ما إن تحدد موعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة حتى تعالت أصوات المهللين والمكبرين والمسبحين بحمد ذلك الضيف “الكبير” الذي سيمنح مصر نفحة من نفحات الروس تجعلها في مصاف كبار الدول. نست الأبواق الإعلامية المصرية أو تناست أن الركون المصري إلى الروس ما هو إلا حلقة فارغة تمتد في النهاية إلى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية.

يشهد الروس أن لجوء العرب إليهم في أي وقت من الأوقات ما هو إلا من باب المكايدة والغيظ للأمريكين، كالرجل الذي يتزوج امرأتين فإن كلتيهما تتبارى في كسب ود الرجل على “قفا” الأخرى. كما قلت الروس يشهدون بأن هذه العلاقة ما هي إلا نزوة مصرية مؤقتة، ثم تنتهي إلى التصالح مع الولايات المتحدة، وكفى بهم شهداء.

“لم يعرف العرب مع الأسف – وحتى في أيام جمال عبدالناصر- كيف يتعاملون مع السوفييت كقوة عظمى مشتركة على قدم المساواة في النظام الثنائي الذي يمسك بموازين العالم المعاصرة سواء بالاتفاق أو الشقاق، والعكس صحيح”. محمد حسنين هيكل

في كتابه زيارة جديدة للتاريخ، أورد هيكل “الأخطاء العشرة” التي عدها الروس أو السوفييت على العرب في العلاقات التي جمعت بينهم، تلخص هذه الأخطاء مدى تفهم الروس أن لجوء العرب إليهم ما هو إلا جسر قصير أو همزة وصل يصل من خلالها العرب إلى حضن أمريكا، هذه الأخطاء “العشرة” ذكرها مسؤولون سوفييت كبار في القرن الماضي، أوجزها في 5 نقاط متتالية:

– إنكم تجيئون إلى الاتحاد السوفيتي بعد أن تذهبوا إلى الغرب ثم تصلون معه إلى حالة اليأس, تجيئون إلينا مضطرين كأنما نحن أمامكم بديل تقبلون به حين لا يتبقى أمامكم غيره. (السفير السوفيتي الأسبق في القاهرة فلاديمير فينوجرادوف)

– إنكم تجيئون إلينا وتحاولون مخاطبة الغرب من فوق رؤوسنا. كل واحد منكم أتى إلينا بدأ كلامه العلني في موسكو بالضغط على اختلاف عقائده مع عقائدنا، ولم نتصور نحن أن عقائدكم يمكن أن تتفق مع عقائدنا. ثم إن غيركم في العالم لا يفعل ما تفعلونه في هذا الشأن، وأن تصروا عليه دومًا فإن هذا معناه شيء واحد وهو أنكم من عندنا توجهون رسالة اعتذار إلى الغرب عن مجرد وجودكم عندنا. (ميخائيل سوسلوف)

– لا أعرف لماذا تحدث حالات اعتقالات الشيوعيين في العالم العربي بعد زيارات يقوم بها زعماؤهم إلى الاتحاد السوفيتي، كأن زياراتهم صك براءة يعطيهم الحق في تغطية اعتقالاتهم للشيوعيين. الغريب أنه لا أحد غير العرب يفعل ذلك. (بوريس ماناموريوف)

– إن بعضكم يتصور أنه يستطيع التعامل مع الاتحاد السوفيتي وكأنه تاجر سلاح، وهذا نزول بعلاقتنا عن المستوى المطلوب، عندما قررنا تسليح العرب أيام جمال عبد الناصر فقد كنا نتعامل بمنطق مساعدة حركة استقلال وتحرر وطني. (بريجينيف)

– ما إن تسنح فرصة للالتحاق بالولايات المتحدة وتركنا نحن في الهواء حتى ينتهزها بعض أصدقائنا من العرب. نحن لسنا ضد أي علاقات طبية بينكم وبين الأمريكيين، وفي مرات كثيرة فقد كنا ننصحكم بتحسين علاقتكم مع واشنطن. (أندروبوبف)

هذه الأخطاء التي عدها الزعماء السوفييت على العرب، تؤكد أن الحديث عن مشروعات نووية روسية أو تفاهمات اقتصادية لن تجدي نفعًا وهي مجرد سراب – بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى بشأن وضع روسيا الاقتصادي- وهو ما بدا من تصريحات السفير الروسي في القاهرة حين قال عقب مغادرة بوتين إلى روسيا” إن الإعلام المصري بالغ بشدة في إنشاء مفاعلات نووية في مصر، الأمر يحتاج إلى وقت طويل.

أفضل ما يمكن أن يقال بخصوص الارتماء المصري أو بعض دول العالم الثالث في حضن الدب الروسي، هو تعليق الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابه “العلاقات بين العرب والسوفييت”: “إن بعض دول العالم الثالث تصنع معجزة تغيير الطائرات في الجو، تقلع مع الاتحاد السوفيتي وتنزل إلى الأرض مع الولايات المتحدة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد