إن أردنا تعريفًا مبسطًا للجيش فهو يقصد به عدد كبير من الأفراد الموظفين والمدربين للقيام بمهمة معينه. وفي حالة القوات المسلحة لدولة ما فهي تعني جيشًا أو عدة جيوش وطنية مسلحة تقوم بمهام قتالية وبشكل رئيسي خوض الحروب.

تستمد تلك المجموعة المسلحة شرعية وجودها وشرفية وسمو مهامها من خلال العقد الاجتماعي بينها وبين المجتمع المدني المفترض أنه الحاكم للدولة الحديثة، والتي من المفترض أنها «القوات المسلحة» مؤسسة من مؤسسات الدولة خاضعه لإدارتها ورؤيتها العامه، وأفرادها في الأساس هم جزء من هذا المجتمع؛ يقوم هذا العقد على توظيف المجتمع لهذه المجموعة وتسليحهم وتدريبهم ودفع رواتبهم، لتقوم القوات المسلحة بالائتمان على مهام الحماية من الأعتداءات الخارجية وسلامة الحدود وصيانة أراضي الوطن مستقلة والتدخل في حالة الطوارئ القصوى كحدوث كوارث طبيعية أو دعم الشرطة في محاربة الإرهاب.

ما دامت القوات المسلحة في بلد ما تعمل في الإطار السابق ذكره وتقوم بهذه المهام بكفاءة، فإنها دائما تحظى بتقدير واحترام الشعوب نظرًا لأن أفرادها يواجهون خطر الموت من أجل أن يعيش الآخرون بسلام، حتى أن الأديان وعدتهم بمنزلة عالية نظير القيام بهذا العمل.

غير أن الصورة أحيانًا كثرة تنقلب فقد رأينا كيف أن وجود تلك القوة في يد مجموعة من الأفراد تغريهم بالخروج عن إدارة السلطة المدنية ولقلب المعادلة أي أن تصبح السلطة المدنية هي الخاضعة للقوات المسلحة وتصبح القوات المسلحة مهمتها هي إدارة مؤسسات الدولة بالقوة المفترض استخدامها ضد الأعداء لتفرض معادلة صفرية وهي القوة التي بها تفرض الإرادة السياسية واستراتيجيات الإدارة والخطط المستقبلية ويتم هنا اختيار الولاءات للمناصب لا الكفاءات؛ ومن هنا عمليًا يعتبر العقد الاجتماعي بين الشعب وتلك المجموعة المسلحة قد سقط عمليًا وأصبح ملغى؛ ولا تتوقف الأمور عند هذا الحد بل أن الممارسات تبدأ بقمع كل من يعارض ذلك او يحاول إخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية مرة أخرى وهو ما يسمى انقلابًا.

غير أن القوات المسلحة في حالة الانقلابات العسكرية أو التحالف مع نظام سياسي ديكتاتوري تلقى مقاومة من عامة أبناء الشعب أو فئة على الأقل ليكون الرد بالقوة وإدخال البلاد في حالة من الفوضى والاحتراب، التي ما إن بدأت لا يعرف لها متى تنتهي؛ وبمرور الزمن نجد أن تلك القوات المسلحة تبدأ بممارسات المليشيات غير النظاميه أو المرتزقه والتي تتسم بأن لغتها هي القوة ثم القوة ثم القوة.

وفي الآتي بعض الممارسات التي تتطابق فيها القوات النظامية مع المليشيات غير النظامية.

القفز فوق القانون: حين يكون الحكم ييد جماعة مسلحة، فإن القوة المفتوحة وغير المسئولة وغياب المحاسبة تلقائيًا يجعل أفراد القوات المسلحة فوق القانون، ومستثنين سواء فيما لهم أو عليهم بحماية من رؤوس المؤسسة العسكريه نفسها كما سمعنا السيسي ذات مرة يقول «الظابط اللى هيقتل أو يصيب مواطن مش هيتحاسب».

المحاكمات العسكرية للمدنيين: المدنيون من المفترض أنهم يحاكمون في المحاكم المدنية غير أنه من الممارسات المليشياوية هو القبض عليهم بواسطة الشرطة العسكرية واقتيادهم لمحاكم عسكرية تشكل للانتقام السياسي من الخصوم، وتتسم هذه المحاكمات بغياب الشفافية وسرعة الأحكام التي عادة ما تكون جائرة كالاتهامات أيضًا.

خطف المعارضين: إخفاء المعارضين السياسيين واحتجازهم لسنوات في سجون حربية أو ما يسمى الاختفاء القسري بلا سند رسمي يفيد أنهم بحوزة السلطات الرسمية هو ممارسة مليشياوية لا تمت لأعمال الدولة النظامية بشيء، وإنما هو عمل عصابي إجرامي من المفترض إذا كانت القوات المسلحة وطنية وشريفة أن تحمي المواطنين من التعرض لتلك الجرائم المروعة.

الإعدامات الميدانية: من المفترض أن قوات وزارة الداخلية هي المنوط بها ضبط المجرمين والتحقيق في اتهاماتهم وتقديمهم للعدالة غير أننا لا نرى هذا المسار في حالة تواجد القوات المسلحة في المدن التي تزداد معها الإعدامات الميدانية وتصف ضحاياها بالعناصر المارقة أو الإرهابية إلى آخره من تلك التهم المقولبة والمجهزة، التي لا يتسنى لرقابة المجتمع المدني معرفة ما إن كان هؤلاء القتلى بالفعل إرهابيين أم أنها حالات تصفية جسدية لمعارضين سياسيين؛ ونجد تكرار مصطلحات الانتقام والثأر وانتشار مقاطع يصورها الضباط والجنود نفسهم لعمليات القتل أو التعذيب للتباهي وهو عمل مليشياوي أبعد عن الجيوش النظامية.
قمع المظاهرات: التظاهر السلمي المفترض أنه حق أصيل لكل إنسان حر، ولنفترض أن هناك انفلاتًا فالمنوط بضبط النظام هو قوات الشرطة دون قمع المتظاهرين؛ غير أن تدخل الجيوش لقمع تلك التظاهرات وهي غير مدربة للقيام بذلك فنجد أن خيار القتل والتصفية هو الخيار الأول للمواطن إن رفض طاعة الأوامر العسكرية للنظام، وبالطبع تلك القوات غير مدربة على شيء إلا القتل ولكنها تمارس ما هو أبشع من ذلك، كحرق الجثث أو إلقائها في المياه واغتصاب النساء؛ في تحول غير شريف لبوصلة السلاح تجاه أبناء الوطن بدلًا من العدو.

تمرير القوانين عنوة: سن القوانين واتخاذ القرارات له قنوات تشريعية معينة كمجلس الشعب والمحاكم الدستورية، غير أنه تحت حكم السلاح تمررها المجالس العسكرية سواء بتوظيف المشرعين أو بقرارات أمنية تحت أي مسمى كالطوارئ مثلا، دون الأخذ في الاعتبار الرفض أو الموافقة الشعبية أو المزاج العام أو حتى اعتراض المؤسسات التشريعية أو الرقابية، وفور إصدار أي قرار مرفوض شعبيًا ترفع من درجة استنفار القوات العسكرية في الشوارع والميادين لإجبار الجميع على الانصياع.

البلطجة على المدنيين: من المفترض أن المواطنين سواسية أمام القانون غير أنه في حالة حدوث أي نزاع بين مدني وعسكري نجد أن الفرد العسكري يلجأ للبلطجة محتميًا في منصبه، لتهديد خصمه، وإن استدعى الأمر لقوته المسلحة للحيلولة دون خضوعه للقانون في حسم النزاع، حتى وإن كان ذلك جهارًا نهارًا أمام الجميع، فإذا كان رب البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت الرقص.

امتيازات العسكريين: في هذه الحالة نجد أن هناك فارقًا يتسع دائمًا بين المدنيين والعسكريين، فالمدنيون تسلب منهم الامتيازات، بينما تزداد لصالح العسكريين، فنجد أن أغلب النوادي والأماكن السياحية أصبحت تابعة للقوات المسلحة محرم على المدنيين دخولها بالإضافة للكومباوندات والتسهيلات في كل شيء هي للعسكريين فقط في مشهد يبدو كأنه توزيع للغنيمة.

توزيع المناصب: في هذه السياسة تعلي القوات المارقة مصلحتها عن مصلحة المواطن، فتوزع المناصب على أصحاب الولاءات لا الكفاءات، حتى ولو كانوا من أصحاب المعاشات الذين لا حاجة لهم للعمل وغالبًا ما تتسم إدارة هؤلاء بمعاملة الموظفين والكوادر كجنود لا كعاملين.

بشكل عام بيت القصيد من كل ما سبق أنه علينا أن نعلم أن دور القوات المسلحة الوطنية هو فقط حماية الحدود والأمن من الأخطار الخارجية، وأنها تتبع وتخضع لإدارة مدنية وأن أفرادها هم موظفين كأي موظفين آخرين، وأن رسم السياسات والإدارة السياسية هي أبعد ما يكون عنهم لأنهم غير مؤهلين تمامًا لذلك الدور فضلًا عن أنه ليس لهم بالأساس؛ وأن تخطي ذلك الدور يحول القوات المسلحة بمرور الوقت لمليشيا مسلحة كبيرة العدد والإمكانيات مبدؤها لا صوت يعلو فوق صوت البندقية، وعلى الشعب مقاومتها حتى إخضاعها مرة أخرى كما رأينا أيضًا مرات عدة في التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد