بالتأكيد يلزم أن تمتلك حدًا أدنى ومقبولًا من الثقافة، ووجهة النظر الشخصية، أو وجهة نظر تتبناها تجاه القضايا الرئيسة المرتبطة بحياتك، أولًا القضايا الفردية، ثم المرتبطة بالمجتمع، والسعي لمثل هذه الحالة من الرشد أو السعي إلى الكمال. هي وسيلة تمكنك من التفكير والفهم وحسن التصرف في كل جوانب حياتك، أن تعرف ذاتك، وتتعرف على العالم من حولك. أن تكون منتبهًا للتفاصيل الدقيقة، هي وسيلة لغايات عديدة ستتسع وتزيد، كلما زاد رشدك، وثقل عقلك، ويمكننا أن نضع حدًا أدنى للغاية، وهو أن تحمي عقلك من الفتن، ودجالي الفكر، ومزيفي الحقائق؛ فالتضليل أصبح حرفة، أي: سلطة لتبسط سيطرتها على رعاياها أو «عبيدها».

لتقريب الصورة نتكلم عن مثال في القضايا الفردية: ترى لماذا تعمل في هذه الوظيفه دون غيرها؟ إن كنت متزوجًا، فيجب أن تكون على علم بهدفك من الزواج، أهو زواج للغريزة فقط، أم هناك ما هو أسمى في عقلك؟ هل تنجب للتكاثر – والعزوة – أم هدفك أثقل من هذا؟ وبالطبع، مثل هذه الأشياء تكون نمطية، لكن من الضروري إدراكها؛ حتى تعرف أتقود حياتك بنفسك، أم حياتك والعادات والتقاليد هي التي تقودك وتسير معها غائبًا عن الوعي؟

أما فى القضايا المجتمعية، فبالتأكيد في عالمنا العربي هناك قضايا رئيسة تفرض نفسها علينا، أو الواقع يفرضها فرضًا علينا، على سبيل المثال «الحـريـة». حرية المرأة، وحرية الصحافة، وحرية إبداء الرأي والفن، ومع أن هذه القضايا قتلت بحثًا، لكنها ـ دائمًا وأبدًا ـ ستظل محل خلاف وجدل؛ لاختلاف توجهات المفكرين ربما، أو لأنها قضايا لا يوجد بها صواب وخطأ، أو أبيض وأسود، بل الجميع يجتهد فيها، ومع كثرة هذه الأفكار والاختلافات والآراء سنقترب أكثر فأكثر من الصواب والأصلح لواقعنا؛ لتنفيذه.

جانب آخر، وقضية أخرى، أكبر حجمًا، وأكثر أهمية، كنظام الحكم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، كيف يجب أن تسير فى ظل الأنظمة الديكتاتورية فى عالمنا العربي؟ ما هو أسلم نظام حكم؟ وما السبيل إليه؟ وليس هذا فقط، بل كيف نصل من موضعنا المزري الحالي لواقع أفضل متقدم وديموقراطي، أو تصل بعقلك لما أبعد من الديموقراطية ، وبعيدًا عن الحكم، إن كنت محافظ ـ مثلًا ـ أو وزيرًا أو في أي موضع مسئولية، كيف ستحقق ما فشل الآخرون في تحقيقه؟ وهو التعامل مع ما نسميها «الدولة العميقة»، و«النظام القديم»، بأذرعه المختلفة في أجهزة الدولة، وبشعبيته في الشارع، التي ـ بالتأكيد ـ يمكن أن تسقطك في أي لحظة، وبين جموع الشعب غير المصنفة، والتى ستكون غالبًا ضدك، فكيف تكسبها أو تحيدها؟ وكيف ستعطيهم حقوقهم، وتلبي مطالبهم، التي ظلوا، جيلًا بعد جيل، يطلبونها، ولا يلبي أحد لهم طلبًا، ولا يقضي لهم حاجة؟

وبين القضاء، ذراع كل حاكم مستبد، وبين الإعلام، مغيب الشعوب، وذراع رجال الأعمال، وبين الشرطة والجيش، الأذرع المسلحة، التي لن تعزلك فقط، بل لن تتوانى عن قتلك؛ إن كنت ضدها، أو كنت لا تعلم كيف تتعامل معها، ويظل هناك الكثير والكثير من الأحداث، والأفكار المختلفة، التي يجب أن تكون تساءلت عنها، وكونت ـ ولو ـ مجرد فكرة عن كيفية التعامل معها.

وعلى الرغم من أنها أفكار، وموضوعات، تظن أنك سمعت وقرأت عنها مرارًا وتكرارًا، إلا أن الوصول إلى حد أدنى كاف ليكون لك وجهة نظر خاصة قوية لا يؤثر عليها حديث للإعلامي الفلاني، أو كتاب متطرف تقرأه فتتبنى رأيه الخاطئ، سيأخذ منك جهدًا وقراءة وتفكر وعمرًا طويلًا حتى تصل له، وكما يؤثر «المتعة في الرحلة، لا في الوصول».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد