«من قال للعاملين في هذه المهنة إنهم سيكونون على موعد مع هدأة البال !؟». بهذه الكلمات أنهى الكاتب والصحفي السوري علي سفر؛ مقاله حول فيلم «سبوت لايت».

الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار لهذا العام يطرح قضية تحرش الكهنة بالأطفال في مدينة بوسطن، من خلال نقاط عدة، في مقدمتها الوضع الاقتصادي المتردي الذي سهّل للكهنة التحرش بالأطفال، وهي الفكرة التي تم تأكيدها في عدة مواضع من الفيلم أثناء اللقاءات مع الضحايا أو بالحوارات بين فريق عمل سبوت لايت.

وحالما نخوض في قضية التحرش، تبدأ المصاعب بالظهور أمام الفريق، بدءًا من تورط بعض العائلات، وليس انتهاء بمحاولة آخرين التستر على فضيحة تمس الكنيسة مكانتها المقدسة لدى الجميع، لدرجة رفع الكاهن إلى مرتبة الإله كما عبر أحد الضحايا عندما قال: «كيف يمكنك قول لا لإله!» وهي العبارة التي سأنطلق منها.

في مجتمعاتنا ما أكثر هذه الآلهة من مشايخ وعلماء لا نستطيع التحدث عنهم ولا حتى بكلمة، ربما يكون أحدهم قد اقترف كما الكهنة اعتداء على أحد ما باسم سلطته الدينية، لكن المؤكد أن غالبهم اعتدوا علينا جميعًا، ليس بالضرورة اعتداءً جسديًا فيزيائيًا كما قال الضحية في الفيلم إنما اعتداء على أرواحنا.

إذ  أنهم عندما يمارسون التصرف السلطوي علينا باسم الدين، فهم يسرقون الإيمان منا ويغتصبون عقائدنا، فنغدو كما نحن الآن تائهين مشوشين مشوهين لا نعلم أين الطريق ولا من نكون.

لقد جردوا الأديان من حقيقتها وجوهرها، فوجدنا أنفسنا معتدى علينا لا نستطيع الكلام، ولا قول لا للإله (لأن لحم العلماء مسموم).

أي سم تتحدثون عنه؟! أليس السم الذي عشش فينا أدهى وأكثر فتكًا وألمًا؟!

وفي الفيلم كان أحد الضحايا من الشباب – وهو شاذٌ أصلًا – لكنه شعر بالاعتداء لأنه كما قال شعور الضعف مغروس فينا، إذ لا يوجد ملجأ إلا إليهم للشكوى قائلًا: لمن نشتكي بعد الاعتداء؟

لكاهن!

ومن بين القضايا الخفية في الفيلم؛ أن وظيفة الصحفي والإعلامي هي إظهار حقيقة الشيء، وليس الاستجابة لما يريده البعض، لأن الناس كما تقول ساشا الصحفية في الفيلم «الناس بحاجة لأن تعرف ما يجري في الواقع».

أمام هذا الواقع تأتي مسؤولية الصحفي بوصفه المرآة التي تعكس الواقع دون محاباة أو تملق، عبر صحافة محترفة تؤدي وظيفتها بعيدًا عن الخوف وعمّا يقوله الناس، لأنه وكما قلنا في البداية من قال إن الصحفي على موعد مع هداة البال بعد سلوكه هذه الطريق ومما يزيد المسؤوليات عليه أننا في كل يوم نجد آلهة أكثر تصعد في الساحة وخاصة بعد الظروف التي تمر بها البلاد العربية على مدار ستِّ سنوات، فكنا بآلهة من رجال دين وسياسيين لنصبح أمام آلهة من ثوار ومتحدثين ثوريين، فإذا تكلم الإنسان عن مشايخ كفروه، وإذا تكلم عن ثائر خونوه مما أضاع كثيرًا من أحلام ثورتنا وديننا.

وهنا يأتي واجب الصحافة الحقيقية بأن تفضح هؤلاء المدّعين من ثوار ومعارضة ومشايخ وعلماء كما فعل فريق سبوت لايت حتى لا نعيد أخطاء من قبلنا ونسعى قدر الإمكان لتنظيف المؤسسات من المدّعين مهما كانت الظروف والعقبات أمام الصحافة.

لتذكر هنا بشيء مهم يقال أن الناس تحب الوهم المريح لكن عندما يصبح الأمر متعلقًا بهم فجميعهم يفضلون الحقيقة المرة.

ووظيفة الصحفي هي قول ما يجب وإظهار ما يجري في الواقع وليس ما يحب الناس أن يروه ويسمعوه، وظيفة الصحافة هي الحقيقة وليس الحياد.

ولنختتم كما اختتم الفيلم في آخر مشاهده، على الجميع القيام بعمل صحفي بارع، صحافة أؤمن أنه سيكون لها تأثير فوري وقوي على قرائها وبالنسبة لي هذا نوع القصص الذي يجب أن تعمل الصحافة لأجله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لا
عرض التعليقات
تحميل المزيد