كثيرةٌ هي المَراحِلُ التي يمُرُّ بها الطِّفلُ قبل أن يستطيعَ تكوين جُملته الأولى، فَبينَ «دا، ما» و«أنا اسمي كذا» عددٌ من الأطوارِ والتغيُرّات المِحوَريّة التي تطرأُ على الطفل فتُساعِدُه على، أو تُعيقُه عن، نطق الأصوات وحِفظ الكلمات، وصياغة الجُمل بشكلٍ مُتسلسلٍ وفي صورةٍ تُحافِظُ على قواعِدَ اللغة النَّحْويّة والصَّرفيّة. في هذا المَقال، نتطرّقُ سويًّا إلى تلك الأطوار. وَلكِن قَبل أن نشرعَ في الحديث عن تلك المراحِل، نستعرِضُ أوَلًّا، وباختصارٍ شَديد، النظَريّتين الأكثرَ إثارةً للجَدَل، حَول كَيفية «اكتساب اللُغَة»، وهُما «النظريّة الفِطريّة» و«النظرية السُلوكيّة».

 

  • النّظريةُ السُلوكيّة Behaviorist Theory

تنتمي هذه النظريّة إلى علمِ النفس السُلوكي، ووضع أساسَها عالِما النفسِ «چون واطسون» و«بورهوس فريدريك سكينر» صاحب كتاب «السُلوك اللفظي». ويعتقد السلوكيون أنّ كُل سلوكيات الإنسان تنتج عن التفاعل مع البيئة المُحيطَة. وبما أنّ اللُغة، بالنسبةِ لهُم، شكلًا من أشكال السلوكِ الإنسانيّ، فهي بالتالي تنشأ عن التفاعل مع البيئة عن طريق المُحاكاة، ثم التعزيز، فالمُمارَسة حتى يصير الفِعلُ عادة.
بتطبيق هذه الخُطوات على اكتساب اللغة، يبدأ الطفل بمُحاكاة المُحيطين به، والديه بطبيعة الحال، في طريقة نُطقهم لكلمةٍ ما، لتكُن «ماما»، ولكنّه ينطقها «ما» فيُكافِئ الوالدان طفليهما بقُبلةٍ على سبيل المثال، فيعرف الطفل أنّهُ على الطريق الصحيح. ثُم يبدأ في مُمارسة هذه الكلمة كلّما احتاج والدته، فيُصبِح استخدام الكلمة عادةً عند الطفل. وفي النهاية يستطيع الطفل إجادة هذه الكلمة، وينطقها «ماما»(1) (2).

  • نظريّةُ النّحو العاَلميّ Universal Grammar

يزعمُ مؤيّدو نظريّة «النَّحو العالَميّ» – بقيادة عالِمُ اللُغويات الأشهر في العصر الحديث، نعوم تشومسكي– أنّ قُدرةَ الإنسانِ على تعلُّم اللُغات فِطريّة لا مُكتَسَبة. ويُفسِّرُ تشومسكي ذلك بأنّ الطِّفلَ يُولَد مُزوّدًا بـ «جهاز اكتساب اللغة(3)»، والذي يمنحه قُدرةً عقلية لُغوية تساعده على فَهم القواعد النّحويّة والتراكيب اللُغويّة، وأنّ هذه القُدرة مُعدّة سلفًا داخل الدماغ البشري دون الحاجة إلى تدريسها. ويُعلِّل تشومسكي ذلك بأنَّ الطِفلَ لن يستطيع أن يُحصّل ذلك القدر الهائل من الكلمات، والقواعد اللُغوية في سنٍ صغيرة، ما لم يكن لديه قُدرةٌ فِطريّة تُعينه على ذلك. ومِن مُنطَلَق أنّ تلك القُدرة الغريزية موجودة لدى جميع البشر، نشأت فكرة النحو العالمي.(4)

بالطبع هُنالِك الكثير من النظريات الأخرى التي تفسّر اكتساب اللُغة مثل النظرية البنيوية والنظرية المعرفية، إلّا أنّ النظريتين اللتين تم استعراضهما هما الأكثر جَدلًا على الإطلاق. والآن بعيدًا عن اختلاف النظريات، لننتقل إلى الواقع، ما هي مراحل تعلم الطفل للّغة؟

  • المرحلة الأولى «الجنين»:

اعتادَ الكثيرُ من الأُمهات الحديث مع أطفالهن، أو إمتاعهم ببضع مقطوعات موسيقية، رُغم أنّهم ما زالوا في أرحامِهنّ! وجرت العادة أن يحدث ذلك في إطارٍ فُكاهيّ يكاد يخلو من الجَد. إلّا أن عددًا من العُلماء أثبتوا بالتجربة أنّ هذا الفِعل له عظيمُ الأثَر في مساعدة الطفل مُستقبَلًا على تعلّم اللغة، بل وشجّعوا الأمهات على الاستمرار في ذلك. فالأصوات غير المفهومة التي يُحدثها الطفل أثناء شهوره الأولى هي انعكاس للغة الأفراد الذين كانوا يُحيطون بالجنين عندما كان داخل رحم أمه. وهذه الأصوات تختلف من لغةٍ لأخرى، فالأصوات الصادرة عن طفلٍ فرنسي تختلف عن الصادرة من آخر صيني.

في دراسةٍ نُشرِت عام 2009 بمجلة Current Biology(5) توصّل عددٌ من الباحثون إلى أنّ الطفلَ يختار العناصر الأولى من لغته الأم وهم داخل الرحِم. واعتمد الباحثون في دراستهم على قياس درجة تناسق أصوات البُكاء Cry Melodies لدى 60 طفلًا حديثي الولادة، ولكن مختلفي الجنسية واللغة. وتقول كاثرين وِرميك، إحدى الباحثات المشاركات في الدراسة:

«إنّ أهميّة هذه الدراسة لا تكمُن فقط في اكتشاف أنّ الأطفال حديثي الولادة بمقدورهم إنتاج أصوات مختلفة للبُكاء، بل في تفضيل هؤلاء الأطفال لأنماطٍ صوتية تُطابِق تلك الأصوات التي كانت تُحيط بهم أثناء فترة وجودهم داخل الرحم، في الثلاثة شهور الأخيرة من الحَمل. كما أنّ هذه النتائج تؤكد أهميّة البُكاء في عملية تطوير اللُغة».

(صورة لجنين عُمره 36 شهرًا)

 

وفي دراسةٍ عُنوانُها «تفاعل الجنين مع كلام الأم المتكرر» نُشِرت عام 1994، قام مجموعة من الباحثين بمُطالَبة عدد من الأُمّهات أن يقرأنَ لأجنَّتِهِنّ قصائدَ صغيرة، مثل تلك الأناشيد المُنتشرة داخل حضانات الأطفال، وذلك بشكل يوميّ خلال الفترة من الأسبوع الرابع والثلاثين حتى الثامن والثلاثين
من فترة الحمل. ثم قاموا بوضع أجهزه صوتيّة على بَطن الأُم بحيث تسمح للجنين أن يستمع للأناشيد نفسِها التي اعتادت أمُه أن تقرأها له، بجانب عدد من الأناشيد الجديدة يسمعها الجنين، ولا تسمعها الأم.

لاحظَ العُلماء انخفاض مُعدّل ضربات قلب الجنين عند استماعه للأناشيد التي اعتادت أمه أن تقرأها له، لكنّها لم تنخفض حين استمعَ الجنين للأناشيد الجديدة. وهو ما فسّره العلماء بأنّ الجنين كان يشعر بالراحة حين استمع للأصوات المألوفة بالنسبة له. والغرض من هذه الدراسة، أنّ الأجنّة سيصبح في مقدورهم التعرّف على الإيقاعات المُختلفة للأصوات، متى يرتفع الصوت، ومتى ينخفض، وكذلك متى يحدث التشديد Emphasis وبالتالي ذلك سيُساعده حينما يُولَد على مُمارسة هذه الأصوات(6).

  • المرحلة الثانية «فترة ما قبل اللُغة» The pre-linguistic period

يُطلق على الفترة ما بين الولادة حتى العشرة شهور الأولى مِن عُمر الطفل، فترة ما قبل اللُغة. ذلك أنّه في أوّل شهرين من عُمر الجنين، وحده البُكاء سيّد الموقف، حيث يبكي الطفل تعبيرًا عن جوعه أو انزعاجه من أمرٍ ما، بجانب الإشارة أو اللّمس بالطبع. كما يجدر بالذكر أنَ الأطفال يجدون دَعَةً في سماعهم الأصوات التي اعتادوا سماعها حينما كانوا أجِنّة.

في الثلاثة أشهر الأولى، يمرّن الأطفال أحبالهم الصوتيّة على نُطق الأصوات المتحركة Vowel Sounds وذلك عن طريق الضَحِك، والتجشؤ، والهديل. حتّى يتمكّنوا من السيطرة على عضلات وجههم فيُطوِّعوا شفاههم لتساعدهم على فتح وغلق أفواههم ثم تظهر على تلك الشفاه أول ابتسامة لهم. حيث نجدهم في شهرهم الأوّل يستطيعون تمييز الأصوات الساكنة Consonant sounds مثل الباء والميم والدال في «با، ما، دا» على التوالي، وهذه الحروف الساكنة بالمُناسبة أوّل الحروف التي يتعلّمها الأطفال. وعقب شهر آخر، تصبح لديهم القدرة على التعرّف إلى صوت علّة على اختلاف حدته، على سبيل المثال، لاحظ الفارق ما بين صوت الـ «ا» في «بابا/ ماما» و«دادا». ومن ثَمّ يبدأ الأطفال في «الثرثرة»
Babbling خلال المرحلة ما بين 4 إلى 6 أشهر. والثرثرة هي نطق مجموعة من الأصوات التي لا تحمَل أي معنى. وفي هذه المرحلة، يقوم الأطفال بعمليّة تباديل بين الأصوات الساكنة والمتحركة مثل «با، بي، بو، ما، مي، مو»، وتطوّر هذه المرحلة يتمثّل في مقدرة الطفل على تكوين كلمة من مجموعة من الحروف الساكنة والمتحركة مثل «بامادي، مابودي، بابابابا، ماماما… إلخ». وتستمر هذه المرحلة حتى يصل الطفل إلى شهره العاشر(7)، وفي نهاية هذه المرحلة يصبح الطفلُ قادرًا على ربط المعاني بالكلمات(9)، وتبدأ مرحلة جديدة.

  • المرحلة الثالثة «مرحلة الكلمة الواحدة» Holophrastic Stage

تبدأ هذه المرحلة عندما يتم الطفل عامَه الأوّل وحتى ثمانية عشر شهرًا، وهي المرحلة التي ينطق فيها الطفل أوّل كلمة له. لكنّنا لا نستطيع أن نُحددَ أيًّا من تلك الشهور سيشهد نُطق الطفل كلمتِه الأولى، لأنّ ذلك يخضع لعددٍ كبيرٍ من العوامل الثقافية، والصحيّة، والاجتماعيّة التي تؤثر بالسلب، أو بالإيجاب في اكتساب الطفل للّغة. ولكن، يشير أغلب العلماء إلى أنّ الفترة ما بين الشهر الحادي عشر حتى الشهر الرابع عشر هي أكثر الشهور المُحتَملة لنطق الطفل كلمته الأولى.(7) وغالِبًا ما تكون هذه الكلمة إمّا «ماما، بابا» أو الأسماء الفِعليّة للأُم والأب. ولا شكّ أن الثرثرة ستستمر خلال هذه الفترة وتتداخل مع الكلمات البسيطة جِدًّا التي يعرفها الطفل، لكنّها لن تلبث طويلًا حتى تزول.

وهُنا يجب الإشارة إلى أمرٍ شديد الأهميّة، وهو التفرقة ما بين إنتاج الطفل لكلمةٍ، وإدراكه لهذه الكلمة. على سبيل المثال، يمكن للطفل أن ينطق كلمة «كلب» في عُمر السنة مثلًا، لكنّه سيقوم بتعميم هذه الكلمة على كُل الحيوانات التي تشبه الكلب «ثعلب، ذئب، قطّة… إلخ»، وربّما أطلق على أي حيوان «كلب». هذا فيما يخص الأسماء، والأمرَ ذاته ينطبق على الأفعال، ففعل من أفعال الحركة مثل «يجري» على سبيل المثال من الممكن أن يستخدمه الطفل للتعبير عن عددٍ كبيرٍ من أفعال الحركة مثل «شوط، اجري، العب، امش… إلخ»(8).

خلال هذه المرحلة، تكون وتيرة تعلّم الكلمات بطيئة إلى حدٍّ ما؛ حيثإأنّه من الممكن أن يتكلّم الطفل بكلمةٍ جديدة كُل أسبوع تقريبًا، ثم يصبح المُعدّل ما بين كلمة وثلاث كلمات كل أسبوع. وطبقًا لبعض الدراسات، يُمكن، في بعض الحالات، أن يصل متوسط عدد الكلمات التي يعرفها الطفل في عُمر ثمانية عشر شهرًا إلى 50 كلمة(8).

وأثبتت دراسة أُخرى أنّ قدرة الإناث على تحصيل الكلمات الجديدة، في بادئ الأمر، تفوق الذكور. حيث توصّلت الدراسة إلى أنّ عدد الكلمات التي يعرفها مجموعة من الأطفال الذكور في عُمر 18 شهرًا هو 41 كلمة تقريبًا، في حين كان عدد الكلمات التي يعرفها الإناث في نفس المرحلة العُمرية 86 كلمة. ولكنّ هذه القُدرة تنخفض بمرور الوقت، لكنّها تظل تصُب في صالح الإناث(8).

  • المرحلة الرابعة «الكلام المُختصر» Telegraphic Stage

رُبّما هي مرحلة من أصعب المراحل، ففيها يتعلّم الطفل بعض القواعد الأوليّة للّغة، وبعض أساليب التواصل مثل النفي والاستفهام والتعليق والطلب. وتمتاز هذه المرحلة أيضًا بطفرةٍ في تعلّم الكلمات، حيث يمكن أن يحصّل الطفل من 10 حتى 12 كلمة في اليوم الواحد! ويحاول الطفل في هذه المرحلة أن يقوم بإيصال المعنى بأبسط الطرق المُمكِنة وبشكلٍ موجز. لذلك، في الغالب، لن يقوم الطفل باستخدام عدد من الكلمات مثل أدوات التعريف والتنكير، حروف الجر، الضمائر وأغلب الكلمات الوظيفية، على الأقل في بداية هذه المرحلة.

يمتدُ عُمر هذه المرحلة منذ الشهر الثامن عشر (1.5 سنة) حتى الشهر الثلاثين (سنتين ونصف). وفي السنة الثانية من عُمر الطفل، تبدأ الجُمل المُكوّنة من كلمتين في الظهور، مثل «كلب كبير، بابا العب، ماما آكُل» ومن المُمكن، في أغلب الأحيان، أن يعكس الطفل ترتيب هذه الكلمات. وتظهر هذه القدرة عند 11% من الذكور بعُمر السنة ونصف السنة، بينما تصل هذه النسبة إلى 46% فيما يخص الإناث، حسب إحدى الدراسات(8). كما يشرع الطفل في هذه المرحلة في اكتساب القدرة على استخدام بعض الكلمات الوظيفية، مثل تلك التي تُعبّر عن المِلكية مثل «دي بتاعتي» فهُنا، نجد أن الطفل استخدم إحدى أدوات الإشارة، وكلمة، وضمير ملكيّة. وهو ما لم يحدث في المراحل السابقة. والجدير بالذكر أنّه في هذه المرحلة، من الممكن أن يكون استيعاب الأطفال للكلمات أكبر بكثير من إنتاجهم لها. فيمكن أن ينتج طفل 100 كلمة على سبيل المثال، على الرغم من أنّه يعرف 300 كلمة. كذلك فإنّ معظم الكلمات التي يعرفها الأطفال حتى هذه المرحلة تنتمي إلى «الأسماء»، في حين أنّ نسبة الأفعال أقل بكثير. ومعظم هذه الأسماء هي إشاراتٌ للأشياء التي تحيط بالطفل أو لأسماء حيوانات، أو أصوات حيوانات.

وفي هذه المرحلة، من الممكن أن يخطأ الأطفال في صياغة بعض الجُمل أو في استخدام قاعدة نَحويّة مُعيّنة. إلّا أنّ الأطفال يتوقّعون من المُحيطين بهم أن يستخدموا الصياغة السليمة لهذه الجمل. فمن الجائز أن يخطأ الطفل ويقول: «ماما راح شُغْل» قاصِدًا «ماما راحــ(ت) (الـ)ــشغل» ولا يجب على والديه، مثلًا، أن يستخدموا مِثل هذه الصياغات معه، بل يجب على جُملِهم أن تكون سليمة تمامًا، وإلا سيشعر الطفل بغرابة(8).

خلال الفترة ما بين 36:30 شهرًا يكون تركيب الجُمل لدى الأطفال سليمًا إلى حدٍّ كبير، ولكن رُبما نجد بعض الأخطاء في استخدام الأزمنة، فمن الممكن أن يستخدم الطفل زمن المستقبل للتعبير عن الماضي. أو يخطئ في تصريف الفعل نفسَه مع الزمن المناسب، مثل قوله: «أنا أقع» بدلًا من «أنا وقعت».

بحلول العام الثاني، يصبح الأطفال قادرين على تكوين جُمل من ثلاث وأربع كلمات. كما أنّه من الطبيعي أن نلاحظَ الأطفال في هذه المرحلة يتحدّثون مع أنفسهم، حيثُ يجرّبون الكلمات الجديدة التي تعلّموها، ويضعونها في سياقات مُختلفة. فهُم على وشك دخول مرحلة أصعب(10).

  • المرحلة الخامسة «المرحلة المُعقّدة» Complex Stage

تبدأ في السنة الثالثة، وتنتهي بنهاية السنة الخامسة من عُمر الطفل. يسعى الأطفال في هذه المرحلة إلى تطوير الجانَب النّحوي من لغتهم، فتطرأ على لغتهم إضافاتٌ جديدة مِثل حروف الجرّ، وصيغ الجَمع، وتصريف الأزمنة بشكل سليم، وكذلك تكوين السؤال بشكلٍ صحيح، واستعمال أدوات النفي في موقعها، كما يبدأ الأطفال في هذه المرحلة استعمال أُسلوب الأَمر وخلق الجُمل المُركّبة. وهي الجُمل التي تتكون من جملتين بينهما أداة ربط.

يتمكّن الأطفال في بداية هذه المرحلة من استخدام أدوات الاستفهام «إيه، فين، مين»، والتي لا تحتاج إلى مهارات ذهنية عالية، حيث تشير إلى أشياء وأماكن ربما يعرف الطفلُ بعضَها. ولكن مِن الصعبِ، في بداية هذه المرحلة، أن يستخدموا أدوات مثل «امتى، ليه، إزاي»، والتي تحتاج مقدرة ذهنية عالية واستيعاب إدراكي لمفاهيم الوقت والسببية(10). وينطبق الأمرُ ذاته على النفي، حيث يبدأ الأطفال استخدام أسلوب النفي بوضع أداة النفي في مواضعها الصحيحة.

ويغلُب على هذه الفترة صورةٌ أخرى من صور التعميمOvergeneralization

فيما يخص الجَمع على سبيل المثال. حيث يتعرّف الطفل على جَمع كلمة ما مِثل «طائِرة» والذي هو «طائرات»، فيجمع عددًا كبيرًا من الكلمات بنفس الطريقة، فتُصبِح «بِنت: بنتات، كلب: كلبات، عين: عينات».

تنمو، في هذه المرحلة، وبمرور الوقت، قُدرةُ الأطفالِ على الرّبط والاستنتاج فيما يخص تكوين الكلمات. فيتتبّعون العلاقة ما بين النَّحو والدِّلالة، بمعنى أنّهم ينظرون إلى مَوقِع الكلمة في الجُملة ويصنِّفوها تِباعًا. فالكلمات الدّالة على الحركة تُصنّف كأفعال والكلمات الدالة على من يقومون بالفِعل
أو مَن يُطبّق عليهم الفِعل تُصنّف كأسماء، وبالتالي حينما يريدون استخدام كلمة ما، يلجؤون إلى ذلك المخزون من العلاقات لمعرفة أيّ المواضع يناسب هذه الكلمة. وهذا ما يُطلَق عليه Systematic Regularities أوPatterns أي الأنماط(6).

يكمُن تطور هذه المرحلة في اكتساب الطفل مهارات أكثر تعقيدًا، فها هو قادرٌ على تكوين الجُمل بشكل سليم، وإلى حدٍ كَبير، ويستطيع استخدام بعض الأساليب اللُغويّة، إلّا أنّه هنالِك شيءٌ بالِغ الأهميّة في هذه المرحلة ألا وهو «السياق»

Context أي استخدام اللُغة في سياقها الصحيح. فإدراك السياق مُهِم جدًّا للطفل؛ حيثُ يساعده، مثلًا، على معرفة مَن الذي يشير إليه الضمير «هُو» في جُملةٍ ما؟ متى يستخدم أداة التعريف «ال»؟ لذلك من الطبيعيّ أن نسمعَ طِفلًا يقول: «الولد ضَرَبني» دون معرفة من هو ذلك الولد، وبما أنّه شخصٌ غريب، لماذا يقوم الطفل بإضافة «ال» التعريفية للطفل؟ ولذلك فإنّ إدراك الطفل لمفهوم السياق يُعَد واحدًا من أهم المراحل التي يمُر بها الطفل، حيث تُمثّل نوعًا من النُضج اللُغوي الذي يساعد على خلق حالةٍ من التكامل بين الكلمات والمعاني والمواقف والأشخاص(11).

  • خاتِمة

رُبّما نجِد في بعض الكُتب اختلافًا طفيفًا في تشكيل هذه المراحل، فنجد مثلًا بعض العُلماء يقومون بدمج المرحلتين الأخيرتين معًا، ونجد عُلماء آخرين يؤكِّدون أو ينفون بعض من الظواهر التي تُلاحَظ على الأطفال. ولكِن رُوعي في هذا المَقال عَرض الرؤى الأكثر شيوعًا وأقلّ جَدلًا. وفي النهاية، طَالَمَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ شَيءٍ يَتَعَلَّقْ بِالإِنْسَانِ، فَكُلُّ شَيءٍ نِسبيّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد