العنوان يعتبر من العناوين الصادمة التي تجذب الكثير من الأفكار إلى ذهن قارئ العنوان من قبل أن يبدأ في قراءة كلمات المقال التفصيلية.

في البداية من عادتي كتابة المقالات في نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتخصصي الطب,  وليس من عادتي كتابة المقالات السياسية، وعادة ما احتفظ بآرائي السياسية لنفسي, فمجتمعنا كل فرد يقتنع برأيه السياسي، ولا أحد يستمع لأحد, ولكني أردت هذه المرة بمناسبة انقلاب تركيا أن أكتب شيئًا بخصوص الانقلاب، ولكن المستقبلية!

والمفاجأة أن المقال ليس سياسيًا بحت، ولكنه يدخل في نطاق علم الاجتماع، في تأثير ما تفعله الحكومات، وارتداده عليها، وطبيعة تكوين المجتمع، وطبيعة القوانين التي تربي عليها المجتمع، ومآلات حدوث تغييرات عند تغيير تلك القوانين!

المقال باختصار ليس تنجيمًا، وليس قراءة طالع، ولكنه قراءة قائمة على قانون من قوانين الله في الأرض، وقائم على تحليل، بعضه مستنبط وبعضه اجتهاد شخصي, على أية حال تستطيع أن تقرأ المقالة، وتحتفظ به للزمن.

نبدأ بأول الغيث «معرفة القانون»

قانون الارتداد: الذي يخضع له كل فعل وقول في تلك الأرض, فإن كان عملك فيه خيرًا، رُد إليك خيرًا، وإن كان شرًا، رُد إليك شرًا.

قانون الارتداد الذي يسميه «نعوم تشومسكي» بـ«دورة الشر»، عندما كان يجيب على أحد أسئلة الصحفيين عن مدى تأثر أمريكا بمناطق الاضطراب, بالتأكيد النار ستلسع من يلعب بها، هذا مؤكد!

من المقولات التي انتشرت تعبيرًا عن تورط أمريكا في دورة الشر, ولا أعلم مدى صحتها، ولكنها بالتأكيد مؤشر لمدى فهم الشعوب لدور أمريكا, المقولة هي:

أن صحفي سأل رئيس «بوليفيا موراليس»: ما هو البلد الوحيد الذي لا يمكن حدوث انقلاب فيه؟

فأجاب «موراليس»: أمريكا؛ لأنه لا توجد سفارة أمريكية هناك!

وكالة الاستخبارات الأمريكية، وبالتحديد «وحدة الضباع» التي أسقطت أنظمة؛ لأنها تراها تهدد مصالحها، ستلسع أمريكا بنارها، كما لسعت من قبل الرئيس «سوكارنو» رئيس إندونيسا، فقد أظهرت وثائق وكالة الاستخبارات الأمريكية أنها قد تلقت تعليمات من مستوي رفيع بتصفية الرئيس سوكارنو.

وذلك عندما أغضب سوكارنو البلدان الغنية؛ من خلال حمايته اقتصاد إندونيسا، وإعادة توزيعه الثروة، وطرده لصندوق النقد، والبنك الدولي، اللذين اتهمهما بتشكيل غطاء لمصالح الشركات الغربية المتعددة الجنسيات، وبالرغم من أن سوكارنو كان قوميًا، وليس شيوعيًا، فقد عمل بشكل وثيق  مع «الحزب الشيوعي» الذي كان يضم 3 ملايين عضو ناشط.

وأتت الفرصة أخيرًا، بعد عدة انقلابات فاشلة، أن يطاح بسوكارنو علي يد الجنرال «سوهرتو» المدعوم من «وكالة الاستخبارات الأمريكية»؛ بعملية الاستيلاء على السلطة، واستئصال اليساريين.

وكان البنتاجون يؤمن أسلحة إضافية للتواصل بين العناصر الانقلابية

هذا مثال واحد، ولسنا بصدد ذكر أمثلة كثيرة نفذتها أمريكا؛ خدمة لمصالحها، مهما كان مدى استفادة الطرف الآخر!

احتمالية حدوث انقلاب؟

التاريخ الأمريكي لم يشهد أية محاولة انقلاب حقيقية، حتى في أحلك الظروف التي مرت بها أمريكا، كالحرب الأهلية الأمريكية «١٨٦١- ١٨٦٥»، الحرب التي انقسمت  فيها أمريكا إلى نصفين، وراح ضحيتها في أربع سنوات أكثر ٦٢٠ ألف جندي!

ولكن…!

الأزمة هي كلمة السر

«وحدها الأزمة  هي التي تحدث التغيير الحقيقي، فعند حدوث الأزمة تكون الإجراءات المُتخذة منوطة بالأفكار السائدة، وهنا تأتي على حد اعتقادي وظيفتنا الأساسية، وهي أن نطور بدائل للسياسات الموجودة، وأن نبقيها حية ومتوفرة إلى أن يصبح المستحيل في السياسة حتمية سياسية»

تلك الكلمات كانت من ضمن أكثر الكلمات بلاغة  التي عبر عن «فريدمان»، المؤسس الفعلي للرأسمالية المعاصرة «عن جوهر الخطة التكتيكية التي يدار بها العالم الآن».

هذا المحلل الذي يؤمن بفكرة المعالجة بالصدمة, صدمة لعرقلة الديمقراطية, أو لصدمة لخصخصة اقتصاد!

في سلسلة أفلام اسمها «التطهير» the purge ، تحكي عن تصور خيالي، يحصل في أمريكا، وهو أن الحكومة الأمريكية تقرر عمل مناسبة سنوية اسمها «التطهير» لمدة 12 ساعة؛ يكون الهدف منها التخلص من الشحاذين، والفقراء، والزنوج, عندما تبدأ عملية التطهير فعلًا، يكون من حق أي إنسان أن يعمل ما يريد في حق أي إنسان آخر!

إذا اعتبرنا الحرب الأهلية التي راح ضحيتها 620 ألف جندي بأنها أحد أفلام ( The Purge  )

ولكنه فيلم حقيقي, هل ستكون هناك احتمالية لتكرار الفيلم مرة أخرى في صورة انقلاب؟

هل الوضع مهيأ لحدوث انقلاب؟

نعم، لأربعة  أسباب:

  1. ديموقراطية صورية

سأل الصحفي «فيكاس شاه» «نعوم تشومسكي» في لقاء صحفي، إلى أي درجة مجتمعاتنا حرة وديمقراطية؟

فأجاب نعوم تشومسكي: هذه المجتمعات حرة تمامًا، بالمقاييس التاريخية، هي ديمقراطية، بمعنى أن بها انتخابات صورية مسروقة، ولكنها غير ديمقراطية؛ لوجود قوى غير الإرادة الشعبية تملك تأثيرًا ساحقًا فيمن يقدر على المشاركة في الانتخابات.

  1. وجود رئيس يعاكس السياسة الخارجية الأمريكية التي تستفيد منها كبار الشركات الأمريكية في استثمار أموالها, والاهتمام بالشأن الداخلي، بدلًا من الشئون الدولية!

يسأل فيكاس شاه ما الذي يحرك سياستنا الخارجية؟

نعوم تشومسكي: أمريكا هي المحرك الأول للسياسة الخارجية، ولها الحق في إجراء عمليات أحادية الجانب، كما قال «بيل كلينتون»، عندما عبر عن ذلك بوضوح أمام «الكونجرس».

  1. عندما تتحول أمريكا في وجود رئيس لا يسمع، إلا نفسه وأفكاره, حينها ستستنهض المؤسسات الأمريكية نفسها للدفاع عن حقوقها الدستورية والقانونية طبقًا للنظام الفيدرالي.

قال القاضي «مارشال» قاضي المحكمة العليا عام ١٨٠٣ في حكم قضائي صدر ضد الرئيس الأمريكي «توم جيفرسون» «إن دولة أمريكا بشكل قاطع تُعرف بأنها دولة قانون، لا دولة رجال»

  1. قابلية تحرك شعبي مسلح ضد البيت الأبيض

التعديل الثاني من الدستور الأمريكي كفل إنشاء مليشيات مسلحة، وحمل السلاح، فحسب تحليلات المؤرخين؛ فإن الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية أرفقوا هذ التعديل لغايتين: الغاية الأولى، هي مقاومة أي عدوان خارجي، والغاية الثانية، وهي الأساس، هي مقاومة أي تعسف، في أي وقت، قد يصدر من «الحكومة المركزية الفيدرالية» ضد الشعب الأمريكي نفسه.

يصنف الشعب الأمريكي على أنه الأول عالميًا في درجة التسلح؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن الشعب الأمريكي يملك قرابة ٣٥٧ مليون سلاح، بمعدل كل ١٠٠ أمريكي لديهم ١١٢ قطعة سلاح.

ما هي أنوع الانقلابات؟ وأي منها -من المحتمل- أن يصيب أمريكا ؟!

يرى الباحث الدكتور «أوزان فارول» النوع الأول من الانقلابات الذي أسماه للتسهيل «الانقلاب غير الديمقراطي»: عادة ما يغير الأشخاص، ويبقى على باقي النظام كما هو، ما يعنى أن قادة الانقلاب يضعون ضباطًا من الجيش، محل القادة السياسيين الذين أُطيح بهم، مع بقاء النظام السياسي، دون تغيير.

وفى هذا النوع من الانقلابات يكون هدف الضباط الاستحواذ على السلطة مدى الحياة، كما حدث عندما انقلب «معمر القذافي» على الملك «السنوسي» في ليبيا عام 1969 أو عندما قام «عمر البشير» بانقلابه في السودان عام 1989.

النوع الثاني «الانقلاب الديمقراطي»: ويختلف في أهدافه ونتائجه بشكل جوهرى عن تلك الانقلابات غير الديمقراطية؛ فهو يسعى للإطاحة بنظام شمولي أو استبدادي، وإحداث تغيير إيجابي في هيكل النظام السياسي، من خلال تسهيل إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في غضون فترة قصيرة من الزمن. وينتهى هذا الانقلاب بنقل السلطة من قبل ضباط الجيش إلى حكومة منتخبة ديمقراطيًا، ويوضح الباحث عدة أمور، أولها: أنه حين يصف انقلابا بأنه ديمقراطي، فإنه لا يعني ديمقراطيًا بالمعنى التقليدي لهذه الكلمة؛ لأن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون انتخابات حرة ونزيهة، وجميع الانقلابات، لديها سمات غير ديمقراطية، لكن ما يحاول إثباته هو عدم صحة النظرية التى تزعم أن كل الانقلابات معادية للديمقراطية، ولا يدعى الباحث أن الانقلاب العسكرى هو أفضل الأساليب لتغيير نظام مستبد، بل على العكس يرى أن ثورة شعبية بعيدًا عن تدخل الجيش تكون أفضل، ويتابع: «لكن في حالات أخرى، قد يكون التدخل العسكرى هو الخيار الوحيد المتاح أمام أمة تتوق للانتقال إلى الديمقراطية، لكن حاكمًا طاغية يحول بينها وبين هذا الحلم، وعلى سبيل المثال، حرص النظام المستبد في البرتغال على إضعاف المعارضة الشعبية بكل السبل، بحيث ظلت عاجزة عن التحرك ضده، ما دفع الجيش عام 1974 للانقلاب والإطاحة بالحكومة والانتقال بالبلاد لحياة ديمقراطية».

فالاحتمال الأكبر هو حدوث انقلاب ديمقراطي للحفاظ علي الثوابت الفيدرالية، وأرى أن أمريكا مرشحة لحدوث أمر هكذا!

لذلك أرى أن كلمة السر في حدوث أي انقلاب هي وجود «أزمة» داخل البيت الأبيض يتبعها انقلاب لتصحيح الأوضاع!

الأمر ليس بحاجة لوجود سفارة أمريكية، إذا كان هناك البيت الأبيض بنفسه!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب من يمتلك العالم لنعوم تشومسكي
كتاب الاقتصاد العالمي الخفي
عرض التعليقات
تحميل المزيد