الأهداف الأمريكية تطبخ على نار هادئة، من الوصول للشواطئ الدافئة إلى احتمالية تقسيم العراق.

عادة ما يرمي الأمريكان بالونات اختبار سياسية إستراتيجية، هكذا تسميها الخارجية الأمريكية، لكشف المستور في عقليات الساسة الذين يتعاملون معهم في البلدان الأخرى وتحديدًا بلدان منطقة الشرق الأوسط.

لكن الحقيقة من خلال متابعة السياسات الأمريكية، أن هذه البالونات هي إستراتيجيات مؤجلة التنفيذ أو أنها تطبخ على نار هادئة، وهو الهدوء الأمريكي الذي قد يستمر عقودًا من الزمان حتى تكون الطبخة جاهزة للتقديم، فيأتي الحمل المسكين ليقع في فخها، وهو فخ في غالب الأحيان لا فكاك منه، لأن عناصر الطبخة قوية ومحكمة وغير قابلة للتبديل كالألبسة.

عام 1975 أنشأ الأمريكان ما سمي حينها «قوات القبعات الخضر» وقالت الدفاع الأمريكية حينها إن هدف هذه القوات هو «الوصول إلى الشواطئ الدافئة»، وهي شواطئ منابع النفط في الخليج، ولم يكن الإنشاء بسبب عدم التواجد الأمريكي في هذه الشواطئ، أو بعد الأمريكان عن منابع النفط؛ وإنما كان السبب هو تأكيد الحضور العسكري القوي والمؤثر في القرار السياسي لبلدان المنطقة، خصوصًا بعد حرب أكتوبر عام 1973 التي أنتجت شعارات من نوع «نفط العرب للعرب» وأدت إلى قطع النفط عن الدول الأوروبية واشتعال أزمة وقودية حادة بسبب قرارات دول النفط الأوسطية والعربية خصوصًا.

القبعات الخضر التي تحول اسمها إلى «قوات التدخل السريع» حققت هدف الوصول للشواطئ الدافئة عام 1990 بعد أن غزا صدام حسين الكويت، بخدعة دبلوماسية أمريكية، وما جرى من حرب فيما بعد، والتي أجلست التدخل السريع على منابع النفط دون شكوك أو احتمالات. عمليًّا الهدف تحقق بعد 15 عامًا بالتمام والكمال!

عام 1991 وبعد إخراج الجيش العراقي من الكويت، قال بوش الابن «هدفنا إسقاط نظام صدام حسين وإنقاذ الشعب العراقي والمنطقة من مغامراته العسكرية». هذا «البالون» الأمريكي تغيرت مفردات تفسيره وتسويقه، وتحوّل بقدرة قادر إلى إعلام أمريكي يقول إن الهدف ليس صدام وإنما حماية دول المنطقة وأن الإطاحة بصدام من مهام الشعب العراقي وأن أمريكا الطيبة لن تتدخل في هذا الشأن!

وسوّقت بديلًا عن ذلك قضية أسلحة الدمار الشامل، حتى وصلت فرق التفتيش إلى غرفة نوم القائد والمؤسسات الأمنية والمعسكرات الأكثر أهمية لنظام صدام الذي كان يتآكل من الداخل، وتبيّن لصدام بحسه وخبرته مع الأمريكان، أن الهدف هو لا غيره، فأرسل ابنه عدي إلى بيروت، حيث جرت مفاوضات مع السفير الأمريكي بوساطة رجل أعمال لبناني، إذ قال عدي صدام للمفاوض الأمريكي «تستطيعون الحصول على ما تريدونه بالسلم ودون الحاجة إلى إسقاط النظام»، وجاءه الجواب كالعادة دبلوماسيًّا «لا علاقة لنا بالنظام نريد أسلحة الدمار الشامل»، وبما أن عديًّا يعرف أن لا أسلحة دمار شامل لدى أبيه أجابهم «قد لا تستطيعون الحصول عليها» لإيهامهم أن الأسلحة موجودة باعتبارها آخر ورقة رابحة لصدام حسين لوقف الاندفاع الأمريكي!

الذي حصل فيما بعد أن نظام صدام سقط على يد الأمريكان عام 2003 بعد إطلاق بالون إسقاطه عام 1990 أي تحقق الهدف الأمريكي بعد 13 عامًا بالكمال والتمام.

عام 2005 قال عضو مجلس الشيوخ الأمريكي «العلاج الناجع لأزمة العراق تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم وربما دول». وتتلخّص فكرة المشروع بتقسيم العراق لثلاثة أقاليم «سنّية وشيعية وكردية، تتمتع باستقلال شبه ذاتي مع الإبقاء على بغداد عاصمة».

الأمريكان تركوا البالون حرًّا طليقًا لترمى عليه سهام الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، بل وحتى بوش الابن نفسه وأوساط سياسية عراقية من السنّة والشيعة والتيارات الليبرالية والمدنية.

السياسيون العرقيون بدؤوا «يكرّزون» المشروع بالظاهرة الصوتية والشعارات الفارغة، فيما كانت خطوات تنفيذ المشروع تسير بخطى حثيثة، وهو ما شهدته البلاد من تطورات وانقلابات في المشهد السياسي والعسكري والعنفي، وبعد أن كان الحديث عن الأقاليم من محرمات الخطاب السياسي العراقي أصبح الحديث عن تقسيم العراق مجالًا للنقاش والتباحث والاحتمالات حتى بين القوى السياسية المتنفذة في البلاد رغم خطابات العراق الواحد الموحد!

وآخر ما قاله بايدن نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإحدى القنوات العراقية

«العلاج الناجع الآن أيضًا، هو الفيدرالية إذا لم يرد الساسة العراقيون الذهاب إلى خيار التقسيم باعتباره إستراتيجية مطروحة»، وأضاف «من المفيد تشكيل ثلاث فيدراليات متاخمة لبعضها البعض ولكل منها جيشها واقتصادها وقرارها المستقل في إطار عراق مركزه بغداد»، وبين «إقليم للكرد في الشمال وآخر للسنة في الوسط وإقليم آخر للشيعة يمتد من بغداد وإلى البصرة».

ربما سيكون لساسة العرق خيار القبول بمبدأ بايدن، قبل الوصول إلى ما قاله رئيس جهاز المخابرات الأمريكي السابق، أن الخارطة الجديدة للمنطقة لا تتضمن دولًا مثل العراق وسوريا ولبنان، طبعًا لا يعني أن هذه الدول ستتبخر على قاعدة دورة المياه في الطبيعة، لكنها ستتقسم وعندها لن يكون الحديث عن العراق إلا بوصفه تاريخًا!

وفيما تسير العجلة في هذا الاتجاه، ينغمس ساسة العراق بالمزيد من الانقسامات والخطابات الطائفية، والانخراط بغباء في كواليس الأفكار البايدنية التي ينفذونها دون دراية، فما يحدث على أرض الواقع ليس إلا تجسيدًا لمقولات بالونية طرحت منذ عام 2005.

لكن السؤال: هل أصبح الإعلان عن سيناريو الفدرلة أو التقسيم بتفاصيله وإمكانية التفاوض عليه ممكنًا؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد