أفلام في منتهى الجودة والعبقرية الإخراجية تحوي أبشع أنواع القتل من ذبح وحرق ونحر للرؤوس دون استخدام أي خدعة سينمائية في صناعتها، فليس هناك كروما في الخلفية، وليس هناك فوتوشوب، وليس هناك مونتاج.

إنه قتل حقيقي يتم تصويره حيًّا من مشاهد تحدث بالفعل، وأناس حقيقيون ليسوا بدمى يموتون ويتم تسجيله وإذاعته من داعش مستعرضة به ما وصلت إليه من وحشية وقسوة في تعاملها مع أسراها وضحاياها.

شخص متدين تكاد تبلغ لحيته حد قدميه لا يتحدث دون أن يظهر على لسانه ومخارج ألفاظه ومناطق حروفه آثار تلاوة القرءان ومهارة تجويده، يتجول وفي يديه حاسوب محمول core i7 ويعلم كل شيء عن البرمجة ولغاتها، وكل أنواع التكنولوجيا ومصطلحاتها الإنجليزية الأكثر تطورًا.

لابد أنه من أغرب المشاهد التي سيُذكر بها هذا القرن من الزمان، دائمًا ما أعتدنا في حديثنا عن المتطرفين الأصوليين بأن نصفهم بالرجعية التكنولوجية وخصامهم الدائم مع كل إنتاجات الحداثة من الميكروفون (كما في فيلم حسن ومرقص) للطيارات والحاسوبات، فكلها إنتاجات العالم الغربي الحداثي الكافر الزنديق المتربص دائمًا وأبدًا بإسلامهم الحنيف.

إذًا فمتى كان هذا التصالح بين هولاء الداعشيين وبين أعظم وسائل التكنولوجيا وإصدارات العالم الرقمي؟ متى تصالح أرباب الجلباب والبنطال القصير مع الحاسوب الإلكتروني ومع مواقع التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا تدفق المعلومات؟

متى تصالح كارهو الفن وباغضوه مع كاميرات كانون الاحترافية وفنون التصوير والإخراج السينمائي ليخرجوا بها تلك المشاهد الهوليوودية الفائقة الجودة؟

في حين أنه يمكن أن ترى أكاديميًّا فذًّا في جامعة هارفارد له ميول يسارية يرفض بمنتهى التشدد أن يتعامل مع إنتاجات شركة مايكروسوفت حتى لو كانت الأفضل والأكفأ لكي لا يصب استخدامه في دعم الرأسماليات العابرة للقارات!

اخترع العالم الحاسوب وكان هؤلاء الأصوليون في سجون أنظمة العالم يُقمعون، أو في جبال أفغانستان، وتم تصغير حجم الحاسوب وتطويره ولم يخرجوا هؤلاء الأصوليون من سجونهم، وتم اختراع الهاتف الجوال ولم يكونوا قد برحوا أماكنهم من الجبال والمعتقلات، وصعدت تكنولوجيا المعلومات والتسويق الإلكتروني في الوقت الذي كانوا فيه يعذبون في جوانتنامو ومعتقلات أمن الأنظمة العربية.

إلا أن جميع الأبحاث تثبت أن الإنترنت كان قبلة الحياة لهؤلاء المجاهدين؛ حيث مكنهم من التواصل في مختلف أنحاء العالم وببحث بسيط على موقع جوجل يمكن أن تتكشف لديك كم المنتديات والمواقع الدينية التي تجمعهم من كل بقاع الأرض.

يظل إذًا ثلاثة أسئلة هم الأكثر إلحاحًا أمام ظاهرة تحالف الجهادية الأصولية وإنتاجات الحداثة، من هاجر إلى من أولًا؟

وكيف حدث ذلك؟

ومتى؟

لا أستطيع في الحقيقة الإلمام بالأيديولوجية الداعشية واستيعابها والتعرف على منظومة قيمهم وكيف يسير تطورها، ولكن يمكننا أن نفترض أن هؤلاء الأصوليين قد استطاعوا أن يجددوا من أفكارهم كي يستوعبوا تلك الإنتاجات والتعامل معها ضمن أفكارهم؛ رضوخًا لمعايير القوى العالمية العسكرية والتكنولوجية، ولذلك استجلبها هؤلاء المجاهدون عن عمد كي يستطيعوا مجابهة العالم في معركتهم.

ويمكننا أيضًا أن نفترض أن تلك الإنتاجات هي من هاجرت إلى داعش مع هؤلاء المجاهدين الأصوليين الذين ينتمون إلى بيئة الفكر الحداثي، والذين جاؤوا من أوروبا وكل بقاع الأرض مشبعين بتجاربهم الشخصية والمجتمعية لينتجوا في النهاية خليطًا فذًّا من الدراية والعلم بكثير من المناحي والأمور، خاصة وأن تلك العقيدة الجهادية لا تتوقف عند الجهلاء كما يظن البعض، فهي تطال الطبيب والتقني والمهندس وكل أنواع المهن.

لا بد أن هناك حسرة ما في قلب منظري الحداثة ومخترعي تلك الأدوات التي تستخدمها داعش، وهو ما أسماه الفيلسوف مراد وهبة (خيانة الحضارة)، عندما يرون أن إنتاجات الحداثة لا تروج لقيم الحداثة، بل ساعدت الفئة الأكثر وحشية وقسوة على الترويج لمادتها الفكرية الأكثر أحادية وشمولية مما سبقها في تاريخ العالم من أفكار.

فالعولمة كانت للتطرف الفكري والاستسياد الديني كما كانت لقيم الرأسمالية والاستهلاك! فلم يكن هذا التحالف ما بين الأصولية والحداثة بجديد هذه المرة، فالتاريخ يسرد لنا الكثير من الوقائع المختلفة لهذا التحالف ما بين الجماعات الإسلامية كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية بباكستان واستدعائهم لمفاهيم العنف المسلح والطليعة الثورية من أيديولوجيات فاشية ويسارية كما تذكر الكاتبة الإيطالية لوريتا نابليوني في كتابها (الجهاد الحديث).

يظل أمام ما نشاهده، واجب علينا للرمق الأخير في نضالنا من أجل مجتمعنا البشري أن نتعلم من داعش التي تخطت أفكارها وأهدافها حد اللون والجنس والعرق وحد أيديولوجيتها الذاتية واجتذبت عناصر بمنتهى المهارة من ثقافات مختلفة بأفكار مختلفة ليجتمعوا على عقيدة واحدة يقاتلون ويفكرون ويبدعون من أجلها.

قد تكون تلك العقيدة هي أسوأ ما أنتج العقل البشري وأخطره، ولكن كيفية نشرها وتخطيها لجميع تلك العقبات يظل درسًا لا بد أن نستقصيه من حين لآخر، في ظل ما وصل إليه العالم من ضيق واختناق فكري من أوهام القومية والحدود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد