«إذا كانت السياسات الاقتصادية للدول الكبرى والصغرى والحكومات القديمة والحديثة للدول تعد كقطع الدومينو بالنسبة (للولايات المتحدة الأمريكية) فكذلك الحياة السياسية لتلك الدول» [جون بريكنز](1).

إن المتابع للسياسات الاقتصادية والنظم السياسية للدول سيعرف أن الوضع لم يعد يفضي إلى مضمون صحيح، وأصبح يغلب عليه طابع الضبابية المعتمة، فما أن تكترث لدولة ما حتي تراها حليفة لأخرى، وما أن تمسي حتى تراها أمست عدوة لها فتراها في أول المطاف تتغنى بوحدتها معها، ثم تراها أخيرًا تسبح بنفسها بعيدًا عنها، بل تنتقد نظمها السياسية، وما أن تكترث أيضًا إلى دولة ما فتراها اقتصاديًا قد أصبحت من مصاف الدول المتقدمة، ولا يكاد أحد يتبأ لها بمستقبل إلا وتفعم تنبؤاته بالتفاؤل علي المدى البعيد، لكن لا يكاد يمر من الوقت الكثير إلا وتراها أمست تعد من الدول المتأخرة اقتصاديًا!
وعلى العكس أيضًا لا تكاد تكترس لإحدى الدول المنتمية إلى (العالم الثالث) كما يطلق عليها وقد بلغ الفقر منها ما بلغ إلا وتراها بين حين وآخر قد أصبحت من أقوى اقتصاديات العالم.
وحتى نستطيع تفسير تلك الظاهرة الاقتصادية لابد من طرح سؤال عام.. هل السياسات الاقتصادية للدول بشكل عام، والدول النامية بشكل خاص مرتبطة بذاتها؟ أم أنها جزء من كل تابع لسياسات دول أكبر؟ أو بالأحرى هل (التكتلات الاقتصادية الكبيرة) تشكل أي نوع من أنواع التأثير في اقتصاديات تلك الدول؟ دعونا نبحث ونرَ.

حسب موقع CNN.. أعلنت مؤسسة «فيتش» العالمية للتصنيفات الائتمانية، عن رفع التصنيف الائتماني لمصر، من B إلى +B، مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وفي حيثيات ذاك الإعلان ذكرت الموقع.. (تتوقع وكالة التصنيف العالمية أن يتراجع إنفاق الدولة على الأجور والإعانات والفوائد بنسبة تقارب 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يونيو (حزيران) 2016 إلى يونيو 2020، كما تستهدف السياسة النقدية للدولة خفض التضخم إلى أقل من 10%، وزيادة الاحتياطيات من العملات الأجنبية لتغطي ستة أشهر من المدفوعات الخارجية الحالية. ومن وجهة نظر فيتش، ستستطيع الحكومة المصرية خفض العجز إلى 4.5% من الناتج المحلي في عام 2020، كما سينخفض معدل الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 83٪ في 2020، من 93٪ عام 2018، والذي بلغ ذروته في 2017 بـ103٪) (٢).
أي بمعدل 10٪ سنويًا. وحسب هذا التوقع فإن معدل الدين العام نسبة إلى الناتج القومي سيصل إلى 3٪ بحلول عام 2028. فما الداعي إذًا إلى تصنيف مصر لمستوى إقراض أعلى؟

في حين أنه حسب ذكر وزير المالية المصري فإن سياسة سداد الدين (الفائض الأولي) ستسري بمعدل 2٪ سنويًا بداية من 2020، حيث قال: «سوف تقوم مصر بسداد 541 مليار جنيه (فوائد ديون) + 276 (أقساط ديون) ليصل الناتج إلى..817 مليار جنيه إجمالي الدين العام في 2018/2019، أي ما يساوي حوالي 78.6% من موازنة عام 2019/2020 والتي تبلغ 989 مليار جنيه. وهذا يعني أن الدولة سوف تتجه للاقتراض من جديد، على أن تتبع الدولة سياسة (الفائض الأولي) والذي يصل في الموازنة الجديدة إلى 2%، تدريجيًا لتخفيض قيمة القرض سنويا»(٣).
وإذا فرضنا ثبات الفائض الأولي سنويًا عند 2% (مع ثبات كل المعدلات الأخرى على حالها) فإنه حسب سياسات الحكومة سوف تصل ديون مصر نسبة إلى الناتج المحلي 0% بحلول عام 2059. (نتيجة تحليلية). وهذا ما يجعلنا ننتقل إلى نقطة الصفر.. ما الداعي إذًا إلى تصنيف مصر لمستوى إقراض أعلى؟

ولفهم حقيقة ذلك ننتقل إلى ما حدده «john perkins» في كتابه (Confessions of an economic hit man) عن دوره – مثل أقرانه من صفوة الخبراء في الشركات الاستشارية الأمريكية الكبرى – في استخدام المنظمات المالية الدولية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأمريكية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك، فالخبير يقوم بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة، بغرض تطوير البنية الأساسية، وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأمريكية بتنفيذ هذه المشروعات. والأموال بهذه الطريقة لا تغادر الولايات المتحدة، حيث تتحول ببساطة من حساب بنوك واشنطن إلى حسابات شركات في نيويورك أو هيوستن أو سان فرانسيسكو، ورغم أن هذه الاموال تعود بشكل فوري إلى أعضاء في الكوربورقراطية (حكم منظومة الشركات الكبرى)، فإنه يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد. وقد اعترف بيركنز بأن مقياس نجاح الخبير يتناسب طرديًا مع حجم القرض، بحيث يجبر المدين على التعثر بعد بضع سنوات، وعندئد تفرض شروط الدائن التي تتنوع مثل الموافقة على التصويت في الأمم المتحدة أو السيطرة على موارد معينة في البلد المدين، أو قبول تواجد عسكري به، وتبقى الدول النامية بعد ذلك كله.. مدينة بالأموال، ولكن في ظل الهرم الرأسمالي التي تشكل أمريكا قمته حسب التلقين الذي يتلقاه الخبراء بإعتباره واجبًا وطنيًا ومقدسًا.(٤)

إن البناء الاقتصادي النموذجي للدول لا بد أن يرتكز بالمقام الأول على إجابة واحدة ثابتة لا تغيير فيها، ولا تبديل لسؤال اقتصادي هام.
هل السياسات الاقتصادية المحلية للدول قائمة بذاتها فحسب. أم أنها جزء من كل كبير تابعة له يساعد في تشكيلها؟
إذا لم تكن الإجابة أن تلك السياسات الاقتصادية قائمة بنفسها في المقام الأول مع مساعدة غيرها لها، لكن مع الاحتفاظ بحقها فالاستقلال فقط. (الحلقة المفرغة للاقتصاد والسياسة)(٥) فلا يمكن حينها أن تصل تلك الدول صاحبة تلك السياسات إلى البناء الاقتصادي النموذجي. وذلك لتعارض حق الاستقلال مع مبدأ التبعية، ولا يجتمع نقيضان على صعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد