ضبط السلوك والتحكم في المشاعر أمر غاية في الأهمية، كما أنها مصطلحات واضحة المعالم، غير مبهمة ولا ملتبسة، ولهذا قد نستطيع السيطرة عليها سلوكياتنا والتحكم في أفعالنا عبر مراحل دقيقة ومتعددة، لاسيما وأن علوم التنمية البشرية أصبحت قادرة على اختراق حيز كبير جدًا من تفكيرنا، وبناء عليه سنقدم لكم أهمية كل هذا حتى نصبح قادرين على الدخول المريح إلى نادي الغموض حتى نكون في مأمن من الاختراق الفكري الفعلي مِن قِبل العديد من المتدخلين، وعلى رأسهم الاقتصاديون، الذين أصبحوا يعتمدون على دراسات دقيقة تخص حالة المستهلك النفسية قصد بيع منتجاتهم وتحقيق الريادة المالية على حساب الأخلاق والمشاعر.

ولهذا فإننا عازمون اليوم التحدث قليلًا عن المعايرة، التي يقال عنها في علوم البرمجة اللغوية العصبية إنها المعرفة الدقيقة لحالة الشخص، وهي من الإشارات غير اللفظية. وتتكون من المراقبة الجيدة لتعبير الجسم عن موضوع ما في الوضع الطبيعي، ثم مراقبة التغيرات الطارئة في فسيولوجيته بعد تقديم المعلومات أو المحفزات التي تغير مزاجه. إذ هنا يجب الانتباه إلى التغيرات التي تظهر في مناطق الوجه، كالتجاعيد المحتملة التي تتشكل هنا وهناك في الجبهة على الخصوص، تعبير العينين، تكرار الوميض، رطوبة مقلة العين، اتساع لون أو رخاوة أو نعومة الخدَّين، وكذلك المظاهر المحتملة للعرق، والتي تظهر على الوجه والشفتين وحجمها وتعبيرها، وكذلك الأخاديد المكَوَّنة حول الشِّفاه، حجمها، جفافها أو رطوبتها؛ وهل في الفك أو الجسم صلابة أو انتفاخ. كما سنلاحظ وضع الرأس والرقبة، وصلابة الكتفين أو رخاوتهما، بالإضافة إلى مَيْلهما، وتكرار التنفس وعمقه، وموضع الذراعين، وحركات اليدين وتعرقهما، ومحور تناسق الجسم، وتوتر البطن أو انتفاخها، وكذلك وضع وحركات الساقين والقدمين.

لمعايرة الناس بدقة وأمانة، نحتاج أن تكون الحواس مفتوحة على مصراعيها، من أجل ملاحظة التغييرات الطفيفة التي يمكن أن تحدث في علم وظائف الأعضاء، ولن يكون ذلك واضحًا إلا للمراقب الجيد. إذ تعتبر هذه المهارة ذات قيمة كبيرة وضرورية جدًّا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمعرفة ما يفكر فيه الشخص الواقف أمامك. فعلى الرغم من أنه من خلال الكلمات، قد يخبرك المحاور بأشياء مختلفة، قد تكون حاسمة ومفيدة جدًا في كل المقابلات اللاحقة، وأيضًا عندما يتعلق الأمر بالفوز.

للتوضيح والبيان أكثر سنقوم معكم بتمرين المقدمة على المعايرة: اطلب من صديق يريد التعاون معك، التفكير في شيء يحبه كثيرًا. فقد تكون رحلة قام بها، أو فيلم شاهدوه، أو الشيء الذي يعشقه، أو أي موضوع آخر أحبه. نتمنى أن يتحمس قليلًا ويخبرك. أمَّا أثناء حديثه عن الموضوع الذي يثير شغفه، انظر إلى موضع جسده، وحركات يديه، وتعبير عينيه، واللمعان فيها، ولون خديه، وتعبير وجهه، وشفتيه ووضعية كتفيه وحركات يديه. ومراقبة تنفسه وتناسق جسمه وأعضائه، ووضعية أرجله وحركاتهم. ثم اطلب من نفس الشخص أن يخبرك بشيء لا يحبه أو يرفضه، وانتبه مرة أخرى لتعبير الجسد الذي يظهره عندما يتحدث معك عن شيء يكرهه بشدة.

أمَّا الخطوة التالية، فهي أنه وبمجرد معايرة المظاهر السابقة، التي تتطلب الاتفاق مع صديق أن تطلب من صديقك أن يفكر في شيء يحبه أو لا يحبه ولكنه لا يخبرك. أنت الآن الشخص الذي، سيكون قادرًا على قراءة أفكاره والغوص في أعماق تفكيرهم خلال الاهتمام بمظاهرهم الجسدية، سيكون قادرًا على التخمين بخصوص تفكيرهم.

ولهذا الغرض سنستعين بتمرين المعايرة رقم واحد وهو كالآتي: أولًا وقبل كل شيء اجلس أمام المحاور الخاص بك، وقم بتحليل وضعيته الأولية في حالة الحياد. وللقيام بذلك يمكنك طرح سؤال تافه مثل ما لون سيارتك؟ أو كم كيلومتر من منزلك من هنا؟ ثم لاحظ كم التفاصيل المهمة بالنسبة لك، على سبيل المثال كيف هو تعبير وجهه، نبرة صوته، معدل تنفسه، وضعه الجسدي، وضع يديه، كيف يقوس حاجبيه، هل يتعرق أم لا، مدى سرعته كلماته… انظر إلى مقدار البيانات التي يمكنك الحصول عليها والوصول إليها لتحديد فسيولوجيته في حالة ما إذا كانت عقليته عميقة ومحايدة.

ثم اطلب منه أن يفكر في شيء أو شخص يحبه، يبدو له حقًا أروع شيء في العالم. قل له أن يستحضر هذه الصورة إلى ذهنه، وأن يلاحظ جميع الجوانب التي تتكون منها، وأن يتوقف ويسعد بكل جانب من جوانبها بالتفصيل. اكتب التغييرات التي تلاحظها في تعابير وجهه، إيماءة فمه، حيث يتم توجيه نظرته، وضع جسده، تنفسه، لون خديه، موضع يديه… وأي جانب آخر من تعبيره الحالي والذي تجده لافتًا للنظر.

أخبره أن يعد بصوت عالٍ من واحد إلى عشرون أثناء وضع هذه الصورة في الاعتبار، وشاهد كيف أنها نبرة صوته وإيقاع كلماته. ثم أخرجه بعد ذلك من تلك الحالة بسؤال عادي آخر مثل: ما هو نوع دراجتك النارية؟ أو ماذا تفضل الشاي أم القهوة؟ وبمجرد كسر الحالة السابقة، أخبره أن يتخيل شيئًا يغضبه حقًا أو شخصًا يكرهه بشدة. ثم قل له أن يتخيل نفسه في هذا الموقف أو أمام ذلك الشخص وأن يطلق العنان لخياله ليخلق فيهم كل التفاصيل التي تجعل تلك اللحظة حقيقة. ثم قم بتقييم حالته: تعبيرات الوجه، إيماءات الفم، اتجاهات الجسم، معدل التنفس، نوع التنفس، لون وجهه… وإذا طلبت منه أيضًا العد مرة أخرى من واحد إلى 20 مع التفكير في هذا الموقف، فستقدر أيضًا الاختلافات الطارئة في نبرة الصوت والإيقاع الذي جرى استخدامه للتحدث.

ثم اسأله مرة أخرى عن شيء غير مهم مثل هل شربت الماء قبل المجيء؟ والآن أخبره بسرعة أنك ستغمض عينيه، وأنه يمكنه أن يختار أن يكون في إحدى المشاعر السابقة دون أن تخبره بأي واحدة، وعندما يكون قد خلقها بالفعل في ذهنه، أخبره أن يخبرك قبل فتح عينيه، وبدون الإطالة في الحديث دعه يقول لك كلمة، حاول أن تكتشف من خلال تعابير جسده ومواقفه… ما يمكن أن يفكر فيه. وإذا لزم الأمر، أخبره أن يعد حتى 20 لتتأكد مما تقوم بفحصه من الحالة التي هو فيها.

أما الآن فسننتقل معكم إلى تمرين المعايرة رقم اثنين، مع العلم أن هذا التمرين أكثر تعقيدًا من التمرين السابق ومحاولة تطبيقه يعني الرغبة الصريحة في إتقان تقنية المعايرة. إذ يتطلب الأمر حب كبير لعلوم التنمية البشرية، والمثابرة وأخد الوقت الكافي للتعلم والتدرب للقيام بذلك، لكن النتائج النهائية ستمكنك من إجراء المعايرة بسهولة كافية وبطريقة فعالة. هذا إذا كنت على أتم الاستعداد للقيام بذلك، فإليك طريقة القيام بذلك كهدية منا حتى تكونوا على دراية بهذه العلوم، وكذلك تقريبكم بدقة كبيرة وأمانة بكيفية عمل الكثير من مكاتب الدراسات العالمية:

للقيام بهذا كله أولًا يقومون بالبحث عن مكان آمن ومريح، حتى يمكنهم المراقبة منه دون إزعاج أو لفت الإنتباه، وكذلك دون أن يكون وجودهن واضح جدًا للعيان، والهذف كما تعلمون هو مراقبة ودراسة مجموعة من الأشخاص عن بعد أثناء التحدث أو العمل، لمدة 20 أو 30 دقيقة يوميًا ولمدة 10 أيام. قد تتم عملية المراقبة من شرفة، أو مقعد في ساحة مزدحمة، أو غرفة الانتظار في مركز صحي أو كيان عام.. ولهذا يجب أن يتم تزويدهم بجدول أعمال وقلم ثم تبدأ العملية بمراقبة شخصًا معينًا لمدة 10 دقائق تقريبًا، مع الانتباه إلى إيماءات اليدين وتعبيرات الوجه، وتعبيرات الجسم، ومعدل التنفس، ورموز الوصول إلى العين، وإذا كان بإمكانهم رؤيتها عن كثب، فسيكونون ممتنين، وكذلك حركات الساق والذراعين، وتماثل الجسم… سيحاولون مراقبة نفس الشخص لعدة أيام متتالية، مع الانتباه كل يوم إلى جانبين أو ثلاثة من الجوانب المفصلة أعلاه.

ففي الدقائق العشر التالية يتم ملاحظة نفس الجوانب في شخص آخر، والدقائق العشر المتبقية ملاحظتها في شخص مختلف. على مدار عدة أيام، يجب على المراقب تدوين الملاحظات الجزئية المختلفة، وبدءًا من اليوم السابع، سيحاول مع كل شخص تدوين ملاحظات تخص جميع الجوانب معًا.

وبعد العشرة أيام سيقوم بتقييم المعلومات التي استخلصها من ملاحظاته، أو ما تأكد منه طوال هذه الأيام أو الأشياء التي توصل إليها لإستنتاج أنها كانت مختلفة عما كان يعتقده في البداية. سيلاحظ أيضًا ما إذا كان من السهل مواصلة المراقبة، أو أن الأمر أكثر تكلفة، وبالتالي سيحاول أن يكون أكثر انتباهًا في المناسبات المتتالية.

وبمجرد الانتهاء من المرحلة السابقة، سوف يبحث عن نقطة مراقبة من أجل التدريب مرة أخرى، وسوف يختار مرة أخرى شخصًا ستجري عليه ملاحظة عامة. لهذا، من المفيد جدًا للمراقب تنفيذ طريقة النظرة غير المركزة، أي النظر إلى نقطة خلفها بعدة أمتار، بحيث يكون لديه صورة عامة دون النظر إليها مباشرة. لذلك يمكنه تقدير طريقتهم في الحركة، وتناغمهم أو تنافرهم، ونعومتهم أو اندفاعهم… وسوف تُكرس حوالي سبع دقائق لهذه الملاحظة.

لاحقًا سيختار شخصًا آخر سيتوقف عنده لملاحظة منطقة معينة من جسده أو وجهه، من أجل البحث عن اختلافات كبيرة بين النصف والآخر، أي بين نصف وجهه الأيمن والأيسر على سبيل المثال، أو بين الحركات والمواقف… من يده اليمنى واليسرى، وسيكتشف أي جزء هو الغالب أو الأقل استخدامًا، وما إذا كان هناك تطابق أو تضارب بين الجانبين.

مع هذا النوع من الملاحظة سيقضي سبعة أيام أخرى، وفي نهاية تلك المرحلة سوف يقوم بتقييم البيانات التي تم الحصول عليها والجوانب التي كانت صعبة إلى حد ما، وكذلك ما فاجأه في هذا العمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد