ينشأ الوعي السياسي مع تعاقب الأجيال إثر الأحداث التاريخية مثل الأزمات الاقتصادية الخانقة والحروب، هذا إن تحدثنا عن الوعي السياسي بشكلٍ عامٍّ. أما في حالة احتلال أرض فلسطين، فإن الأجيال المتعاقبة عبر 73 عامًا من الاحتلال تتوارث عقيدتها الشعبية وإرادة التحرر وتجدد وعيها السياسي باستمرار، وإن قوة بأس هذه الأرض وصلابة شعبها حالتا دون ضياعها وإسقاط حروفها من أجندة التاريخ ومن ذاكرة الإنسانية، حتى لو جنَّد الاحتلال كل وسائل العلم والمعرفة وتكنولوجيا العصر لتشويه اسمها ومسح نضال شعبها من التاريخ فما هي إلا محاولة فاشلة ضمن آلاف المحاولات الفاشلة عبر التاريخ، ومع تسارع الزمن وانطلاق الثورة التكنولوجية الحديثة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أو ما يعرف بالمقاومة الرقمية عنوانًا لجيل سياسي جديد.

أهمية وسائل الإعلام في التأثير في الرأي العام

شكَّل وجود مواقع التواصل الاجتماعي ثورةً في التكنولوجيا والتواصل عبر الإنترنت؛ إذ حيث أتاحت بشكلٍ ما للأشخاص القدرة على التعبير عن رأيهم ومشاركة أفكارهم والتفاعل مع أفكار غيرهم. يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من 4 مليارات شخص حول العالم (1)، وهذا يزيد من قدرة هذه المواقع على التأثير والوصول لنشر المحتوى. في الواقع، المقاومة الشعبية مبنية على قدرة الجماهير في مواجهة الاحتلال ومقاومته وتهديد مصادر قوته عبر استخدام كافة الوسائل الممكنة، وجوهر العمل الجماهيري هو حشد أكبر عدد ممكن من الجماهير للمشاركة في الأنشطة، لذلك تُعَد وسائل الإعلام من أهم الوسائل لمقاومة الاحتلال، التي من خلالها تتم مواجهة دعاية الاحتلال وتكذيب روايته ليتم حشد أكبر عدد من الجماهير من خلاله أيضًا.

برزت هذه المواقع بوصفها أدوات يمكن للجميع استخدامها وليست حكرًا على الصحافيين مثل حال وسائل الاعلام التقليدية العالمية، التي توقف أغلبها عن الوقوف بصف قضية عادلة مثل قضية فلسطين. لقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا في تغيير هذه المعادلة، عندما كان الجميع قادرًا على التفاعل مع الموضوع واستخدام (هاشتاج) موحدٍ، ونشر الصور والفيديوهات الداعمة للفكرة، مثلما حصل مع تغطية أحداث حي الشيخ جراح واقتحام المسجد الأقصى والهبَّة الشعبية الفلسطينية وحتى الإجراءات المتخذة للسيطرة على فيروس كورونا كحالة طارئة، كل ذلك من خلال شباب يقومون بتغطية مباشرة من خلال الجوال، ليقدموا للعالم مادةً إعلامية واقعية وصادقة تفضح جرائم الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان وتشكل وثيقةً لإدانته.

«قاوم بما لديك»: مثال من الواقع على نجاح المقاومة الرقمية

كانت الحملات واحدةً من أفضل سبل إدارة المحتوى وتوجيهه للتأثير في الرأي العام، كما ذكرنا سابقًا امتلك (هاشتاج) «أنقذوا حي الشيخ جراح» و«غزة تحت القصف» أثرًا كبيرًا على الأقل في الوصول لشريحة لم تكن تعرف سابقًا حي الشيخ جراح، وما يحصل هناك، ورغم صعوبة قياس الأثر في الحملات الرقمية، فإن حجم الوصول والانتشار ونوعيته يقدم انطباعًا عن نجاح الحملة من عدمها.

بالطريقة نفسها، كانت حملة «كوفيد48»، وهي حملة الشعبية أطلقها مجموعة من طلاب الجامعات الأردنية في أبريل (نيسان) ٢٠٢٠ مع بداية انتشار فيروس كورونا والحجر الصحي في جميع أنحاء العالم، بهدف تسليط الضوء على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي كان عليه ألا يواجه فيروس كورونا فقط، بل أيضًا احتلالًا وحشيًّا يمارس عليه مختلف أشكال الفصل العنصري والإرهاب منذ عام النكبة 1948، في محاولة لتَعرية هذا الاحتلال الغاشم وتكذيب الرواية الصهيونية وإيصال معاناة الشعب الفلسطيني ومخاطبة شعوب العالم بالإنسانية.

وارتكزت الحملة، التي تم توثيقها لاحقًا من خلال فيلم وثائقي قصير يحمل عنوان «قاوم بما لديك»(2) في بدايتها على ثلاثة محاور رئيسة هي الأسرى الفلسطينيون البالغ عددهم قرابة 5 آلاف أسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الإهمال الطبي تجاههم، وضحايا فيروس كورونا في مقاربة مع ضحايا مجازر الاحتلال وجرائمه في الإبادة والتطهير العرقي، وأخيرًا الحجر الصحي والحصار الممارس على غزة منذ عام 2007.

حققت الحملة التي قادها الشباب من طلاب الجامعات الأردنية نجاحًا لم توثقه الصحف والمواقع العربية فقط، بل أيضًا تحدثت عنه الصحف العبرية التي لم تتوقف عن شيطنته، كما ساهم الفيلم المذكور في توثيق هذه التجربة التي خلقت رغم الأزمة الصحية من منصات التواصل الاجتماعي أداةً لمقاومة الاحتلال لتكون مثالًا جيدًا لتغيير وضع الارتهان للواقع والإيمان بأن المقاومة متاحة بكل الطرق والوسائل بما فيها استخدام وسائل التواصل للتوعية بالقضية الفلسطينية والمظلمة التاريخية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.

الحرب الرقمية ومحاولة حجب المحتوى الفلسطيني

مع اتساع رقعة المقاومة على الميدان والأحداث المتتابعة في الآونة الأخيرة، أخذ الفضاء الرقمي أبعادًا أوسع وتحول إلى رمز حقيقي للمقاومة، وتعزز دور التدوين والتحليل والوسم بوصفها أدواتٍ مناهضة للاحتلال وصورة معبرة عن حالة شعبية تقاوم بأسلحتها الخاصة، لكنها في الوقت نفسه لا تكتفي بها خصوصًا في جو عام يسهل به أحيانًا الاستهانة بقيمة أي فعل والافتراض بأن أي شيء يجب القيام به لا بد أن يؤدي مباشرةً للتحرير، بينما التحرير أيًّا كان شكله ومفهومه هو فعل تراكمي ومرتكز على سبل متعددة من المقاومة.

في ظل ازدياد التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني ونشر انتهاكات الاحتلال، تبرز أيضًا تحديات جديدة في حجب المحتوى الفلسطيني والتضييق عليه من قِبل منصات التواصل نفسها التي تستجيب في بعض الأحيان لضغوطات مسؤولي الاحتلال الإسرائيلي(3). ولكن العقيدة الشعبية الثابتة حاولت بكافة الطرق التغلب على هذه المشكلة من خلال التحايل على الخوارزميات أو اتباع طريقة محددة في الكتابة، ومع عدم وجود حل واضح لهذا القمع الرقمي حتى الآن، إلا أن المقاومة من خلال وسائل التواصل أثبتت حالة لا يمكن تجاهلها في الأيام القادمة من أجل تشكيل أداة ضغط على المحتل والمساهمة في صنع الرأي العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد