نُقل عن أبي حاتم ورَّاق البُخاريًّ أنه قال عنه: «ورأيته استلقى على قفاه يوما، ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث فقلت له: يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ، سمعتك تقول يوما: إِنِّي مَا أتيت شيئا بغير علم قط منذ عقلت، فأي علم في هَذَا الاستلقاء، فَقَالَ: أتعبنا أنفسنا في هَذَا اليوم، وهذا ثغر من الثغور، خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن استريح، وآخذ أهبة ذلك، فإن غافصنا العدو، كَانَ بنا حراك» ]تهذيب الأسماء للنووي،ج1/ص75 [

بهذه الحكمة أستهل وأتساءل! ما هو غرض التعلُّم الشرعي والتثقف العام في وقت النازلة (الاحتلال العسكري)؟ هل هو المذاق والمتعة وملء الفراغ ثم الثواب كما في غير النازلة، أم هو مواجهة هذه النازلة على بصيرة وحماسة؟ وإذا كان هو المتعة والملء؟ فهل هذا احتواء للجهاد لتكسير موجته لدواعي التعلم؟ أم باختزاله في جهاد النفس أو تعطيله لداعي الفتنة!

إيقاظ الجهاد الإسلامي

الربيع العربي، جاء بثورات ألهبت حماسة الجماهير المسلمة في العالم العربي، سرعان ما تضاعف اللهب المعروف باسم الثورة، إلى روح جهادية  في العالم الإسلامي، كالروح الفدائية التي بدأت مع بداية القرن الماضي، بمواجهة المُستخِرب الغربي، جاء الربيع العربي ورفعَ مقدار وعي الأمة تجاه عدوها كما لم يرفعها حدث من قبل، بالإضافة إلى  الشبكة المعلوماتية الضخمة، التي سهَّلت ومحصت وفاصلتْ العالم المُعادي.

تيَّقظ المَارد الجهادي على الشكل القديم، الذي لم يكن موجود على الأقل بهذا الشكل منذ الحروب الصليبية الأولى، بالأمة لا بالصحوة،  وهذا الشكل أربَّك حساباته بما لم يكنْ يتخيله في المواجهة، فحاول أن يحتوي هذه الثورة الكبرى، بنمط يُواكِب هذا العالم المعلوماتي، بطرقه التي تعددت بين المواجهة المسلحة الشاملة والاختراق والإحتواء بالسياسة والفكر أو السماح لأشياء أخرى من الداخل من شأنها احتواء العملية الثورية الجهادية وكسرها على أطلال الواقع.

احتواء الجهاد بالسياسة

إن قلنا إن السياسة التي تبنتها الدعوة الإسلامية في مصر في السبعينيات، إحدى وجهات الجهاد ضد الأنظمة المستبدة لتحكيم الشريعة – وهي كذلك في وقتٍ سابق – فهي بشكل غير متعمد، احتوت الصحوة – من جماهير الشباب – الغاضبة والناقمة على شكل الحُكم الوضعي، لداعي عدم إراقة الدماء وإمكانية إصلاح الدولة القومية من الداخل، احتوت الصحوة وهدأتها  بشكل قارب النجاح الجمهوري حتى وصمت من لم تقدر على احتواءه بالألفاظ التي خرجت عليها لتصححها (كالتطرف والإرهاب)، وهذا وإن نجح في تقليل الخسائر البشرية، إلاَّ أنه كان في نفس الوقت تكسير واختزال موجات الثورة والجهاد  الجماهيري على هذا الحكمْ.

تكرر هذا الأمر بعد ثورة يناير، باختزال الحماسة والثورة بالنيابة عن الدولة في الأدوار الخدمية، والتبرير السياسي للثورة، بالإضافة إلى تخذيل العملية الثورية العامة، بدعوى انتقال الثورة إلى البرلمان، بدالاً من تطويرها إلى الحالة المنشودة إسلاميًا.

الوقوف أمام الفطرة الطبيعية

بعد الانقلاب العسكري، الذي جلَّى قَباحة الدولة الحديثة بمعظم أطروحاتها، لمن كان أعمى طيلة العقود الماضية،  اندفع كثير من القادة الإسلاميين، إلى محاولة تطوير النموذج الثوري إلى النموذج الجهادي المنشود، وهو ما رفع سقف الطموحات عند الجماهير إلى عروشْ حُكم العالم حتى كشفت خيبة القرارات سذاجة وضحالة القيادة الإسلامية العامة، فتساقطت الطموح كسفًا من العروش جثة لا حراك فيها، لم تكنْ خيبة إلا بالتراجع عن الأطروحة الأم، وتأويلها على غير تأويل أصحابها، وعلى غير عزيمة الحدث لدواعي يمكن أن تقبل في وقت آخر غير وقت الثورة، فانقلب الجهاد عنفًا، والسِلم جهادًا،  وكُبِح الفعل الفطري، تجاه الظلم والقهر والإفك، بدعوى ضبط النفس،  وكان بإمكانهم أن يمنعوهم من الخوض في أمر القوة منذ رابعة لداعي الضعف مثلاً، إلاّ أنهم استرسلوا في الانتفاخ حتى كسروا أعناق أبناءهم بمذابح الإدبار من معركة دون خطة انسحاب،  هذه الحركة الغير مدروسة والساذجة سببت حصيلة من الكبت واليأس، لمن لم يأخذ دوره من الهولوكوست من الجماهير الحركية، بالإضافة إلى الكفر والتيقن من عدم جدوى المظاهر الديمقراطية، لعدم جدوها في ذاتها، ولأصولها الغربية التي عليها دخنْ، بل وتعارض كثير من أصولها مع ظاهر النص الشرعي، وما دخلتها الدعوة إلا مضطرة، كما بيَّن الشيخ عُمر الأشقر رحمه الله في كتابهِ: ]حُكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، ص29-33[ فاضطر بعضهم أن يبحث عن سلامه النفسي في غير هذا النظم، فأتجه إلى النماذج التي في ظاهرها يمكن أن تفرغ هذا الانفعال في نموذج جهادي أقرب إلى سلامه النفسي، وأبعد عن حكمة الشيوخ المُقنّعة بالرهبة والسذاجة والاضطراب، وبقى الأكثر بعيدًا عن هذا النموذج الجهادي الغير راشد، وعن هذا النموذج الإسلامي الساذج الذي فرّغ طاقتهم، وما وجدوه من مصير أقرانهم كان كفيلاً بإخراجهم عن العركة التي كانوا ينشدونها لتحرير العالم الإسلامي، فأنتهى المطاف بهم إلى الانسحاب إلى الواقع المحلي.

احتواء الجهاد بالعلم الشرعي

لا يمكن توصيف هذا المصطلح بهذا الشكل المقلق على إطلاقه، هذا الشكل  الذي يضع العلم في مواجهة الجهاد، إلاَّ أنه في العالم المختزل الناقص الذي يختزل كل شيء على تصوره، يمكن أن يكون موجود وبشدة.

بشكل ما، وطرق كثيرة، يُلبَّس العلم في عوالم النكسة، بغير الثَوب الذي خُلق من أجلهِ، فمرة لداعي الإعداد غير أنه الإعداد المُخِزّل الذي جاء  للاستدراج إلى  اللذة والمتعة العلمية، والانشغال فيها بما ينقص المد والمحتوى الثوري، بالإضافة إلى تأثير هذا الأمر على العمل الجمعي الثوري الجهادي بالانسحاب والتهدئة لداعي الإعداد، حتى استفراغ الحماسة واحتوائها بسكون العلم. ومرَّة بغرض التعلم للنجاة ولثواب العلم فينجر إلى العلم الذي يجده في النهاية العلم المحروق والخلافي. لأن شيوخ النكبة لا يُعلِّمون إلا العلم المنكوس، أو لثوابه الذي يأخذه كما أخذه الجبرية الذين انشغلوا بالتعليم، ونابليون يدك القاهرة.

الاحتواء بالثقافة

المعرفة من أجل المعرفة هي في حد ذاتها فضيلة، وتقرب إلى الله، لكن في توصيف وموقفيه هادئة، غير التي تتدافع فيها أمتنا الأن. هذا الانتشار المعرفي لمراكز الدراسات المعرفية، ومراكز التأصيل والتنظير، وديار النشر والأبحاث؛ حركة علمية جيدة إذا كان المحتوي في صدد الحركة الحيوية والتحرر، لا في صدد الفلسفة والتأطير وإشكالية التعاريف ومناقشة القديم وترجمة ما قبل وما بعد، هذا الانتشار يزيد المقبل جفافًا في الحدث، لغوغائية الأفكار المطروحة هنا وهناك، حتى لو كانت فكرة واحدة فهي أيضًا في النهاية، ثقافة ساكنة لا تولد حركة لغوغائية عرض الفكرة الواحدة أيضًا، وهو في حد ذاته يدفع المنفعل الثائر، إلى الهدوء المرفوض في موقفية الثورة والجهاد.

الإحتواء الموجه من قبل العدو.. متنفس المقتول

قد يكون الأمر في ذاته مواجهًا من قبل العدو، لأنه يسمح لك بذلك، ولا يسمح العدو إلا بما هو له صالح،  ومتنفس الثقافة كمتنفس الممارسة الديمقراطية التي لا تتعدى مرحلة الحكومة الإسلامية، العدو يخلق متنفس لخصمه القوي حتى يراجع نفسه ويرضخ له،  فيترك متنفس يضيق فيه عليه حتى يتأقلم على التنفس الضيق، فإذا لم يرضخ له ويرضى عليه، خنقه بلا جهد، ولم لا فقد سلبه محتوى القوى، هذا ما يفعله بالضبط عندما يحتوي فيهذبك ويسكنك ويدجنك، حتى تفقد المحتوى الذي جذب إليك القوة والتصور والأنصار، كما هو بهذا التصور لا يقترب إليك ما دمت في النظرية واللاهوت والفلسفة، فكل هذا يسهل مراقبته وترويضه، ولا بأس وقتها بالندوات والدعوات، والوعي والجد وما لا يسع وما لا يضيق،  ولا بأس بالتجمعات الإسلامية النظرية، التي تتحدث عن هيمنة الدولة وإشكالية الدولة، ما دمت تفرّغ كبتك في النظرية، وانفعالك في المعرفة والنقاش والاستئناس باللذة المعرفية التي لا تنتهي.

لا بأس بكل هذا ما دمت وديعًا نظريًا، هذا متنفس لك لكي تُفجّر فيه غيظك وقهرك لكن في المعرفة، وفي النهاية ستختنق وستبكي على ضياع الفرصة التي كانت فيها الأمة ثائرة عزيزة، في لحظة لا تكرر كثيرًا في قرونها المنصرمة.

ما فات لا يمكنْ أن نجزم به على سبيل الحتم والتعميم في كل التجارب التي تدعوا إلى التعلم والتثقف، ولكن الحدث يبين لنا، أن هناك طوائف كثيرة تدعو إلى ذلك بالدعاوي الباطلة التي من شأنها التخدير والاحتواء وغسل الأدمغة الصافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجهاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد