الحياة مليئة بأحداث عجيبة، بعضها معلنة وبعضها الآخر خفية لا يعرفها أحد ولا يفكّر فيها بل ولا يعتقد أن مثلها يمكن أن تحصل، ظاهرة قلّ ما تُناقش في الوسائل الإعلاميّة، وقلّ ما يتطرّق فيها الأئمّة الخطباء في المساجد، لكونها خفيّة للغاية لكن واقعية بالفعل لا يجادل فيها عاقلان، ولا يناقضها كلّ مثقّف وواضح مع نفسه إنساناً. فماهي تلك الظاهرة التي يقصدها الكاتب؟

ألا وهي ظاهرة «الخادمات المسكينات» أو البنات الخادمات في البيوت، بعضهنّ يتيمات لا أحد لرعايتهنّ وتكفّلهنّ باسم المسؤولية لأنّ المسؤول عنها أمام النّاس وأمام الله قد انتقل إلى رحمة الله تاركاً إيّاها في هذه الحياة التي كلّ واحد فيها يبحث عن نفسه بتصريحات نجدة، وجلّ النّاس لا يفعل شيئًا في سبيل الله إلاّ إذا كان في ورائه مصلحة لنفسه مباشرة أو لأهله – إلاّ من رحمه الله- وبعضهن ولدن في أسرة فقيرة لا تطيق تكلفل نفسها ولا سدّ جبينها غذاءً،فترشح إحدى الفتيات نفسها للعمل في البيوت خادمة ليس إلاّ لتوفير العيش الكريم نسبيا لأهلها الفقير، وبعضهنّ وجد أن توفّت أمها وتزوّج الوالد بامرأة أخرى التي لا ترحمها هي وإخوانها حسب الحال، بل وتتعامل معهنّ معاملة سيّئة للغاية لا يستطيع الزوج أن يوقّفها عنها من أجل الخبرة السيئة التي تستخدمها في توليد النّار في البيت بأخلاقها المزعجة إلاّ أن يرضى الزوج يكلّ ما تفعله من التصرفات المخالفة للدين والقانون والإنسانية.

وتسبب هذه الضغوط والانتهاكات عليها خروجها من بيت أبيها إلى حيث تجد لنفسها راحة، وبعض الآخر «وللأسف» يملن إلى الأعمال السيئة قهرًا، مثل الدعارة وتناول المخدّرات، والرّقصات وشرب الخمور، أما البعض الآخر فهنّ الأكثريّة في البلاد الإسلاميّة يطلبن عملاً في البيوت، لتجد ما تأكله من رغيف ثمّ لنيل ما تكفّل به أهلها أوإخوانها أو أخواتها حسب الحالة.

على هذا الصدد يمكن الكاتب عرض بعض من الظروف الصعبة التي تتعرّض جلّ الخادمات العاملات في المنازل بمختلف الدّرجات والأسباب والأحجام، سوف تسيل بها دموع القارئ وتحزن قلوب الصالحين من النّاس، ويجعل كلّ من النّاس يفكّر في هل لو مثل هذه الظاهرة تعرضّت لها ابنته التي أوجدها من صلبه، وكدّ وجدّ في تكاليف حياتها وأظهر لها الحب والحنان الصادق، وتعاطف معها مسامحًا لها على الأخطاء التي ارتكبتها، كلّ ذلك من أجل رؤيتها مسرورة ولتشعر بروح الرعاية والحماية فتعتزّ بوالدها وتفتخر به يغض النّظر عن كونه غنيًّا أم فقيرًا، لأنّ الغريزة الفطريّة الإنسانية تغطي هذه الميزة السالبة في نفسها وترى والدها موجبًا بل أحسن رجل وأقواهم في العالم.

لكنّ المنيّة التي لا تترك إنسانًا لسبب من الأسباب ولا تنظر إلى الحال الذي هو فيه ولا تبالي بعمره جنينًا كان أم طفلًا أم شابًا أم شيخاً، ولا تنظر إلى رتبته أومنزلته في المجتمع سيّدًا كان أم غفيرًا، إذا دقّ الباب بمجرّد أمر من الخالق دقّا، الذي لامرّدَّ لأمر جاء من العزيز الحكيم، يكون الإنسان بعد ذلك اسمه «كان» ويظل اسمه يطلق بالصيغة الماضية هكذا «كان» إلى الأبد، بمعنى أنّ الميّت لا يعود إلى الحياة أبدًا.

هؤلاء البنات جلّهن يتعرّضن لتحديات ضخمة في البيوت، إلاّ عند عباد الله الصالحين الذين يخشون الله تعالى ويعدلون في أمورهم. جعلنا الله مع هؤلاء الفئة!

أوّلًا: التهميش، معنى ذلك أنّ سيّد البيت نفسه أم زوجته غالبًا يظهرون الفرق بينهم وبين هذه المسكينة، ويخيطون لها زيَّ العمل ليس بنيّة العمل الصادقة المألوفة وإنّما تلميح يجعلها تشعر الفرق بينها وبين بنات ربّ البيت، لمجرّد رؤية زائر إيّاها في المنزل، يعرف مباشرة أنّ هذه الفتاة جارية بسماتها.

ثانيًا: العمل فوق الطاقة، حيث يضغطون عليها بالأوامر مهما حاولت أن تكون بنتا مطيعة ومحترمة ومتواضعة من أجل تحقيق أهدافها المعيشية، إلاّ أنّ الكثير ينتهزون هذه السانحة لانتهاك حقوقها الإنسانية، بشحن أثقال المنزل على ظهرها والتي تتكاثر يوميًا، فالأوامر تأتي هنا وهناك، ربّ البيت يأمر، وزوجته تأمر بالقيام بشيء آخر، ولمّا تكون على وشك الانتهاء، يستيقظ الابن الأوّل من النّوم ويأمرها بفعل شيء إضافي آخر، والابنة أيضًا عندها حاجاتها الخاصة بها تريد الجارية المسكينة أن تقوم بها كلّها في آن واحد، وبعض الأحيان هي التي تغسل ملابسهنَّ الدّاخليّة، أو البطانيات الثقيلة، تعمل كأنّها آلة مكنة «روبو» لأنّهم في المبدئ لم يحدّدون لها نوع أو حجم العمل الذي سوف تقوم به في المنزل، وتقوم بالأعمال بكلّ نشاط تحت مجهر عين ناقدة التي لا ترى الجوانب الإيجابية لتعزيزها بالشكر لهذه الجارية حتى تفرح، وإنّما تنظر إلى جوانب القصور، فيشتمونها ويتخاصمون معها ويذلونها أمام الزوار كأنّها ليست ببني آدم، بل ويضربونها أحيانًا، ولا يبالون هل هي صحيحة البدن حالاً أم مريضة؟ فإذا مرضت يلومونها بالكسل والكذب، وتظلّ في هذه الحالة التي لا يعرفها أحد إلاّ الله، ولو إذا كشفت يندّد الذين يمارسون هذه الأخلاق الخبيثة، هذا لا يكفيك أن تعلم أنّه ليس بشيء محمود لتتركه تائبًا؟

ولمّا تتراكم الظروف على رأسها تصبح متحيّرة، ولا تشعر بالأمن في النفس والراحة في القلب ولا الطمأنينة في البال ولا محبّة في الضمير ولا رغبة في هذا العمل المستبدّ، ومن الأخطر أنّه بعد كلّ هذه المشقّة يومًا سيطردونها من المنزل مع دعايات أنّها كسلانة، أو سارقة، أو سوء الخلق، فتجعل تتفكّر كلّ يوم لمّا تكون منفردة، قائلة في نفسها المهبوطة اليائسة: «يا إلهي! ما ذنبي؟ ومتى الفرج؟

وبعض الآخر يضعون على أكتافهن أعمالًا شاقة مع مصاحبة الشتائم، والسخرية، بل والضرب، والتجويع، والاستهزاء، ذلك من أجل الدّراهم المعدودة التي يساعدونها بها والتي ليست مجّانًا في سبيل الله وإنّما مقابلًا لما تقوم بها من أعمال شاقة، ولا يشبعون بما قامت بها من أعمال بل ولا يقدّرونها شكرًا لها من أجل إعطاء أهمية ولو قليل لوجودها في المنزل، بوضع السرور والبهجة في صدرها احتسابًا من الله الأجر، يرون كأنّهم اضطرّوا لنتداب جارية قهرًا ليس لتخفيف أعباء الأسرة خادمة، ليس المذكور آنفا هي مشكلة، وبعض منهنّ لا تأكل الطعام الذي طبخته لذيذًا، إلاّ بعد ما ينتهي أفراد الأسرة من الأكل وإن وجدت فضلة فحظها وإن لم توجد فلتتوكّل على الله.

الاسترقاق: بمعنى عدم دفعهنّ «أجور أعمالهن»

بعض النّاس لا يخافون الله تعالى، يستعبدون النّاس اللواتي ولدتهن أمّهاتهنّ حرائر أو حرّات، بمعنى أنّ هؤلاء الخادمات يظلمونهنّ ظلمًا شديدًا، بعضهنّ لا يجدن مرتباتهنّ الشهريّة الضئيلة، وإن تكاثرت المرتّبات بتكاثر عدد الأشهر، يخلقون ذندقة من أنفسهم بوضع فخّ التلبيس حتّى إذا اقتربت إليه المسكينة ولو لم يقع في الفخّ اتخذوه ذريعة لطردها من المنزل، يا الله! يا بني آدم! تب إلى الرّبّ الذي ينظر إليك من السماء، ولا يحجبه ظلمة تحت الأرض ناهيك عن سقف منزلك الذي هو بنفسه شاهد عليك وجوارحك شاهدة عليك، ونفسك شاهدة عليك. اتق الله تعالى بالإسلام أم بالإنسانيّة على الأقل، حتى الكفار الملحدون العلمانيون غالبا لا يعملون مثل هذا. وكيف تؤدي الصلوات الخمس في الجماعة وتصوم وتزكي وتحج مع ذلك لا تخاف الله تعالى في تصرّفاتك؟ أم تصلّي رياءً لا تقوى؟ إن كان في قلبك مثقال ذرّة من التّقوى لاستقمت في تصرفاتك.

التحرش الجنسي

هؤلاء الخادمات يتعرضن للتحرشات الجنسيّة من ربّ البيت نفسه، أم من أبنائه، مع تخويفها أنّه إذا أفشت هذا السرّ البغيض سوف تطرد من البيت فتعيش كئيبة نادمة، فهي بدورها لا حول ولا قوّة لها إلاّ الاستسلام لإرادتهم ويفعلون بها ما يشاؤون، هذه ظاهرة واقعيّة أيها الإخوة الأفاضلة، سوف تكون حزينًا وعطوفًا عند قراءتك هذا المقال لكن المهمّ والهدف فيه أن تكون بعد اليوم على وعي تام أنّ هذه الظاهرة موجودة ربّما في بيتك أم بيت جارك، أو بيت جار جارك، لتصبح واحدًا من جنود الله الذين يعملون في سبيل إنقاذ الهالكة في الماء، بإنقاذ القائم بمثل هذه التصرفات من خلال إنقاذ البنت المسكينة من التعذيب.

ما دورك لتحرير أمثال تلك الخادمات؟

أو كيف تحلّ هذه المشكلة؟

أوّلاً: قم بجمع جميع البيانات مع الأدلّة القويّة وزيادة حولها، ثمّ استخدام الإنسانية لحلّها، وإذا أراد الطاغي أن يطغى فتعامل معه لكن بالحكمة والحذر، وإذا أصرّ على الباطل اتخذ إجراءات لازمة ضدّه حتى يفرّ منه شيطانه، وأجرك إلى الله، سواء نجحت أم فشلت، والنجاح أفضل إذا اتبعت العقل والمنطق والحكمة والقانون، لأنّ الشرير يتّع هواه بل وشيطانه فينسيه الاستقامة، وتصبح كلّ خطواته وتصرفاته مخالفة للعقل والدين والقانون، مع أنّه يزعم غرورًا أنّ أحد لا يعرف ما يفعله، وإن عرف ليس له دليل قويّ يتغلّب عليه أمام القاضي، لذلك ينبغي عليك التصرف ضدّ عمله بالحجج الماديّة والبشريّة بل والتكنولوجية لا سيما إذا كان إنسانًا يدّعي بالسلطة والزعامة، والغنى، فلا تخش ولا تقلق لأنّ هناك منظمات حقوق الإنسان الداخلية والعالمية في بلادك، مع حججك القانونية إذا أرادت الجهة القومية الداخلية ترويج الأمور وتلبيسها بقلب الظالم مظلوم والمظلوم ظالم بشراء القضاة بالمال، واصل بالقضيّة برفعها إلى المنظمات العالمية لحقوق الإنسان في داخل بلدك إن كانت هذه الدّولة عضو من أعضاء الأمم المتحدة، أو ليتراجع بالتوبة وطلب العفو من الجارية المسكينة، فسلام عليه.

ومن الحلول المقترحة ما يلي

1- التوبة إلى الله والاستغفار منه لنفسك ثمّ العودة إلى الحق مع الدفاع عن حق الآخر وأجرك إلى الله.

2- اعلم أنّ هذه الظاهرة إذا نمت وكثرت سوف تكون ابنتك ضحيّة لها، ولا تغرّنّ نفسك بمنزلتك في الحياة، لأنها مغرورة ولا يأمن مكر الله إلاّ القوم الكافرون.

3- لا تتدخّل في شأن الجار إذا كان على صراط مستقيم، أمّا إذا ظلم نفسه ظلم غيره، فحاول كلّ المحاولة الدفاع عنه بالنصائح والترغيب والتهذيب، وإذا رفض وطغى فاجمع البراهين القطعية، كما سبق ذكره، ثمّ بعد ذلك واجهه مواجهة الشيطان شرّه حتى يعود إلى عقله الإنساني السليم.

4- تكوين جمعيات نسويّة التي تعمل للدفاع عن حقوق المرأة – دون الطغيان على الرّجال- لتساعد الجارة الطيبة جارية تتعرض على التعذيب البدني والمعنوي بالتّجويع والتحرشات الجنسية كلّ يوم وفي كلّ مكان بالبيت، تساعدها بالنصائح والتّوجيهات نحو حيث تضمن حقوقها وتتحرر من هذه العبوديّة، من قبل السلطان القانونية الصادقة، عن طريقة جمع الأدلّة القطعية إمّا تكنولوجيا بتسجيل الظاهرة بالتلفون أم تغطيتها بفيديو ولو قصير أوالتصوير حتى لا يجد المجرم حجّة ينكر عمله السيئ، تأخذ هذه البيانات إلى إنسان مثقف، سواء كان إمام مسجد، أم رجلًا عالمًا ومحترمًا في الحارة أم إنسانًا تقيًّا طلبا منه نجدة الدفاع عن هذا الظلم مع الحفاظ على حقوقها.

5- للشباب دور كبير إذا أصلحوا أنفسهم لأنّ كلّ واحد منهم له أخت كريمة وعزيزة أسترضى أن تمارس هذه الصفات السيئة على أختك؟ أم ترى أنّ هذه الجارية ليست ببني آدم الذي لاتشعر بالإهانة ولا تعذيب؟ حتى الحيوان يشعر بالتعذيب.

اعلم أنّها إنسانة عاقلة وذكية تشعر ما تشعره أنت أو أكثر، تعرف من يحبها ويتعامل معها إنسانيًّا كما تعرف من تسيء إليها وتكرهها، وإن تجعل نفسها سفيهة حتى تشعر سيّدها بالعزّة والكرم اعلم أنّها تفعل ذلك طلبًا لرضاك عليها لتساعدها على الحالة السيّئة التي تواجهها. لماذا لا تعمل بنات الأغنياء في المنازل؟ لأنّهنّ تحت الكفالة والرعاية التامة. هذا هو الجواب، وهذه المسكينة ليست لها هذه السمات، هذا لا يعني أنّها مخبونة العقل، اعدل معها يعطيك الله أجرك مرّتين، أجر كفالتها، وأجر الحفاظ على كرامتها الإنسانية، أتريد منها أن تنضمّ بصفوف الدعارة وشرب الخمور في الطرق؟

لذلك يمكن للشباب وضع هذه الأجندة في اتحاداتهم، بحيث إذا اكتشفوا من يقوم بمثل هذه التصرّفات الخبيثة في الحارة مهما كانت رتبته يجمعون البيانات الكافية ويبحثون عن الأدلّة القانونية والبشرية، من خلال أخواتهنّ اللائي يدخلن هذا البيت وشاهدات بالمعاملات السّيئة التي يمارسها أهل صديقتهنّ على الجارية المسكينة، ويمكنهنّ مقابلتها «الجارية» سرًّا لاستفادة من البيانات الكثيرة، ثمّ يرفعن القضيّة إلى اتحاد إخوانهن في الحارة ويقومون بتقديم النصائح لصديقتهنّ أهلها عن طريقة مباشرة حسب الحال أم غير مباشرة ليتوبوا منها قبل لقاء ربّهم، وإن رفضوا فيمكن اتخاذ أي إجراء إنسانيّ أو دينيّ أو قانونيّ لتوقيف هذه الظاهرة في المجتمع بالدّفاع عن الظالم، وأجورهم إلى الله. هذا رأيي الخاص، ومن عنده الكثير فليشارك بالله لجلب الكرامة للخادمات بل الاحتفاظ بحقوقهن.

وصلى الله على السيّد الأسوة الحسنة محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد