورود ليرغمنك على شراء ورودهن في هذا الجزء من المدينة ستنتظرك مغامرات أخرى.

بعد الوباء الذي حل بالأرض وزعزع أمن الحياة وطوق الحريات لم تسلم هذه المدينة منه، فأصبح إجبارا علينا أن نبقى في بيوتنا لسلامتنا وسلامة الجميع، لأن هذا الوباء مع الأسف خطير لدرجة أنه قد يودي بحياتك، لم نخرج من بيوتنا منذ شهرين تقريبا إلا للضرورة الملحة، أما أنا فوجدت ضالتي في شرفة البيت هربا من سجن البيت المحتوم، في كل مساء أجلس هناك أحمل كتابا لمحمود درويش كي أنعش نفسي ببعض الشعر أو رواية ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور وأنا في الحقيقة أريد السفر عبر الزمن وبالتحديد إلى فترة شمس الأندلس لألتقي موسى بن نصير وطارق بن زياد.

هدأت المدينة التي كانت بالأمس صاخبة كحفلات البوب والروك، لتصبح كمزار للدراويش والأولياء، أما الحي الذي أسكن فيه فلا تسمع فيه حركة إلا بعد قدوم بائع الخبز ينادي، «خبز ساخن طازج خبز ساخن طازج»، وأحيانا تخرج الجارة في العمارة المقابلة لتنشر الغسيل على طرفي النافذة، تلتقي بجارة أخرى فيتبادلان التحية من بعيد أو ينقلان نشرة الأخبار حرفا حرفا، يمر أحيانا بائعو الخضار أو الزرابي فيتحول ذلك الحي الساكن فجأة إلى سوق متنقل، على سطوح العمارات المصنوعة بالقرميد تضع طيور النورس أعشاشها وهي مطمئنة أن الإنسان كائن لا يطير فيعبث بصغارها، هناك تحتها مباشرة رجل يربي الحمام الزاجل ليس لأنها توصل الرسائل بل للمتعة وفقط أما أنا فكنت أتساءل يا ترى هل يمكن لإحداها أن تبعث برسالة لأهلي في أرض الوطن، بعد انتشار هذا الفيروس أغلقت كل الخطوط الجوية والبرية باتت هذه الهواتف والحواسيب وسيلتنا الوحيدة في التواصل، أغلقت المقاهي التي تجمعنا بأصدقائنا، لا يمكننا مصافحة الأيادي أو العناق ارتداء الأقنعة الطبية والقفازات إجباري، أما أنا فكنت أختنق وأنا مكروهة على القيام بكل هذا، عزيز نسين يقول: «أتمنى أن لا يحرم الله قدمًا من حريتها فحرية القدم لا تشبه حرية الصحافة ولا حرية الوجدان»،

أما جان جاك روسو يقول: «لا حرية دون مسؤولية»، بقائي في البيت وقيامي بكل هذه الطقوس مرهون بحفظي لحيوات الآخرين والوقوف جنبا إلى جنب مع سيادة الأطباء والمتطوعين في حربهم ضد الفيروس، كانت هذه الشرفة مساحتي الصغيرة في عالم ضاق بالرعب والأخبار السيئة يودع البعض أحباءهم في المشافي وآخرون عالقون بتذاكر مجهولة الآجال.

يظهر مسجد السلطان محمد الفاتح على بعد ستة أمتار شامخا منتصبا في هيبة ووقار يخرج منه صوت يخلد قصة بلال بن رباح الذي جعل منه الاسلام سيدا وفارسا واختفى اسم العبد قاهر الصخرة العملاقة، كيف لا أكون محظوظة يا ترى وهذا الصوت يذكرني بأن الله أكبر من كل القلق الذي يتملكني وحنيني لأهلي وخوفي من مصيري المجهول في غربة بطعم الكورونا، وفي المقطع الثاني من هذا الصوت كلمات تعلن بها انتماءك لهذا الدين وتجدد العهد خمس مرات في اليوم، يدعوك بعدها للسجود أو بالأحرى للهروب بنفسك اللوامة إلى نفسك المطمئنة لتعيش السلام ولو في بضع دقائق، وحينما يقول حي على الفلاح يذكرني أنه علي التحرك فالحياة لم تنته بعد، علم أو عمل ما ينتظر أن نطرق بابه، هدف ما يتأمل فينا خير السعي والمحاولة لبلوغه، يختفي الصوت وأغلق أنا بوابات أعماقي التائهة أنزل من الشرفة لغرفتي وأبدأ في صناعة نفسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسطنبول
عرض التعليقات
تحميل المزيد