هلمُّوا إليَّ نتحاور في الأمس وما فعله أجدادنا، وفي اليوم وما نفعله نحن، وفي الغد وما نتركه لأبنائنا.

فدون مقدمات ولا إطالة، أدخل في الموضوع مباشرة، بداية بتهنئة أمريكا على تنصيب رئيسها الجديد والمدعوا «دونالد ترامب»، وأهنئ الأمة العربية، التي أفاضت بتحليلاتها السياسية، وتنبؤاتها الفلسفية، وترقبها للساحة العالمية عن كثب، فكانت هي الناخب والمنتخب، وهي الضريبة التي سيدفعها الشعبين الأمريكي والعربي.

إنها القوة، الثروة، العبث، موت الإنسان، هكذا ينادي الإعلام العربي، حتى قال أحدهم وداعا ياعرب، وإمتلاء الفضاء الأزرق بهذه التفاهات، وضجَّ بالكذب، حتى كادت تخنقني وأنا جالس في بيتي،

كل القنوات الإذاعية، والتلفزية، وفضاءات الإنترنيت، والجرائد والمجلات ومراكز الدراسات قد أفاضات في هذا الشأن، وترقبت فوز ترامب بجدارة، لهذا يصلح للعرب أن تمنحها أمريكا لقب «الحاكم»، الحاكم العاجز، والمنشل، الذي لا يستطيع أن يحرك ساكنا من مكانه، سوى المراقبة بعينيه، والشعور بقلبه.

إن الحالة الخاصة التي نعيشها اليوم، تقتضي أن نقول كلمتنا الأخيرة أولًا، ونقرأ الحدث من آخره، ومن هنا فإن الموضوع قد يبدوا مملا للذين لم يتعرفوا بعد على الظروف الفكرية والعقلية للمسائل والقضايا الدولية التي أعرضها، فيحتاجون إلى مزيد من التأمل والدقة، وعلى كل فإني سأقول في هذه الجلسة ما كان ينبغي أن أقوله في عدة جلسات لعدم الفرصة، وسأقول في أول كلمتي ما كان ينبغي أن قوله في آخرها، وهذا ما يزيد في إبهام الموضوع، ولكن لا حيلة لي غيرها.

إلى الشباب الذي طرد هاجس الخوف، إلى الذين احتضنتهم أيدي الذل، إلى الذين سيجتمعون على مأدبة الاتحاد والتوحد كما اجتمعت الحفنة الضعيفة بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم، يجب أن تكونوا نبهين كي لا نرى أنفسنا مغتنين بالترقب والتحليل فقط، لأنها كفاءة كاذبة وشبع كاذب ونوع من الغش الكبير الذي يختص به المثقفون والمتنورون في زماننا وفي عالمنا العربي والإسلامي، فحين يرى المثقف نفسه مشبعًا بهذه الترهات، وينال دراسات عالية، ويكتسب معلومات واسعة ورفيعة، ويرى أساتذة كبارًا وكتبًا مهمة، ويجد الأراء والنظريات البديعة التي ترجح كفة عن أخرى ويتعلمها، ويجد في نفسه رضى وغرورًا، ويظن أنه بلغ من الناحية الفكرية إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه الإنسان الواعي، فقل له أنه مهما تغير لونك، ومهما زاد علمك، ومهما هتفت لتشجيعها، أو شتمتها، فلا يشكل فارقا بالنسبة لها، لأنك ستظل ذل الإرهابي الذي يحارب أمريكا ما دمت على دينك الإسلامي، لأن الإسلام هو العدو رقم واحد.

إن كون العالم جاهلا وبقاء المثقف عاطلا من هذا الشعور، وإعطائه العناوين والألقاب البارزة لتضخيم قضية الإنتخابات الأمريكية، كالقوة العظمى والرائد الأول والالقطب الواحد وأمثالهم لحالة مؤلمة جدًا، فيما إذا كان فاقدًا للفهم والنباهة والشعور بالمسؤولية تجاه مجتمع الفاقد للمناعة، يكفي أن تدخل على المريض بإبتسامة كي يشعر بتحسن معنوي، ويكفي أن تهتم بقضايا المجتمع محلي كي يشفى من سقمه الخارجي.

إن في أعماقنا نور، يسعى لاختراق صدورنا، ليشعل هذه الظلمة التي تعترينا، فلنعلم أجدادنا أننا لا نخف أمريكا لقوتها، بقدر ما نخاف أولئك الذي يعيشون في أوساطنا وبيننا، إن ما يفعله هؤلاء الحمقى ليست سوى ما تفعله الأبواق حين تردد صى الصوت من بعيد، فنقول أمريكا، فيرجع الصدى، ريكا ريكا، لنعلمهم أننا سنعيد أسطورة سبارتاكوس الأثيني الذي جمع حوله العبيد في حضارة الرومان لخلصهم من تلك العبودية، ويشكل جيشه، ليحارب أقوى جيش عرفه التاريخ آنذاك، لنعلمهم كيف غزى محمد الأمي – صلى الله عليه وسلم – العالم، وجيشه يتكون من أفقر الناس وأضعفهم، إنها العزم أن تحيا العروبة، أن يحيا الإسلام في أعماقنا،

إن المجتمعات في العالم الثالث، إفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية، هذه المجتمعات المتأخرة من الناحية الصناعية، المنحطة في تقدمها، التي لم تصل بعد إلى مستوى التلميذ الأوروبي والأمريكي في شتى التعاليم الفنية والفلسفية، هذه المجتمعات الفقيرة تمامًا، تملك قدرة مجهَّزة بأسلحة تقف مكافحة ضد الغرب بكامل أسلحته، وتمام عدده وعدته، فتجبره على الخضوع والإستسلام؛ في الوقت الذي يمتلك الغرب قدرات تكتيكية وعلمية وفلسفية عالية، بالإضافة إلى شرائه كل نبوغ في العالم لأنه متمول – إذ النبوغ والدراسات العالية والعلماء والمكتشفون والمخترعون والكتاب، هذا كله أصبح يباع ويُشترى كالسلع المعدة للبيع والشراء، تتبع المال أينما كان – ولإمتلاكه الميراث العلمي في الدنيا كلها، واحتفاظه بجميع المبدعات والذخائر من جميع الفروع العلمية، إبتدعها هو أو أخذها من غيره، فبلغ ذروة التكامل العلمي والفلسفي والتكنولوجي، وحاز ثمرة كل الجهود البشرية التي بذلت في سبيل العلم إلى هذا اليوم، مع ذلك فهو قد فقد شيئا أجبره على الخضوع والإستسلام لتلك المجتمعات، التي لا تمتلك أي نوع من الأسلحة، فأهلها حفاة، لا يمتلكون حتى آلة للدفاع عن حياتهم وحياة أسرهم، رغم أسلحة الغرب المادية والمعنوية والعسكرية.

من المُسَلّم به أن المجتمع الذي يرتبط بهدف عالٍ وعقيدة وإيمان، فإنه يتفوق على كل قدرة، وإن مجتمعنا كمثل هذا، ستكون له حضارة أيضا بعد عشر سنين أو خمسة عشرة سنة» ولست أنا من يعدكم بهذا، بل الله هو الذي يعدكم في قوله «وتلك الأيام نداولها بين الناس» – كما تكون له صنعة، وينتج على مسوى عالمي أيضا، ونماذج كثيرة في الزمان الماضي وفي وقتنا الحاضر كان لها ذلك، أما إذا كان المجتمع فاقدًا لنموذج يهدف إليه، فاقدًا للإيمان والرعاية الشخصية والإجتماعية، وليس همه سوى الصنعة والإقتدار والرأسمالية، وما يسمى اليوم بالتقدم العلمي والصناعي، فإنه سيبقى مستهلكا وإن ظن أنه منتجًا، مستهلكا للأخبار الغربية، مستهلكا للعلوم والنظريات، مستهلكا للمواد المصنعة، مستهلكا حتى في أدنى المنتجات.

لنغير العالم ونقلبه رأسا على عقب، لنغير مفاهيمنا، فيكفي كم حقرونا؟ انظروا إلى أنظمتنا التربوية والإجتماعية! لقد حقرونا إلى حد حيث أصبحنا لا نؤمن بقابليات قدراتنا، أي أُنكِرنَا ذلك الإنكار الذي تأباه حتى فراخ الحيوانات، فهي تأبى أن ترى أنفسها عاجزة إلى هذا الحد! نحن عاجزون عن الإنتقاد، عن الإستفسار، وحتى عن الكلام! أصبحنا وملؤنا عدم الصلاحية، لا نجرأ حتى أن نتصور أننا قادرون عل أي عمل صغير! هكذا وإلى هذا الحد نحن حقراء غير مؤمنين بأنفسنا!

ولا شك أن الجيل الذي يستحقر نفسه بنفسه يكون حقيرا أيضًا؛ فسياسة الإستعباد والإسترقاق تقتضي التحقير أولا، أي يُحقَّر الذي يراد استرقاقه، حتى يظن أنه من طبقة دنية وأسرة منحطة، ثم يتقبل الذلة بكامل الرحب، ويلجأ للعبودية والإسترقاق، إنها القابلية للإستعمار التي حذرنا منها مالك بن نبي، أسرعوا وسارعوا إلى مراقبة أفكاركم، وتنقيتها، وتنقيحها، وولم شتاتها، كي تصبح قابلة للإستعمال، إن هذا يذكرني بما قاله هنري كيسنجر ذات يوم أن أخطر المسلمين على أمريكا هو حسن البنا وسيد قطب،

هل تعلم لماذا؟

لأنهما إذا قالت الغرب الديمقراطية بمفهومنا الغربي، قالا هذين الرجلين الديمقراطية بمفهومنا الإسلامي، إنهم تعلموا كيف يسدون ثغراتنا بما ينفعنا، إنمهما كافحا لأجل صياغة عالمنا، فكانا مصيريهم إلى الموت، وبقيت أبواق جمال عبد الناصر في مصر تردد صوت أمريكا، وأبواق سوريا تردد بصوت روسيا، وضعنا بين هاتين، كما يضيع الثلج حين يذوب على قمة الجبل،

أي شيء عمل بنا الغرب نحن المسلمون؟ استحقروا ديننا ولغتنا وأدبنا وفكرنا وماضينا وتاريخنا وأصلنا؛ وكل شيء لنا استصغروه، إلى حد حتى أخذنا نحن نستهزئ بأنفسنا، كهذا مؤكد ولا جدال فيه.

أليس هذا الاستحمار بعينه؟

إن الاستحمار لديه تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره وحرف مساره عن النباهة الإنسانية، فردًا كان أم جماعة، فأيُّ توجيه إعلامي ودراسات وكتب يجبرنا على خوض هذا الغمار مع الشعب الأمريكي في إنتخاباته التي هي ليست من شؤوننا لهو دافع إستحماري، حتى ولو كان هذا الدافع من أكثر الأمور قدسية وأقدسها إسما، إن أي عمل يقع في طريق هذا الإغراء بالإهتمام بالشؤون الخارجية قبل الشؤون الداخلية لكل دولة ما هو إلا وقوع في العبودية، بل إن أي مسألة تُعرض بهذا الشكل فإنها دعوة كاذبة مزوَّرة عاقبتها الذل والعبودية، لأنها ليست إلا تحذيرًا للأفكار، وهدما للبُنى الداخلية، لذلك تنصب دينامبة الإستحمار على اتجاهين:

أولهما؛ التجهيل: بتحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة عن القضايا المصيرية.

ثانيهما؛ الإلهاء: بإلهاء الإنسان عن الحقوق الكلية بالحقوق الجزئية، وبالقضايا الدولية على حساب المحلية بما يقع تحت فلسفة (الأهم والمهم) و (فقه الأولويات)، بإشغال الإنسان العربي في المهم دون الأهم وفي الهامش دون المركز، وفي الدولي دون المحلي،

إنه لمن سوء الحظ أن لا ندرك ما يراد بنا، فيصرفوننا عما ينبغي أن نفكر فيه من مصير مجتمعنا أو أُفكر فيه أنا من مصيري كإنسان، إلى أن نفكر في أشياء نحسبها راقية جدا وعظيمة ومشرِّفة، فيصيبون الهدف دون أن نشعر! ومن أجل هذا نقول إذا لم تكن حاضر الذهن في الموقف، فكن أينما أردت.

لذلك أقول كلمتي الأولى وأنا على يقين، لأولئك الذين يهمسون في أذننا بأن نرفع أصواتنا فرحا بهذا النصر، نحن لا نؤيد ولا نعارض في شيء لا يخصنا، ولا يعنينا فوز ترامب في شيء، بقدر ما يعنينا من قضايا أمتنا الإسلامية، بقدر ما يعنينا لاجئي سوريا، وحرب ليبيا، وأطفال اليمن، لازلت أتذكر إجتماعكم يا عرب لإغتيال اليمن بأسلحتكم، وغدركم بفلسطين، وهمزكم ولمزكم بالجزائر، ولكن أعلم أن في داخلي ثقة تقول، أن وراء أقنعتكم المخيفة جيل جديد يأبى الخضوع، ويسعى للتحر من قيودكم ومن قيود الغرب، ليبني لنفسه موطنا جديدا، وعالما جديد تزفه الحرية، ويحتظنه الإسلام، فمن أين خرج الإسلام ، سيعود، سيعود.

وأخيرا أقول كلمتي، أن كل واحد يسير في نهجه وتخصصه في دراسة ملف أمريكا من جانب سياسي أو إجتماعي أو إقتصادي أو عسكري على نحو يغفل عن قضية المجتمع ومصيره، فهو أكبر خائن، وأعظم أحمق، لأنه لم يتعلم بعد أنه مهما إختلفت الشخصيات الحاكمة في أمريكا سنظل نحن تلك البقرة التي يحلبونها، أو بالأحرى تلك البقرة التي يشربون حليبها وإن نفذ الحليب، تغذوا على لحمها، كما هو الحال مع فلسطين وسورية وليبيا اليوم، متى نتعلم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، نعم! إذا غير الإنسان العربي/ المسلم ذاته وطبيعته فإنه قادر على تغيير مصيره ومصير تاريخه، ولا يرتبط هذا بالجسم ولا المال والمقام ولا بالشهادات العليا ولا بالأوصاف من دكتور وبروفيسور، إلخ، بل يرتبط بصدقه وإنتمائه في ذلك الكيان الذي سقط ، ويطمح للوقوف مرة أخرى، ليسير في ركب التقدم والرقي، والذي يبقى لهذا الفرد إنسانيته فقط، وهو ما تعلمناه من الإسلام ومن الرسول صلى الله عليه وصحابته الطاهرين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد