يحتار العقل عند سعيه في أزقة الحياة بحثًا عن الحقيقة التي ينشدها لتحقيق السلم الداخلي، فالنفس البشرية التي تتغذى على المعرفة عَرَفَتْ البحث في الأماكن المظلمة والزوايا المعتمة منذ الأزل، منذ حضارة الإغريق وفلاسفتها الذين أنتجوا النظريات الفلسفية، والتي حازت النصيب الأكبر من المثيولوجيا الإغريقية في محاولة لتقديم قالب يسع رغبات الإنسان وتساؤلاته عمّا يحيط به وما يتعرض له طوال فترات حياته.

في حين كان مفهوم الدين ووضع تصورات عن الإله من أبرز القضايا التي عرفتها الحضارات القديمة حيث إن الإنسان يرفض بفطرته السليمة أن يكون مستقلًا عن الطبيعة، وعن فكرة أن يكون وحيدًا دون اتصال مع عالم آخر يحقق له الآمان ويشعره بالطمأنينة، إلا أن التصورات التي قدمت في ذلك الوقت قوبلت إما بالإنكار لسذاجتها وعدم توافقها مع العقل والمنطق أو رفضت نتيجة الاستغلال من الملوك والأباطرة خاصة مفهوم العبادة والتبعية بالتواطئ مع رجال الدين بطبيعة الحال، وبالرغم من هذا فقد أسست هذه التصورات لمنهج يُعنى بالبحث عن الحقيقة قامت عليه فلسفة كثير من المفكرين الأوروبيين المعاصرين.

لقد عرف التاريخ منذ نشأته أقوام عبدوا عناصر الطبيعة كالشمس والقمر، والبعض اختار أن يحط من قيمته وأن يرضى بالسجود إلى كائنات تسمى مجازًا حيوانات، وذهب غيرهم إلى فكرة الوساطة مع الله عن طريق الأوثان كالعرب ما قبل الإسلام، لقد استمر الإنسان سنين حياته باحثًا عن كينونة وهالة وبذرة الحقيقة المطلقة، غير أن البحث دائمًا ما كان يصطدم بالقصور المعرفي ومادية الوسائل أو ميتافيزيقية الأفكار، في هذه اللحظة وجد المرسلون والأنبياء الذين رفعوا شعار التوحيد الألوهي والربوبي، غير أن الناس أنكروا دعوتهم وحاربوهم. لماذا؟

لقد بدأت قصة الإيمان بالتوحيد عندما عاث الإنسان فسادًا في الأرض ورفض الانصياع إلى قوانين الطبيعة أي قوانين الله سبحانه وتعالى الذي أرسل الأنبياء برسالات سماوية ساوت بين الضعيف والشريف، الفقير والغني، والمرأة والرجل، مع الحفاظ خصوصية كل فرد وشخص وإلزام الجميع بواجبات تضمن عمارة الأرض وأداء الحقوق لأصحابها.

هنا برز تيار المصالح، عليِّةُ القوم الذين سيرفضون الحالة الجديدة التي تهدد سلطانهم وحكمهم، وسيظهر تيار من الدهماء الذين ألفوا العبودية يصطفون مع السادة، أما على الجانب الآخر فسنرى فئة قليلة تسير عكس تيار العبودية انتظرت قدوم نظام جديد يهز أركان الطواغيت، وليس صدفة أن هذه الفئة دومًا كانت من الضعفاء والفقراء وربما لهذا وصل الإنسان إلى تصور في العصر الحديث أن الأنبياء هم دجالون – حاشاهم – أتوا برسالة قالوا أنها من عند الله لكسب حريتهم وأخذ أموال الأغنياء!

نرى هنا أن النفس البشرية تأبى إلا أن تخلق حاجزًا بينها وبين الآخر ترفض فيه تغيير الوضع القائم ربما خشية السيناريو الأسوأ وربما قبولًا وألفة بالوضع القائم على التبعية والعبودية المطلقة لفرد أو لجماعة.

لقد وقف الفلافسة على مر العصور حيارى بين السماء والأرض، منهم من حاول أن يصل بفلسفته إلى السماء ومنهم من حاول أن ينسف هذه النظرية نظرية الدين والتوحيد وأن يخلقوا منهاجًا يجعلون أنفسهم في مقام السيد الكريم الذي سيخرج الناس من القوقعة التي ألزمهم فيها كهنة، وحاولت أن تقمعهم سلطة، غير أنه لا يمكن قبول فكرة ترفض وتنكر الآخر وأفكاره بشكل مطلق، والإلحاد لربما يقوم على فكرة ولكن من المؤكد أنه بالمقابل يرفض فكرة أخرى، وعليه فإن الإلحاد هو محاولة إنكار وهدم، ليس محاولة تأكيد وبناء، وغالبًا ما يكون الإنكار ناجم عن ظروف اجتماعية، أو أحداث سياسية، ثم الوصول إلى حالة ذهنية قاصرة معرفيًا عند هؤلاء ترجع الفوضى أو عسر الحال إلى الصدفية وفوضوية الحياة وتنكر الأقدار والسببية وصولًا إلى إنكار أي تصور غيبي وتبرز بشكل خاص فئة الشباب؛ لأن الشباب أصحاب عقلية شابة تتأثر بكل مؤثر خارجي يرفض فكرة ويقبل أخرى بناءًا على المحيط الذي يعيش فيه، بالمقابل يمكننا أخذ نماذج من أصحاب الفكر الوجودي باعتبارهم هضموا كل ما كان من محاولات عقيمة للوصول إلى فائدة، ولنقل أن الدين يمكن أن يرفض الإلحاد، لكنه لم يرفض يوما فكرة.

لقد جاء الأنبياء برسالة واحدة هي رسالة التوحيد، هذه الكلمة التي تختزل بين حروفها فلسفة غريبة؛ فالعبودية لله هي حرية، والعقوبة جاءت لدرء المفاسد، والخير ليس بالضرورة كسب وإنما تجنب الشر هو خير كذلك، فكل شيء في هذا الكون خلق لمنفعة الإنسان. يقول روجيه جارودي بوصفه الحضارة الإسلامية التي قامت على فكرة الدين والتمسك به والرضوخ لأحكامه وقوانينه: «الحضارة الإسلامية تعطينا إنسانًا تخطى حاجاته وتجاوز رغباته، ثم بدأ يعلو على ذاته نفسها, ثم بدأ يعلو عن الزمن ليبني المساجد ويخاطب الأزل ويناجي الأبد، ويكسر قوقعة الحتميات، وينعتق من ظلمة الغرائز».

أخيرًا نقول: إن الشرنقة التي يلتجئ إليها الإلحاد هيّنة فهي قائمة على التشكيك الذي يرفض الحقيقة وليس الشك القائم على المعرفة وضرورة البحث في أصل الأنواع والأشياء، لذلك لا يمكن الحوار مع الإلحاد كونه فكرة؛ فالفكرة قائمة على البحث والتمحيص وإدراك الحقائق أو نفيها بينما الإلحاد قائم على ما سبق ذكره، لذلك نرى أن فراشة الإيمان سرعان ما ستخرج من هذه الشرنقة والتاريخ مليء بالأمثلة والعبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد