في هذه الآونة الأخيرة انتشر عدد كبير من المغالطات المنطقية الموجودة على الساحة العلمية الشعبية، وأحيانًا في الساحة العلمية نفسها ممن جهلوا بقدر مفهوم العلم، وتطوراته، ومراحله الحقيقية.

فهل سمعت يومًا عن التخاطر عن بعد، أو الإعجاز العلمي، أو قليل من النظريات الروحية إن صح القول بإنها نظرية، نسمع عن تطورات نتخذها كمُسلّمات -أي مسلم بأمرها- حقيقية في حياتنا،

وتجد عوام الناس، أو من يظنون أنهم المثقفون حقًا أنهم قادرون على إبهار العوام، وغير المتخصصين بعلمهم لأحدث النظريات العلمية، والتي لا يعلم عنها الكثير شيئًا، حيث إنها تبدو في عيون الناس أمورًا غريبة كأنها خيال علمي.

فهو يبدأ كلامه بقوله «أثبتت النظريات العلمية الحديثة»، أو «أثبت العلماء حديثـًا» أو في «آخر الأبحاث العملية» التي لا تعلم متى كانت آخر هذه الأبحاث، وهل صح أن يطلق عليها نظريات من الأساس، أم أنها مجرد تكهنات لا دليل عليها، ويكفي أن يذكر في منتصف كلامه أي اسم غريب لشخص على مسامع أذنك، وآخر لجامعة كبيرة لتكون فريسة سهلة الصيد لتبتلع هذا الطُعم بلا أدنى مقاومة، بل تسعى لتمريره إلى غيرك من الواهمين، مدعيًا قدرًا من العلم والمعرفه والاطلاع الواسع.

فالعلم لم يوجد قبيل الصدفة بل مرّ بمراحل من التجربة، والبحث، والاستقصاء حتى يصل لهذه المراحل المتقدمة من المعرفة.

1 – يبدأ العلم بالفرضية: والفرضية هي ذلك التصور الأولي لتفسير ظاهرة ما، لا تشتمل على أي دليلٍ علمي، وإنما هو فقط تصور مبدأي لما يدور في هذا الأمر، ولذا تجد العديد من الفرضيات العلمية المنتشرة في عَالمُنا؛ فكل عالِم يستخلص فرضياته الخاصة به، وتصوراته عن كل شيء، فكما كان «آلان غوث» تصور أن الكون كان كتلة واحدة مشتعلة، ثم انفجرت وتناثرت على مدى الفضاء الكبير الواسع، واسمها الانفجار العظيم، وكان هذا تصوره الخاص به، ولم يوجد أبدًا أي إثبات على كلامه، وكما اقترح آخر أن الكون كان عبارة عن سديم كبير بدأ يتشكل ويشكل مجموعات كبيرة تلاحم بعضها بعضًا، وآخر افترض أنك في هذه المكانة التي أنت فيها هناك آخرون في مكان آخر مثلك تمامًا،

يأكلون كما تأكل، ويشربون كما تشرب، بل يمكن أن يكون هناك مثلكما في عالم ثالث يأكلان كما تأكلان ولكنه يحيا في وظيفة أخرى، واتخذ مهنة أخرى، ولربما كان هناك الملايين مثلكم، وأسماها الأكوان المتعددة.

فالفرضية قابلة للتطوير وقابلة للدحض بسهوله جدًا جدًا إن لم تجد دليلاً على ثبوتها، فهي كطفل رضيع في بداية ولادته يمكنك قتله بسهولة كبيرة بدون أدنى مقاومة منه، بل إنه يموت مع مرور الوقت إن منعت عنه الغذاء، ويمكنك أن تربيه وتنشئه ليتطور ويكبر.

2 – النظرية: هي النموذج الأكبر من الفرضية، فذلك الطفل الصغير الذي كان يدعى بالأمس فرضية، مع اهتمام أهله به وتغذيته تغذية سليمة، وصحيحة، طبقـًا لعمره، واحتياجاته الخاصة فيكبر ويكون ذا شأن عظيم يسمى نظرية؛ فالنظرية هي تلك الفرضية التي تم الاستدلال عليها من خلال أرقام و بيانات علمية، وصحيحة تؤيدها، فكما الانفجار العظيم تطور من كونه فرضية صماء، ومجرد تصور إلى نظرية، بعدما حسبوا تلك المسافات بين المجرات، والكواكب بعضها وبعض، وبين النجوم، ومعدل تسارع كل منهم، وهل هم في تباعد أم في تقارب، ومن هنا تمكنوا من الحصول على دليل على ما يمكن أن نسميه الانفجار العظيم من أن هذه الأشياء كانت متجمعة معًا في نقطة واحدة، وبذلك سميت بنظرية الانفجار العظيم.

وكما ذكرنا أن الفرضية يمكن دحضها، فالنظرية أيضًا يمكن دحضها، ولكن النظرية أصبحت شابًا كبيرًا يستطيع مقاومتك إن أردت قتله، مقاومة بسيطة، ولكنك إن كنت أقوى منه يمكنك أن تتغلب عليه وتقتله. لذلك النظريات تتوالى، وتتعدد وتظل في طور النظرية حتى تثبت أنها حقيقة.

3- الحقيقة: وهي ذلك الشاب الكبير الذي تطور على مراحل المرور السابقة، من فرضية، ونظرية، ومع اهتمام أهله الكبير به، واهتمامه بتعليمه، وإدخاله أفخم المدارس، وإلباسه أجود الثياب، يكبر ليصير رجلاً يعمل ويكسب، ويحقق ربحًا كبيرًا.

فهذه هي الحقيقة، هي ما تم ثبوت صحته من النظريات، فكما تصور كوبرنيكوس أن الأرض ليست هي مركز الكون، وكانت هذه محض فرضية ابتدعها بناء على تأمله وتفكراته، ثم أتى جاليليو أيدها ببعض تلك الأرقام، والإثباتات، التي تدل على أننا مجرد كوكب يدور على الشمس التي هي مركز الكون.

ثم بعد ذلك أتى العلم الحديث وتطوراته وتم إنتاج الصواريخ والمركبات الفضائية التي تغزوا عالم الفضاء وتسبح فيه لتنقل لنا عجائبه وأسراره، وما يحويه ليشاهد مجوعتنا الشمسية الكبيرة، ويرى الأرض وهي تدور حول الشمس، متيقن بذلك أن الأرض ما هي إلا كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس، وبذلك تحولت النظرية إلى حقيقة فعلية؛ لأننا تمكنا من رصدها وإثبات أنها موجودة فعليًا بكل الوسائل والسبل المجردة للجميع.

ولكن الحقائق ليست أيضًا مُسلّمات؛ فهي يمكن دحضها أيضًا إن كان هناك تفسير آخر لهذه الحقيقة، فكما كان الزمن حقيقة مسلمة على مر العصور حتى أتى الدكتور ألبرت أينشتاين وأثبت أن الزمان نسبي لكل مكان وليس ثابتًا.

فالحقائق يمكن أن تختلف باختلاف الأدلة، والوصف، والفكر، والتصور والمبادئ الدالة عليه.

ولكن من المؤسف في عالمنا الحالي أننا نرى الجميع يتحدث عن الفرضية ويدرسها، ويشرحها، ويتخذها علمًا على أنها حقيقة علمية مثبتة، وتدرس في أكبر الجامعات العالمية، وهي في الأساس مجرد فرضية لم تثبت لها أي مؤيدات على مر العصور المختلفة، والسنين الطويلة، ويمكنها أن تختفي في ثانية واحدة.

فيمكنني الآن أن أنشر لك فرضيتي العلمية التي تدعى «الشيكومنه» التي تنص على أن كل عشر مجرات تلتحق مع بعضها بحزام واحد، وتدور حول عشر مجرات أخرى يتحزمون مع بعضهم بحزام آخر، وهكذا يضل كوننا في تسارع، وترابط.

وهذا مجرد تكهن، وفرضية، وتصور فلا ينبغي عليك أن تأخذها وتنشرها على أنها حقيقة علمية أو مسلّمة.

وما زالت الأكوان المتعددة، والإعجاز العلمي، والعلوم الروحية، والتنمية البشرية، وغيرها الكثير والكثير محض فرضيات، لم يثبت لها الوصول إلى طور النظرية وهو أضعف الإيمان تقطن في عقول آلاف وآلاف البشر على أنها مما توصل إليه العلم أخيرًا.

فلا ينصبن عليك أحد باسم العلم، ولا يدعي عليك أحد أنها نظرية علمية، ومثبتة، تحرى من هذا الكلام وراجع مصادره، وسله عن المصادر، والتواريخ، والمعلومات، والبيانات الكاملة للعلماء، والفترة، وكل شيء يبرهن صحته.

تفقهوا في العلم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد