تعرف المعاهدات بأنها اتفاق يعقد بين دولتين أو أكثر، وتعتبر ملزمة قانونيًا، وللبلدان حق التصديق على تلك المعاهدات أو بعضها، وأن الدولة التي صدقت على المعاهدات الإقليمية أو الدولية لحقوق الإنسان مسئولة عن إحقاق تلك الحقوق في بلادها.

يأتي مصطلح الشرعة الدولية متضمنًا لكل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، ويأتي بعد ذلك العديد من الاعلانات المعاهدات التي تدور في إطار الحقوق والحريات للمواطنين.

عملت الأمم المتحدة على رسم أطر واضحة ووضع صكوك ومعاهدات دولية تلتزم بها البلدان وتوقع عليها لتوضيح الشروط والمعايير الواجب توافرها فيما يعرف بالسكن الملائم، والمشاريع التي تقوم بها الحكومات في مجال الاسكان لضمان حياة آمنة وكريمة للفرد وأسرته.

أهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  اﻟﻤﺆرخ ﻓﻲ 16 ديسمبر (كانون اﻷول) 1966، والذي ذكر في مادته الحادية العشر في بدنها الأول تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر.

ثم وضعت الأمم المتحدة مجموعة من التعليقات على ذلك العهد منها التعليق العام رقم 4 به مجموعة من الشروط والبنود اللازم توافرها في المسكن ليكون ملائمًا للإنسان.

أمن الحيازة القانوني

بصرف النظر عن نوع الحيازة، ينبغي أن ينعم جميع الأشخاص بدرجة من أمن الحيازة تكفل الحماية القانونية من الإخلاء القسري والمضايقة والتهديدات الأخرى.

القدرة على تحمل التكاليف

ينبغي ألا تنطوي التكاليف الشخصية أو الأسرية المرتبطة بالسكن على تهديد تلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى أو الانتقاص منها.

الصلاحية للسكن

ينبغي أن يوفر السكن اللائق عناصر مثل الحيز الكافي والحماية من البرد والرطوبة والحرارة والمطر والريح أو غير ذلك من المخاطر التي تهدد الصحة والمخاطر الهيكلية ونواقل الأمراض.

توافر الخدمات والمواد والمرافق والهياكل الأساسية

يكون السكن غير لائق إذا لم تتوافر لشاغليه مياه الشرب المأمونة، وخدمات التصحاح الملائمة، والطاقة اللازمة للطهي والتدفئة والإضاءة، ومرافق اصرف الصحي والاغتسال، ووسائل تخزين الأغذية، وتصريف النفايات… إلخ.

تيسر تلبية الاحتياجات

يكون السكن غير لائق إذا لم تؤخذ في الحسبان الاحتياجات المحددة للفئات المحرومة والمهمشة (مثل الفقراء، والأشخاص الذين يواجهون تمييزًا، والأشخاص ذوي الإعاقة، وضحايا الكوارث الطبيعية).

الموقع

السكن اللائق يجب أن يكون في موقع يتيح إمكانية الاستفادة من خيارات العمل وخدمات الرعاية الصحية والمدارس ومراكز رعاية الطفل وغير ذلك من المرافق الاجتماعية، وألا يكون مبنيًا في موقع ملوث أو في موقع قريب جدًا من مصادر تلوث.

الملاءمة من الناحية الثقافية

ينبغي أن يتسم السكن اللائق باحترام ومراعاة التعبير عن الهوية الثقافية وأساليب الحياة.

في هذا المقال أحاول رصد بعض المشاريع التي قامت بها الجهات الحكومية في مجال الإسكان ومحاولة معرفة ما مدي ملائمة تلك المشاريع لمعاهدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والذي وقعت عليه مصر وملتزمة بتنفيذه وإحقاق كل ما اشتمل عليه.

• مشروع مبارك لإسكان الشباب: وكان الغرض منه إتاحة الفرصة لتوفير وحدات سكنية للمستحقين من الشباب بقروض ميسرة تدعم خلالها الدولة بنسبة 40% من جملة تكلفة الوحدة، وقد بدأت خطة المشروع إنجاز عدد 70 ألف وحدة سكنية بمساحات مختلفة (63، 70، 100م2) على ثلاث مراحل منذ يناير (كانون الثاني) 1996.

• مشروع إسكان المستقبل: وهو يمثل صورة من صور التكافل الاجتماعي بالدولة، وقد استهدفت تنفيذ نحو 70 ألف وحدة سكنية بمساحة 63م2 بتكلفة اجمالية 1.2 مليار جنية على ثلاث مراحل منذ سنة 1998، وبواقع 2000 وحدة لكل مدينة جديدة بالقاهرة و1000 وحدة لكل مدينة جديدة بالصعيد.
فاز مشروع إسكان المستقبل بجائزة أفضل مشروع إسكان عربي عام 2001 من مجلس وزراء الإسكان والتعمير العرب.

• مشروعات بنك التعمير والإسكان: وهي تلك المشروعات التي قام بتنفيذها بنك الإسكان والتعمير الذي أنشأ نحو 67 ألف وحدة سكنية من الإسكان الاقتصادي منخفض التكاليف في 19 محافظة و13 مدينة جديدة.

• مشروعات الهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان: وقد بلغ جملة ما تم وجارى تشييده بمعرفة الهيئة نحو 203 ألف وحدة موزعة على 22 محافظة 38% منها في القاهرة، ثم 11.3 %.

• مشروعات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة: وقد قامت بتشييد 109 ألف وحدة سكنية لمحدودي الدخل، ثم نحو 21 ألف وحدة سكنية للإسكان المتوسط ونحو 90 ألف وحدة سكنية لإسكان الشباب، بجانب توفير 300 ألف وحدة سكنية تم تنفيذها بمعرفة جهات أخرى، كما تم الإعلان عن الإسكان الحر لمحدودي الدخل بين الشركات العاملة في المجال العقاري، حيث تعمل الهيئة على توفير قطع أراضي كبيرة مكتملة المرافق ثم تسترد قيمة هذه المرافق فيما بعد، كما توفر وحدات سكنية بمساحات بين 70-100م2 وتم توفير 3 وحدة بالمدن الجديدة، بجانب توفير إسكان بديل للعشوائيات حيث تم توفير قطع أراضي بمساحات تتراوح بين 130-150م2 لراغبي البناء.

• مشروع ابني بيتك: في عام 2008 تم الإعلان عن طرح 42000 قطعة أرض بمدينة أكتوبر، على أن يتقدم الراغبون بالشراء والبناء عليها خلال عام وثلاثة أشهر، مقابل أن تمد الحكومة تلك المناطق بالخدمات والمرافق، وتم تقسيم مناطق المشروع الى 7 مناطق، وبحسب ائتلاف شباب ابني بيتك أن جميع المشتريين انتهوا من البناء عام 2010، في حين لم تف الحكومة بوعودها حتى الآن في مد تلك المناطق بالمرافق والخدمات.
وغابت الدراسة الكاملة لموقع المشروع، حيث إن المنطقة السابعة تقع خلف منطقة سكة حديد يمر بها قطار البضائع القادم من الواحات إلى الجيزة، ووسيلة العبور الوحيدة بالمنطقة هي مزلقان السكة الحديد الأمر الذي يتسبب في الكثير من الحوادث وتأخير الأعمال.
بالتالي افتقدت المنطقة وصفها بانها منطقة سكنية نتيجة لعدم تلبية احتياجات السكان من الخدمات الأساسية والبنية التحتية والمرافق العامة، ونتيجة لغياب المنظومة الأمنية بالمنطقة انتشرت أعمال السرقة والبلطجة، ونتيجة لغياب المرافق العامة استغل سائقي سيارات الأجرة السكان في رفع أجرة المواصلات.
نتيجة لذلك تم هجرة معظم مساكن المشروع من السكان.

• المشروع القومي للإسكان الاجتماعي مشروع المليون وحدة
يستهدف المشروع فئة محدودي الدخل، وتم طرحه عام 2014 على أن يبدأ التنفيذ عام 2015 على مدار خمس سنوات ينتهي في 2020، بمعدل 200 ألف وحدة سكنية سنويًا.
تتراوح مساحة الوحدة بين 120 الى 150م2، وتتراوح أسعار الوحدة السكنية بين 180 الى 200 ألف جنيه.
بعد البدء في تنفيذ المشروع صرح رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتوقف المشروع نتيجة لخلافات بين وزارة الإسكان والشركة المنفذة للمشروع، وقد تم الاتفاق مرة أخرى مع الشركة حسب تصريح وزير الإسكان بتنفيذ 100 ألف وحدة سكنية فقط، لتتقدم بعدها الشركة بتنفيذ 13 ألف وحدة سكنية فقط بديلًا عن المليون وحدة.

• مشروع دار مصر: يهدف المشروع إلى الخروج عن الرقعة الزراعية ووادي النيل والدلتا، وتقليل الكثافة السكانية على العاصمة والمدن القائمة.
الفئات المستهدفة من المشروع: متوسطو الدخل.
مراحل المشروع: يشمل المشروع على تنفيذ 150 ألف وحدة سكنية مقسمة على أربع مراحل تتراوح مساحة الوحدة من 100 إلى 150 م2 بنموذجين معماريين.
المرحلة الأولى: تنفيذ 30 ألف وحدة.
المرحلة الثانية: تنفيذ 25 ألف وحدة.
ولم يعلن بعد عن المرحلتين الثالثة والرابعة.
أماكن تنفيذ المشروع: مدينة 6 أكتوبر، القاهرة الجديدة، الشروق، العاشر من رمضان، العبور، بدر، دمياط، السادات.
أسعار الوحدات: سعر المتر يصل إلى 4200 جنيه مصري، وبالتالي فإن سعر الوحدة يتراوح من 420000 جنيه إلى 630 ألف جنيه، أي متوسط نصف مليون جنيه، يتم سداد 20% من سعر الوحدة مقدمًا ويقسط باقي الثمن على مراحل ربع سنوية متساوية بدون بفوائد بواقع 5% من سعر الوحدة لكل ثلاثة أشهر.
تم الإعلان عن تقديم استمارات الحجز للمشروع وسداد مقدم الرسوم خلال الفترة 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 إلى 25 ديسمبر (كانون الثاني) 2014 وفقًا لكراسة الشروط.
وكسابقه من المشروعات وجد العديد من المشاكل، حيث لم تتم دراسة مناطق تنفيذ المشروع جيد قبل الإعلان عنها فبعض المواقع كانت ذات أرض جيرية مما يصعب البناء عليها، وعدم دراسة التغير في أسعار مواد البناء منذ إعلان المشروع حتى فترة التنفيذ، بالتالي تم مخالفة كراسة الشروط، في تنسيق الموقع العام، والتغيير في مساحات الوحدات، وتسليم المرحلة الواحدة على عدة مراحل، ومخالفة كراسة الشروط في التشطيبات الداخلية، ونقص في الخدمات العامة المقرر إنشائها.

بدراسة معظم المشاريع التي عملت عليها الحكومات المصرية المتعاقبة، يتبن عدم ملائمة أي منها لالتزامات الدولة الخارجية، فمعظم المشاريع تم وضعها بدون دراسة واضحة وجيدة للموقع العام المقترح.

إن بعض المشاريع التي خرجت بها الحكومات المصرية افتقدت تمامًا لشرط القدرة على تحمل التكاليف، والذي جاء توضيحه في التعليق العام رقم 4 من المادة 11-1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي ينص على:
أن التكاليف المالية الشخصية أو الأسرية المرتبطة بالسكن ينبغي أن تكون ذات مستوى يكفل عدم تهديد إحراز وتلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى أو الانتقاص منها. وينبغي للدول الأطراف أن تتخذ خطوات لضمان أن تكون النسبة المئوية للتكاليف المتصلة بالسكن متناسبة، بصورة عامة مع مستويات الدخل. وينبغي للدول الأطراف تقديم إعانات سكن لأولئك الذين لا يستطيعون الحصول على مساكن يمكنهم تحمل كلفتها، فضلًا عن تحديد أشكال ومستويات تمويل الإسكان التي تعبر بصورة كافية عن الاحتياجات للسكن.

مثل مشروع دار مصر الذي طرح في الأساس مستهدفا محدودي الدخل حيث وجد، وأن سعر المتر يصل إلى 4200 جنيه مصري، وأن مساحات الوحدات تتراوح بين 100 الى 150م2، وبالتالي فإن سعر الوحدة يتراوح من 420000 جنيه إلى 630 ألف جنيه، أي متوسط نصف مليون جنيه.

والبعض الآخر منها افتقد إلى شرط توافر الخدمات والمواد والمرافق والهياكل الأساسية” والذي نص على أن المسكن الملائم يجب أن تتوافر له بعض المرافق الأساسية اللازمة للصحة والأمن والراحة والتغذية، وينبغي أن تتاح لجميع المستفيدين من الحق في السكن الملائم إمكانية الحصول بشكل مستمر على الموارد الطبيعية والعامة ومياه الشرب النظيفة، والطاقة لأغراض الطهي والتدفئة والإضاءة، ومرافق الإصحاح والغسل، ووسائل تخزين الأغذية، والتخلص من النفايات، وتصريف المياه، وخدمات الطوارئ.

مثل مشروع (ابنِ بيتك) والذي أخلفت الحكومة مع المواطنين وعدها بمد المرافق الأساسية والخدمات العامة للمنطقة، وافتقار المشروع إلى شرط اختيار الموقع، ووقوع بعض أجزاء المشروع خلف شريط سكة حديد، وأن المعبر الوحيد هو مزلقان السكة الحديد؛ الأمر الذي يتسبب في الكثير من الحوادث، وافتقار الموقع إلى فرص العمل المناسبة؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى ترك معظم السكان منازلهم وهجرتها وتكبدهم خسائر اقتصادية كبيرة.

إن حصيلة فساد فترة زمنية استمرت فوق الثلاثين عامًا نتاج حكم الحزب الوطني الذي بدأ سياسة الانفتاح ومن قبله التحول من الليبرالية إلى الاشتراكية جعلت الدولة متخبطة في قرارتها خاصة في الإسكان مهما تعاقبت عليها حكومات ورؤساء، فانتشرت أمور الواسطة، ووضع اليد، والافتقار إلى أمن الحيازة القانوني، وظهور المناطق العشوائية المفتقرة إلى الخدمات الأساسية، وزيادة معدلات التزاحم داخل الغرفة الواحدة، التي نتجت عنها مشكلات اجتماعية عديدة ناهيك عن المشكلات الاقتصادية، وازدادت معدلات الكثافة بالعاصمة، الأمر الذي يؤدي بالطبع إلى زيادة الاختناق المروري، فكان من الواضح أن استراتيجية الحكومات المتعاقبة في الإسكان هي الوعود بتنفيذ مشاريع ضخمة دون الوعود بالانتهاء منها في ظل غياب المسائلة القانونية للمسئولين بالدولة، بل إعطاء الفرصة إلى من فشلوا في احد المشاريع للفشل في أخرى، كما ذكرت مصادر أن المهندس المسئول عن مشروع (ابنِ بيتك هو نفسه المسئول عن تنفيذ مشروع (دار مصر).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد