السلام عليك

شكرًا لسؤالك، أعتقد أن هذا السؤال وإجابته قد مرَّا عبر ملايين البشر ما بين سائل ومجيب، قرأت كثيرًا مما حاول السابقون تفنيده والإجابة عليه حول هل يمكننا فعلًا تجنب الذكريات المؤلمة وعدم استدعائها مرةً ثانيةً، وهل لنا القدرة على فعل ذلك، وإن كانت القدرة موجودة؛ فهل هي فعلًا مستمرة؛ أم أنها تنتهي عند قدر معين من عدم جلب الذكريات المؤلمة أو استدعائها؟

في إجابتي هنا سأحاول – من وجهة نظري فقط – أن أستعرض كيف يمكن – ولو مجازًا – أن نطبق كيفية التخلص من ذكرياتنا المؤلمة والمريرة.

أعتقد أن هناك نوعين من الذكريات السيئة: الأولى هي الذكريات المؤلمة التي تؤلمنا عندما نتذكرها أو يكون هناك دافعٌ ما كي نسترجعها بشكل ما؛ فتؤلمنا ونؤلم بسببها؛ أما النوع الثاني فهو الذكريات المريرة التي لا تتوقف عن الظهور أمامك بشكل دائم، أو لا تتوقف عن التفكير فيها واستدعائها؛ سواءً بدافعٍ أو دون دافعٍ؛ ذلك النوع من الذكريات هو أسوأ النوعين ببساطة.

هل يمكن التخلص وبشكلٍ دائمٍ من ذكرياتنا التي لا نود تذكرها؟

أعتقد لا؛ بشكلٍ دائمٍ لا؛ ولكن بشكلٍ مؤقتٍ، وعلى فترات يمكن أولًا تحويل ذكرياتنا المريرة تلك إلى ذكريات مؤلمة، ثم التخفيف من حدة الذكريات المؤلمة؛ وذلك عن طريق عدة أساليب:

  • المواجهة: مثل تلك الذكريات المريرة دومًا ما تنشأ لدينا بسبب أشخاص أو أماكن، أولئك الأشخاص هم من يمثلون لنا أسوأ ذكريات يمكن لنا أن نحتفظ بها أو أماكن بشكل ما شهدت على إخفاقنا أو هزيمتنا، أو ظلت حاضرة في فراق أحبة لنا أو أصدقاء لم نعهدهم مفارقين أو بعيدين عننا، أعتقد أن أول خطوة في تحويل ذكرياتك المريرة تجاه هؤلاء الأشخاص أو الأمكنة أن تواجههم، كل ما أمكنك ذلك، فكل مرة ترى الشخص ذاته أو المكان نفسه تقل عندك الذكريات المريرة التي تحتفظ بها في مخيلتك تجاه ذلك الشخص أو المكان، كما أنه قد تنشأ ذكريات أو مواقف ألطف تخفف من حدة تلك الذكريات المريرة، وبمرور الوقت ستتحول تلك الذكريات المريرة لذكريات مؤلمة يمكن تجنبها وإغفالها، وكذلك عدم استدعائها.
  • اصنع ذكريات بديلة: أحرص دومًا على الاحتفاظ بذكريات طيبة وجميلة من أشخاص وأماكن كثيرًا ما مررت بهم كونك حريصًا على أن تُنشئ ذكريات طيبة كثيرة – ولا تشاركها فضلًا على شبكات التواصل الاجتماعي لسبب سنذكره فيما بعد – سيخفف عليك وطأة ذكرياتك المريرة والمؤلمة، وستتلاشى قليلًا قليلًا في ذاكرتك البسيطة وذاكرتك العميقة، وستبقي دومًا تتذكر تلك الذكريات الطيبة طبعًا مع بعض الذكريات المؤلمة التي بمرور الوقت قد تتوارى خلف الستار.
  • حول ذكرياتك المؤلمة لقصص تحكيها على لسان أشخاص آخرين: دومًا ما ألجأ لذلك الأسلوب لأخفف من حدة تداعي الذكريات المؤلمة قدر الإمكان فأصنع قصصًا حولها وأشاركها مع آخرين؛ كي نتعلم الدرس والعبرة منها؛ فأحكيها وأقصها وأشاركها، وفي الوقت نفسه أضع نفسي خارج مسار مرور تلك الذكريات، وكثيرًا ما أنجح في تخفيف حدة تلك الذكريات وتداعيها كلما شاركت قصصًا حولها، وفي بعض الوقت ستُحكى قصة ذكرياتك على لسان آخرين يشاركونك تجربتك أنت، لكن مع بعض التفاصيل الممتعة التي ستحول ذكرياتك تلك لقصة لطيفة تستمتع أنت بالاستماع إليها، بل يمكن تعلم بعض الدروس منها كذلك.
  • كثيرًا ما تتحول الذكريات الجميلة لذكريات بغيضة: لا تتوقف شبكات التواصل الاجتماعي عن تذكيرنا بأحداث وصور مرت بنا منذ سنين؛ لذلك أخبرتك في البداية أن تتوقف عن مشاركة تلك الذكريات والأحداث على شبكات التواصل، صدقني كلما مر يوم عليك وأنت تسترجع ما حدث فيه منذ عدة سنوات معًا ستحبط، الأحوال تتغير والبشر يتغيرون تلك هي سنة الحياة، كذلك أنت تتغير وذكرياتك الجميلة والطيبة في وقت ما قد تصبح تؤلمك وتصبح مريرة عليك، حينما تشاهدها مرة ثانية، طبعًا الأمر ينطبق على كل الذكريات القديمة والحديثة، ولكن لا وسيلة لاستدعاء كل تلك الذكريات معًا في وقت واحد، كما يحدث عندما تمر على ما فعلته مثلًا على «فيسبوك» في اليوم ذاته لعشر سنين مضت سوف تخسر تلك المعركة حتمًا، إن كنت تفعل ذلك فتوقف فضلًا وتوقف عن صنع أحداث ومواقف تشاركها مع آخرين عبر تلك الشبكات، وتذكر أنك العام القادم شخص مختلف بذكريات مختلفة، وبشخصية مختلفة عن شخصيتك الحالية.

قد تنجح تلك الأساليب مع البعض، وقد تفشل مع البعض؛ لأننا مختلفون وقدراتنا على التذكر والحفاظ على الذكريات تتوقف على قوة ذاكرتنا فعلًا، البعض منحهم الله ميزة لطيفة وهي مضاعفة النسيان فينسون من أساء لهم وينسون من صنعوا معروفًا لهم كذلك، والبعض منحهم الله ذاكرة قاسية يتذكرون أتفه التفاصيل التي تجعل سيلًا من الذكريات ينهمر ولا يتوقف، عمومًا كل الذكريات يمكن وضعها خلف الستار إن عملت بجد وتعلمت قدر ما أمكنك، لا تتوقف عن التعلم لأن ضخ معلومات جديدة سواء عن طريق الدراسة أو القراءة أو تعلم مهارة جديدة، أو حتى السفر لمكان جديد واستكشافه يخفف من حدة تلك الذكريات ويضعها في صفوف خلفية.

لا تكن وحيدًا تلك نصيحة أخيرة لأن الوحدة تجلب كل البؤس والشقاء، وتحول كل الذكريات مهما كانت ماهيتها لذكريات بائسة، وسرعان ما تنتهي ليلتك بكل ذكرياتك المؤلمة التي تمتلكها والتي يصنعها عقلك الباطن، الذي يشاركك وحدتك وليلتك وبؤسك، فلا تكن وحيدًا قدر المستطاع، كثيرون مننا يرون في الوحدة رحمة لهم وفي التجمعات شقاء، صدقني إن أحببت أن تتخلص من كل ذكرياتك المؤلمة أو تخفف من حدة ظهورها اطهُ لأقربائك أو ادعهم لقضاء ليلة في الأسبوع عندك، واحرص على أن تكرمهم قدر ما يمكنك، لا تحول نفسك للعمل صباحًا ووحدك ليلًا.

ذاكرة الإنسان هي كل ما يملكه دونها هو مريض، الزهايمر يخلصك من كل ذكرياتك المؤلمة وغير المؤلمة معًا – عافاك الله وعافانا- فالإنسان يتعلم من ذكرياته المؤلمة تلك، وتصنع منك شخصًا أفضل، ودون ذكرياتك المؤلمة تلك لن تستطيع تذوق استدعاء ذكرياتك الحلوة والطيبة؛ فالتخلص من ذكرياتك المؤلمة قد ينجح في بعض الوقت، ولكن ليس كل الوقت.

أرجو أن تفيدك الإجابة بشكل ما!

في وقت لاحق سأحدث الإجابة إن شاء الله! لكن إلى أن يحين ذلك تقبل مودتي.

نشرت هذه الإجابة مسبقًا على موقع كيورا في نسخته العربية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد