لا أدعي أني سأقدم إجابة للسؤال، لكن على الأقل سأدلك على الطريق للإجابة، إذا كنت تريد أن تعرف الكيفية والسبب، أمامك أحد خيارين:

– إما أن تقرأ لفهم كيف ولماذا فاز ترامب.

– أو تُرجع ذلك لأول سبب يقابلك، فتنشره على صفحتك، وتكتبه في تعليقاتك، وتعتقد – وهذه هي المشكلة – أن هذا هو السبب الحقيقي لفوز ترامب.

مثل: أنها امرأة مكسورة الجناح وهو رجل، وأن الغرب وأمريكا على وجه الخصوص، رغم ما تدعيه من تقدم وحرية ومراعاة حقوق الإنسان والمرأة، لا يزال شعبها يرفض أن تتولى أمرهم امرأة. متجاهلا أن هذه المرأة تغلبت على المرشح المنافس ساندرز، وأنها حظيت بترشيح الحزب الديمقراطي، وحصلت على (218) صوت، وكانت قاب قوسين من كرسي الرئاسة، ولم ترتفع لافتة واحدة فيما أعلم، تشكك في صلاحيتها للترشح لكونها امرأة.

أو أن تكون عنصريا فتصم الأمريكيين بأنهم شعب جاهل وغبي ومتعصب وغوغائي، وأنهم انتخبوا شخصا مثلهم جاهلا وغبيا ومتعصبا وغوغائيا.

أو أنه مليونير وهي – يا عيني – على قد حالها، وأن المال يتحكم في السياسة، رغم إن حملتها صرفت أضعاف حملة المليونير التي تعتبر حملته من أكثر الحملات اقتصادا في تاريخ أمريكا.

طبعا ليس مقصود الكلام تجميل وجه الرئيس والمجتمع الأمريكي، أو الحجر على التعليقات الطريفة، لكن مقصوده عدم الاقتناع بأن هذه التعليقات الطريفة هي سبب نجاح ترامب.

خذ مثلا بعض أفكار ترامب التي نراها باعتبارنا مسلمين وغرباء عن أمريكا أفكارا شاذة.

– يريد ترامب بناء سور بينه وبين المكسيك لعدم تسلل المهاجرين، ويصف هؤلاء المتسللين بأنهم مجرمون! أليست هذه فكرة شاذة من وجهة نظرنا، كيف ينتخب الأمريكان من يقول بها؟!

نرجع إلى واقع دولنا (العربية والإسلامية) ستجد السور موجودا على طول الحدود بين الأغلبية العظمى من الدول (الشقيقة) – ليس سورا حقيقيا لكنه على أي موجود – والسلطات والقوانين تمنع تسلل أي شخص من خلال الحدود، وتنظر له أنه خطر على الأمن الوطني، وأنه سيسبب خسائر اقتصادية ليست على استعداد لتحملها، وأنه سيشارك شعبها لقمته، وأنه (مجرم) خالف قوانين البلد، يجب أن يسجن ويحقق معه، أو على الأقل يبعد ويمنع من دخولها البلاد مرة أخرى، حتى ولو بصورة قانونية. وشعوب كل بلد تؤيد هذا الإجراء، ولا ترى فيه أي تعصب أو عنصرية. هل زاد ترامب على أن صرح بما نقوم بتطبيقه عمليا على الأرض؟

أمر آخر: عندما نرى سائقين وعمالا في دول الخليج غير مسلمين، فإن البعض منا باعتبارنا مسلمين، يتمنى تصريحا أو تليمحا على هذه الدول أن لو كانت حرصت بصورة ما على استقدام المسلمين، لا سيما في بلاد الأقليات التي تعاني الفقر والاضطهاد، كنوع من التقوية لهم، وفي نفس الوقت الحرص على بنائها الاجتماعي، بدل أن يأتي هؤلاء الذين ليسوا على دين الإسلام ولا يعرفون العربية لأخذ فلوسها، والتأثير بصورة ما في سلوكيات المجتمع.

– مثل أخير: يتوعد ترامب المهاجرين بالترحيل، سلوك عنصري بلا شك، لكن الأغلبية العظمى من سفاراتنا (العربية والإسلامية) مغلقة تماما في وجه السوريين، حتى ولو مجرد زيارة محدودة المدة.

يبدو أننا أيضا عنصريون بدرجة ما.

طبعا لترامب تصريحات ومواقف كارثية وفضائح وسلبيات، لكن ضربت هذه الأمثلة لتصور كيف يفكر الآخر، الشعب الأمريكي الذي انتخب ترامب، من غير أن يجد نفسه عنصريا، أو مناهضا لحقوق الإنسان.

الخلاصة، العوامل متعددة: العنصرية، والعامل الديني، وجود انتقادات كثيرة لكلينتون على مدار تاريخها السياسي، فترة حكم زوجها، استخدام بريدها الشخصي، مواقفها كسيناتور وكوزيرة خارجية، الأداء السياسي الخارجي الضعيف للرئيس أوباما، الرغبة في التغيير. كل هذه وغيرها، ومن الغفلة أن نتصور أن عشرات الملايين من الناس قد خرجوا وانتخبوا شخصا ونجحوه، لسبب وحيد من هذه الأسباب.

علينا أن نأخذ بالخيار الأول، نقرأ لنفهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد