تكثر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي معلومات تاريخية يقدمها ناشطون من هواة وعشاق التاريخ الإسلامي، تتمحور حول المآسي والأزمات التي تعرضت لها الأمة الإسلامية عبر قرونها وكيف تعافت منها، في إشارة إلى أن ما تمر به الأمة حاليًا يمكن تجاوزه كما تجاوزت مثلها من قبل.

ولا شك هنا أن الهدف نبيل؛ إذ يتجلى في محاولة إحياء الأمل والتبشير بالمستقبل المُشرق، لكن المشكلة هنا هي في طريقة تقديم هذا الطرح، إذ تُقدم هذه المعلومات عادةً على أن العالم الإسلامي مر بفترات أسوأ من التي يعيشها حاليًّا، فهل هذا صحيح؟ فهل هناك ما هو أسوأ من الفترة الراهنة التي يعيشها المسلمون في تاريخهم؟

الجواب قطعًا لا، وهناك دلائل كثيرة تثبت ذلك وسنتعرض لها بإيجاز.

تشير أغلب تلك الصفحات التاريخية إلى عصرين تعرض فيه المسلمون للمحن، وهما عصر الحملات الصليبية وعصر الغزو المغولي، وتكثر هذه الصفحات في الحديث عن هاتين الفترتين اللتين تعرضت فيهما الأمة الإسلامية لغارات خارجية بالتوازي مع الضعف الداخلي، باعتبار هذا أسوأ مما نعيشه الآن.

وهذا غير صحيح البتة؛ ففي بداية حملات الفرنجة الصليبية على المشرق كانت الأمة بالفعل تعيش ضعفًا وانقسامًا، لكن فقط في مناطق المشرق الإسلامي؛ إذ بدأ النزاع يدب في دولة السلاجقة الكبرى ذات الوصاية على الخلافة العباسية «الضعيفة أصلًا»، بالإضافة إلى الصراع بينها وبين الدولة العبيدية وخلافاتها الفاطمية في مصر، كل هذا أدى -بلا شك- إلى تمكن الصليبيين من احتلال بلاد الشام وفلسطين وتكوين إماراتهم فيها.

لكن في هذا الوقت نفسه؛ كانت بلاد الأندلس تتوحد في أيدي المرابطين الذين شكلوا دولتهم في المغرب وأنقذوا الأندلس من فتنة ملوك الطوائف والزحف النصراني الخطير.

ففي الوقت نفسه الذي سقطت فيه القدس على يد الفرنجة؛ كان يوسف بن تاشفين «أمير المرابطين» يثبت أركان دولته في الأندلس ويحميها بكل قوته من المد الصليبي القادم من الشمال، وهذا يدل بلا شك على أن الغرب الإسلامي كانت فيه قوة إسلامية عظيمة تحمي ثغور الأندلس، في الوقت ذاته الذي كانت فيه بلاد المشرق تتعرض لغارات الصليبيين وتتحول إلى لقمة سائغة لهم.

وهذا يعني أن العالم الإسلامي لم يكن كله ضعيفًا، بل فقط في منطقة الوسط منه وهي التي تعرضت للعدوان الصليبي، فكما أشرنا فقد كان أقصى الغرب الإسلامي في قوته مع دولة المرابطين المدافعة عن الأندلس، وفي ناحية أقصى الشرق الإسلامي، فسنجد أن الغزنزيين -بالرغم من اضطراباتهم مع السلاجقة في خراسان- ما زالوا يواصلون حملات فتح بلاد الهند.

وإذا انتقلنا إلى عصر الغزو المغولي -وهو عصر متزامن مع فترة الحروب الصليبية- والذي يعد من أحلك أيام المسلمين في التاريخ، حيث كان واسع النطاق ومدمرًا، وقد شمل -تقريبًا- النصف الشرقي للعالم الإسلامي، ودمر حضارته وحواضره، وتسبب بمآسي مرعبة، وذلك في النصف الأول من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وهي الفترة نفسها التي تدهور فيها حال الأندلس وبدأت مساحتها تتقلص بسرعة على إثر الضغط الصليبي الهائل، ولكن مع كل هذا فقد توقف الاجتياح التتاري المغولي في الشام، كما أن مصر والنصف الغربي من العالم الإسلامي -باستثناء الأندلس- قد نجا من بلاء التتار وعدوان الصليبيين.

لكن إذا ما أتينا إلى عصرنا الراهن وتاريخنا المعاصر، فسنجد أن وضع الأمة مختلف تمامًا وأسوأ بكثير من سابقيها، فنحن الآن نعيش تحت الهيمنة الإمبريالية ومن مخلفات الاستعمار القديم وانتقاله إلى الاستعمار الجديد، إذ فقد العالم الإسلامي إرادته، وصار أسيرًا في أيدي القوى الكبرى المتحكمة في النظام العالمي.

والمسار التاريخي العام للضعف الأمة وتراجعها الحضاري أمام الغرب، بدأ بسقوط الأندلس ثم بضعف الدولة العثمانية في مواجهة الاستعمار الأوروبي الذي استولى على البلدان الإسلامية واحدة تلوى الأخرى، إلى غاية سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية، الأمر الذي كان الفصل الأخير من المواجهة الفعلية بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.

إذ دخل المسلمون بعدها في أسوأ مراحل تاريخهم، وتعرضوا للاستعمار والاحتلال والغزو والنهب، فتم الإطباق الكامل على مجموع العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط ولأول مرة في التاريخ، فكان من بين ثنايا كل هذا استيلاء الصهيونية على فلسطين، وانقسام الأمة الإسلامية إلى دويلات قطرية صغيرة متناحرة تحمل مفاهيم القومية والوطنية، فكانت سايكس- بيكو التي ابتدأت من المشرق لتشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي، لتنشأ بعدها أنظمة وظيفية عميلة ووكيلة للغرب الإمبريالي بعد تصفية الاستعمار التقليدي.

وما نشاهده حاليًّا من مجازر يتعرض لها المسلمون في بقاع العالم؛ خير دليل على مدى الضعف والوهن الذي وصلت إليه الأمة في عصرنا هذا، الذي يفتقد فيه المسلمون دولة تقودهم، فصحيح أن هناك بعض الدول الإسلامية القوية؛ إلا أنها لا تهتم بمصلحة الأمة، فتركيا وباكستان منشغلتان بمصالحهما الوطنية ومشاكلهما الإقليمية، أما إيران فسهامها موجهة إلى داخل العالم الإسلامي، أما عن الدول العربية المؤثرة فهي رهينة لمصالح الغرب وأمريكا، وأما باقي دول العالم الإسلامي فهي خاضعة لهيمنة قوى الغرب والشرق المتحكمة في النظام الدولي.

ولسنا هنا نؤسس لنظرة تشاؤمية، فلا شك أن التغيير بدأ يلوح في الأفق وأن المستقبل مُشرق، لكن علينا أن لا نغفل عن معطيات الواقع المُعاش، الذي لا يمكن مقارنته بأي حال مع أي فترة أخرى من تاريخنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد